العلويون في تركيا.. تاريخ من العزلة

تركيا والعلويون

العلويون في تركيا.. تاريخ من العزلة

مشاهدة

14/01/2020

يجمع العلويون، أو "العلاهيون" في تركيا، مزيجاً من المعتقدات الشيعية والممارسات الدينية الصوفية، ويعود وجودهم في البلاد إلى بدايات القدوم التركي إلى الأناضول، ويشكلون قرابة ربع السكان، ومع ذلك لا تزال الدولة غير معترفة بهم كطائفة مستقلة.
وبسبب عدم الاعتراف الرسمي بالعلويين، ومنع الدولة إجراء إحصاءات على أساس الطائفة، فإنّ هناك تفاوتاً كبيراً في تقديرات تعدادهم في تركيا؛ حيث يعتبر العلويون أنّ عددهم يصل إلى 25 مليوناً، بينما تتحدث مصادر رسمية عن عدم تجاوز العدد 14 مليوناً. وبحسب مختلف التقديرات فإنّهم يشكلون، وفق ما ورد في كتاب "علويو الأناضول" لمؤلفته ايرين ساري، ما نسبته من 20 إلى 25% من مجموع السكان، وهو ما يجعل العلوية أكبر أقلية دينية في تركيا.
ويتوزع العلويون في تركيا، وفق الباحثة التركية سيرين سليمانبيكاوغلو،  على ثلاث مجموعات إثنية: تركية وكردية وعربية؛ حيث يشكل الترك حوالي الثلثين، بينما يشكل الأكراد قرابة الثلث، أما العرب فلا تتجاوز نسبتهم الـ 5% وهم يتركزون في ولاية هاتاي (لواء الإسكندرون).

أماكن انتشار علويي تركيا في الأناضول، حيث يتركز تواجدهم في المناطق الجبلية الوسطى من البلاد

الاضطهاد العثماني
أطلق العثمانيون على العلويين بدايةً اسم "القزلباشية"، وهي تسمية كانت تطلق على الطرق الصوفية الأقرب إلى التشيع، المنتشرة في مناطق الأناضول والهضبة الإيرانية، وفي فترة لاحقة عرفوا بـ "البكداشية"، وهي تسمية مستمرة حتى اليوم؛ حيث تعرف الطائفة أيضاً باسم "العلوية البكداشية"، وذلك نسبة إلى الحاجي بكداشي، الذي استقر في الأناضول عام 1688، قادماً من آسيا الوسطى؛ إذ أسس الطريقة "البكداشية"، وأصبح أبرز شيوخ الطائفة.
اتّهم العثمانيون العلويين بمساندة الصفويين في إيران في صراعهم مع الدولة العثمانية، وهو ما أدى إلى ارتكاب حملات إبادة بحقهم، الأمر الذي أثر في  تواريهم واعتزالهم في الجبال والانطواء على أنفسهم.

عمل فني يجسد معركة جالديرن (1514) إحدى أشهر المعارك بين العثمانيين والصفويين

ممارسات وطقوس خاصة
وقد دفعت بهم العزلة إلى تبنّي وتطوير نظام عقدي وسلوكي خاص بهم، الأمر الذي وصل بهم إلى طقوس دينية وتجليات ثقافية تختلف بدرجة كبيرة عن الطقوس الدينية والثقافية المعروفة تقليدياً في المجال الإسلامي.
وتختلف صلاتهم عن الصلاة المعروفة في الإسلام، فهي أقرب إلى رقصة جماعية، برفقة الآلات الموسيقية الخاصة، ولا يوجد فصل فيها بين الذكور والإناث. ويؤدّون صلاتهم في غرفة كبيرة تسمى "بيت الجمع"، وهم لا يبنون المساجد، مرجعين السبب في ذلك، وفق ما نقل عنهم، بـ"أنّه لم يكن هناك مساجد في زمن النبي، فضلاً عن أنّ علي بن أبي طالب قتل في المسجد".

يشكل العلويون قرابة ربع السكان في تركيا، ومع ذلك لا تعترف الدولة بهم كطائفة مستقلة

والعلويون الأتراك لا يصومون شهر رمضان، وفيما يتعلق بالحج، فإنّ أكثرهم يحج إلى قبر بكتاش، ويشتهر العلويون بشرب الخمر الذي كثيراً ما يصنعونه في بيوتهم. وتتميز العلوية الأناضولية (العلاهية) عن العربية  بطقوس الرقص الصوفي التي اكتسبتها من ارتباطها بالطريقة البكداشية.
ولدى العلويين الأتراك أعياد ومناسبات، اكتسبوا بعضها من الثقافات الفارسية والكردية، كاحتفالهم بعيد النيروز. ومنها ما هو إسلامي كصيام محرم، والاحتفال بعيد الأضحى، ومنها ما يحمل تأثيرات مسيحية كالاحتفال بيوم الخضر.

أداء الصلاة عند العلويين الأتراك

تأييد العلمانية وتبنّي الأتاتوركية
ومع إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924، وتأسيس الزعيم التركي كمال أتاتورك للجمهورية التركية الحديثة، وإرساء أسس العلمانية في الدولة، أيد العلويون النظام العلماني الناشئ؛ حيث تم منحهم لأول مرة فرصة معاودة الاتصال بالبيئة الاجتماعية والسياسية المحيطة بهم، وأمسوا مواطنين كغيرهم، ولذلك يعتبرون الدولة العلمانية شكلت الضمان الأساسي لوجودهم القانوني والثقافي، كما يكنّون الكثير من الفضل لأتاتورك، وهم يرفعون صوره بشكل دائم إلى جانب رسم للإمام علي والحاجي بكتاش.

