كيف تتعاطى جماعة الإخوان مع تصريحات الرئيس الأمريكي بوضعها على قوائم الإرهاب؟

كيف تتعاطى جماعة الإخوان مع تصريحات الرئيس الأمريكي بوضعها على قوائم الإرهاب؟

كيف تتعاطى جماعة الإخوان مع تصريحات الرئيس الأمريكي بوضعها على قوائم الإرهاب؟


27/11/2025

أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام حول دراسة إدراج جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب إحياء ملف ظلّ معلقاً داخل واشنطن لسنوات، إلا أنّ تكرار الحديث عنه هذه المرة من داخل البيت الأبيض، وبصيغة تشير إلى مسار تنفيذي محتمل، وليس مجرد موقف سياسي، دفع الجماعة إلى حالة استنفار إعلامي وتنظيمي غير معلنة. 

فالتصريح، الذي جاء عقب مناقشات داخل مجلس الأمن القومي ووفق تسريبات لمسؤولين تحدثوا لصحف أمريكية، يشير إلى أنّ الإدارة تدرس الخيارات القانونية والحدود الممكنة للتصنيف، سواء عبر وزارة الخارجية أو وزارة الخزانة، مع التركيز على شبكات التنظيم العابرة للحدود.

ورغم أنّ قراراً بهذا الحجم ما يزال يتطلب مساراً مؤسسياً معقداً داخل الولايات المتحدة، فإنّ مجرد طرحه من رئيس في السلطة يمثل تطوراً غير مسبوق. كما أنّه يأتي في سياق دولي يتجه أساساً نحو تضييق مساحة الإسلام السياسي، خاصة بعد تصاعد تقارير أوروبية عن نشاط الجمعيات المتصلة بالإخوان في التمويل والتجنيد والتأثير داخل الجاليات المسلمة. لذلك لم تتعامل الجماعة مع التصريحات باعتبارها ضغطاً عابراً، بل كتهديد مباشر يهدد قواعد وجودها القانوني والمالي داخل الغرب.

تهدئة محسوبة: ضبط الخطاب وتجنب المواجهة

على عكس ردود الفعل الصاخبة التي اعتادت الجماعة استخدامها في مواقف مشابهة، اختارت هذه المرة تكتيك الصمت المنضبط. فعلى مستوى المنصات الرسمية، لم تصدر الجماعة بياناً مباشراً يعلّق على تصريحات ترامب، بل اكتفت وسائل إعلام مقربة منها بالإشارة إلى أنّ القرار "غير محسوم"، وأنّ الإدارات الأمريكية السابقة لم تتخذ الخطوة رغم دراستها. ويهدف هذا النهج إلى تفادي استفزاز الإدارة الأمريكية الحالية، وإلى منع نقل حالة الذعر إلى القواعد التنظيمية.

في المقابل، شهدت قنوات الإخوان في الخارج، خصوصاً في إسطنبول ولندن، تحولاً تدريجياً في النبرة؛ فبعد يومين من الصمت، بدأت المنصات في طرح خطاب يقوم على نفي وجود أساس قانوني للتصنيف، والادعاء بأنّ الجماعة "ليست موجودة تنظيمياً داخل الولايات المتحدة"، وهي محاولة لإبعاد الأنظار عن شبكات المراكز والكيانات التي تعمل تحت مظلات مجتمعية ودعوية. ويرى الباحث أحمد بان أنّ "الصمت الإخواني ليس ضعفاً بقدر ما هو إدراك أنّ التصعيد العلني قد يسرّع الإجراءات الأمريكية، خاصة في ظل رئيس يتخذ قراراته باندفاع أكبر مقارنة بالإدارات التقليدية".

تحريك الحلفاء داخل واشنطن: رهان على الزمن لا على الإقناع

تدرك الجماعة أنّ الوقوف في مواجهة قرار رئاسي أمريكي يمثل مخاطرة لا يمكن كسبها عبر الضغط الإعلامي، لذلك انتقلت سريعاً إلى تفعيل قنواتها غير المباشرة داخل الولايات المتحدة. وتشمل هذه القنوات شخصيات أكاديمية وأفراداً مرتبطين بشبكات ضغط عملت منذ سنوات على الدفاع عن فكرة "الاعتدال الإخواني"، إضافة إلى مؤسسات بحثية سبق أن قدمت شهادات حذّرت من أنّ تصنيف الإخوان قد يُعقّد علاقة واشنطن ببعض حلفائها.

ومع ذلك، تشير متابعة مراكز أمريكية متخصصة إلى أنّ هذا النوع من النفوذ تراجع خلال الأعوام الأخيرة. فوفق تقديرات من (مركز السياسة للأمن القومي) في واشنطن، فإنّ المزاج داخل الأجهزة الأمنية أصبح أكثر ميلاً لفحص الروابط المالية العابرة للحدود، خاصة مع تنامي القلق من دور الجمعيات الخيرية كغطاء لتدفقات مالية غير شفافة. ويرى مراقبون أنّ "الإخوان لا يراهنون اليوم على إقناع الإدارة الأمريكية بأنّهم معتدلون، بل على إطالة أمد النقاش البيروقراطي وتأجيل القرار إلى أبعد مدى ممكن".