صورة أتاتورك إلى جانب رسم للإمام علي وحاجي بكتاش في أحد بيوت الجمع العلوية

صعود الإسلام السياسي وتهديد الهوية و"البيان العلوي"
ومع تزايد الصراع على الهوية في مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، اتجه كثير من الناشطين العلويين إلى الحركات اليسارية، وتبنّوا  الفكر الماركسي في مواجهة الفكر اليميني القومي المتطرف والإسلام السياسي الصاعد. وقد ألحق انقلاب كنعان افرين عام 1980 الأذى بأحزاب اليسار العلماني التي كان العلويون يشكلون القاعدة الأساسية فيها، في مقابل دعم الحركة الانقلابية للاتجاهات الإسلامية السنية، وتأكيدها على البعد الديني للهوية السياسية.

ارتكب العثمانيون حملات إبادة بحق علويين، ما أدى إلى تواري متبعيها واعتزالهم في الجبال والانطواء على أنفسهم

وقد بدأت الدولة منذ انقلاب 1980 بالاتجاه نحو تعزيز تدريس المذهب السنيّ الحنفي في المدارس، وبناء مساجد سنيّة في القرى والمناطق العلوية.
وبذلك فقد شكّل عقد الثمانينيات بداية ظهور تململ واضح من جانب العلويين مما يجري حولهم وضدهم. وكان ما سُمّي بالبيان العلوي الذي أصدره مثقفون علمانيون في آذار (مارس) عام 1989، من كل الطوائف والمذاهب والأعراق، حدثاً مهماً ومرحلة بارزة في مسيرة علويي تركيا؛ إذ طرح هذا البيان ولأول مرة المسألة العلوية في تركيا.
مجازر وانتهاكات بحق الطائفة
ومنذ صدور البيان العلوي، قام العلويون بمحاولات عديدة لإثارة أوضاعهم إلى العلن، وشجّع على تكثيف تحركهم الأحداث الدموية التي وقعت بحقهم في "سيواس" عام 1993، وفي ضاحية "غازي عثمان باشا" بإسطنبول عام 1995؛ حيث وقعت مجزرة سيواس عام 1993، التي قتل فيها 73 شخصاً جميعهم من الشعراء والكتاب والفنانين العلويين، في حادثة احتراق فندق مفتعلة، كانت تعقد فيه فعالية ثقافية.

صورة لاحتراق فندق مدماك عام 1993

حزب "العدالة والتنمية" وسياسة الدمج
ومنذ وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى الحكم عام 2002، شرع بتنفيذ سياسات تهدف إلى استيعاب العلويين ودمجهم في سائر النسيج التركي، وهو ما قوبل بالمعارضة من الطائفة؛ حيث اعتبرت هذه السياسات مهددة لوجودها.
وتتمثل هذه السياسات في بناء المساجد السنية في المدن والقرى العلوية، وتدريس أبنائهم الدين على الطريقة السنية. أما بيوت الجمع التي يمارس فيها العلويون الطقوس وشعائرهم الدينية، فتسميها الحكومة مراكز ثقافية علوية ولا تعترف بها كدور عبادة. كما تخصص الحكومة ميزانية رسمية لفائدة المساجد تتراوح ما بين 5 و6 مليارات دولار، من دون وصول أي شيء منها للعلويين.

تتميز العلوية الأناضولية عن العربية بطقوس الرقص الصوفي التي اكتسبتها من ارتباطها بالطريقة البكداشية

وتهدف الحكومة من هذه السياسات إلى دمجهم ضمن الطائفة السنية. وقد طرح الحزب مشروع قانون مثيراً للجدل عام 2013، يسعى للحد من المؤسسات المدنية والدينية العلوية في محاولة لدمجهم في المجتمع التركي.

اجتماع أردوغان مع أعيان الطائفة في محاولة منه لاسترضائهم

تصاعد حركة المطالبات
كانت ردة الفعل على هذه السياسات هي تكاثر الجمعيات والمراكز الثقافية العلوية في العقدين الأخيرين، والتي اتجهت نحو إحياء ودعم الهوية العلوية؛ حيث يدفعهم إلى ذلك تنامي تهديد الأصولية الدينية السنية وضعف العلمانية ومحاباة النظام السياسي والدولة لقوى الإسلام السياسي على حسابهم.
وتتلخص المطالب حول الاعتراف ببيوت الجمع كمراكز روحية منفصلة، وإعفاء أبناء الطائفة من حضور دروس التربية الإسلامية على الطريقة السنية، إضافة إلى إلغاء الدعاية ضد العلويين في المدارس، والمطالبة بمحاسبة الواقفين خلف المجازر التي ارتكبت بحق العلويين.
وفي العام 2014، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكماً دانت فيه سياسة أنقرة، وأوصت بضرورة اعتراف الحكومة التركية بدور العبادة الخاصة بالطائفة أو ما يعرف بـ "بيوت الجمع".

مظاهرات علوية تطالب بتحقيق المساواة

بالنسبة للحكومة التركية فإنّ الاعتراف الرسمي ببيوت العبادة العلوية يعني وجوب الدعم المالي لهذه الدور، كما تفعل مع المساجد، إضافة إلى أنّ أي اعتراف رسمي بالطائفة يؤدي إلى فتح باب مسألة هوياتية أخرى داخل نسيج الدولة تضاف إلى المسألة الكردية، وهو ما لا تبدو الحكومة على استعداد له.

الصفحة الرئيسية