 

إعادة استخدام خطاب الضحية: لكن بجرعة منخفضة

رغم تجنب التصعيد المباشر، عادت الجماعة تدريجياً إلى توظيف خطاب يقوم على تصوير التصريحات الأمريكية باعتبارها جزءاً من "تحالف دولي لإقصاء الإسلاميين". إلا أنّ الجماعة هذه المرة استخدمت الخطاب بصورة محدودة ومحسوبة، دون الاتهامات الحادة التي أطلقتها سابقاً خلال 2017 أو 2019. ويعود ذلك إلى إدراكها أنّ الهجوم على واشنطن قد يرتدّ عليها داخل الدول الأوروبية التي تتابع الملف من قرب.

 

في المقابل، ركزت وسائل إعلام تابعة للجماعة على ربط التصريحات بما وصفته بـ "تحولات يمينية عالمية"، و"استهداف الحركات الإسلامية المعتدلة"، وهو ما يمثل محاولة لاستباق أيّ تغيّر في المواقف الأوروبية. لكنّ مراقبين يشيرون إلى أنّ هذا النوع من الخطاب فقد جزءاً كبيراً من تأثيره، بعد أن أصدرت أجهزة أمنية في ألمانيا وفرنسا والنمسا تقارير صنفت الإخوان كتنظيم ذي أجندة موازية تهدد الاندماج المجتمعي.

 

الملف الأوروبي: القلق الأكبر داخل الجماعة

رغم أنّ التصنيف الأمريكي، في حال حدوثه، سيكون ضربة سياسية مباشرة، فإنّ الخسارة الأخطر بالنسبة إلى الإخوان تكمن في أوروبا. فالمؤسسات الأوروبية كثيراً ما تتحرك بشكل أسرع بعد القرارات الأمريكية الكبرى، كما حدث في ملفات التمويل ومكافحة التطرف. وفي حال صدور قرار من واشنطن، تتوقع مراكز بحثية في بروكسل أن تبدأ دول مثل ألمانيا والنمسا وهولندا في تشديد الرقابة على الجمعيات والمراكز المرتبطة بالتنظيم.

 

وتشير تقارير ألمانية، بينها تقرير "هيئة حماية الدستور" لعام 2023، إلى أنّ الإخوان يعملون وفق استراتيجية طويلة المدى داخل أوروبا، تقوم على تعزيز النفوذ الاجتماعي قبل السياسي. لذلك قد يؤدي أيّ تصنيف أمريكي إلى تقليص التمويل، وإغلاق كيانات، وتعطيل نشاطات تعليمية ودعوية تُستخدم للتجنيد الناعم. ويؤكد الباحث أحمد سلطان أنّ "الإخوان يعيشون اليوم لحظة هشاشة غير مسبوقة؛ فشبكاتهم المالية في أوروبا تعتمد على الثقة القانونية، وأيّ خلل في هذه الثقة قد يضرب البنية بالكامل".

 

داخل التنظيم: حالة ارتباك وتكتم

بحسب مصادر مقرّبة من دوائر إخوانية في الخارج، فإنّ التصريحات الأخيرة أثارت نقاشات داخلية حول السيناريوهات المحتملة، لكنّ إدارة الملف تتم بسرّية بالغة. فبعد الانقسامات التي ضربت التنظيم بين جبهتي إبراهيم منير ومحمود حسين، أصبح الكشف عن أيّ خلاف أو اختلاف في تقدير الموقف يمثل خطراً على التماسك المتبقي.

 

وتشير تقديرات باحثين في الإسلام السياسي إلى أنّ الجماعة قد تلجأ إلى استراتيجية "الانكماش التنظيمي"، أي تقليل الظهور العلني وتخفيف الأنشطة، بانتظار اتضاح المسار داخل واشنطن. وقد تعمد إلى نقل بعض مراكزها إلى دول أقلّ تشدداً رقابياً، مثل جنوب أفريقيا أو ماليزيا، في حال تحوّل القرار إلى واقع.

 

تعكس طريقة تعاطي جماعة الإخوان مع تصريحات الرئيس الأمريكي تحولاً لافتاً من حيث الحذر والانكماش بدلاً من المواجهة المفتوحة. فالجماعة تدرك أنّ المشهد الدولي لم يعد يسمح بالرهانات القديمة، وأنّ الخطاب الدفاعي يفقد تأثيره أمام سياق عالمي يربط بين التنظيمات الإيديولوجية المغلقة ومخاطر التطرف الناعم.

 

ورغم أنّ قرار تصنيف الإخوان ما يزال في مرحلة الدراسة داخل الإدارة الأمريكية، إلا أنّ مجرد طرحه من رئيس في السلطة يضع الجماعة أمام أحد أخطر التحديات في تاريخها الحديث. فحتى إذا لم يصدر القرار قريباً، فإنّ المناخ السياسي والأمني في واشنطن وأوروبا يتجه نحو مزيد من التدقيق في نشاط التنظيم وشبكاته العابرة للحدود.

 

وبذلك، يبدو أنّ الإخوان يتحركون اليوم داخل مساحة ضيقة تقوم على تهدئة الخطاب، وتجنب الصدام، والرهان على الزمن. لكنّ المؤشرات الحالية تشير إلى أنّ قدرتهم على المناورة تتآكل، وأنّ أيّ تحول في الموقف الأمريكي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة لن يكون التنظيم قادراً على إدارتها بالأساليب التقليدية.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية