كيف استسلم أردوغان لـ "متلازمة الطاغية"؟

كيف استسلم أردوغان لـ "متلازمة الطاغية"؟

مشاهدة

28/11/2020

ترجمة: محمد الدخاخني

جاءت الاستقالة المفاجئة لوزير الماليّة التركيّ، بيرات ألبيرق، بمثابة صدمة، وكان العشرات من المسؤولين ورجال الأعمال، الّذين حوّلهم ألبيرق إلى أعداء لدودين، قد اعتبروا الصّهر المدلّل للرّئيس، رجب طيّب أردوغان، شخصيّةً منيعة، لكنّ هذه الخطوة تسلّط الضّوء على الكيفيّة الّتي أصبح بها أردوغان، الذي نمت سلطته بدرجة كبيرة منذ وصوله إلى الرّئاسة، عام 2014، مُشرنقاً للغاية من جانب رجال حاشيته، إلى حدّ فقدانه القدرة على وضع سياساتٍ متماسكة.

اقرأ أيضاً: أردوغان في مأزق... من سيرضي شعبه أم حزبه أم حليفه؟

من غير الواضح ما الذي أدّى بالضّبط إلى رحيل ألبيرق، الذي كان أقوى رجلٍ في الحكومة بعد الرّئيس إلى درجة أنّه بدا وكأنّه يُعدّ لخلافة أردوغان، ومن جانبه، ذكر ألبيرق أسباباً صحّية وعائليّة وراء استقالته، وبالكاد ذكر راعيه، أردوغان.

لكن من الواضح أنّ ألبيرق خنع لإملاءات أردوغان؛ بأنّ ارتفاع أسعار الفائدة يسبّب التّضخم ولا يكبحه، وقد أدّى الفشل في رفع أسعار الفائدة، والسّعي المستمرّ لنموذج النموّ الاقتصاديّ القائم على الاستهلاك والائتمان، إلى دخول تركيا في أزمة عملتها الثّانية، منذ أن تولّى ألبيرق وزارة الماليّة في منتصف عام 2018.

اقرأ أيضاً: ماذا لو لم يفز أردوغان في الانتخابات المقبلة؟

وفيما استغنى أردوغان، بتحريضٍ من صهره، عن سلسلةٍ من محافظي البنك المركزيّ، أحرقت تركيا ما يقدّر بنحو 140 مليار دولار من احتياطات النّقد الأجنبيّ، في غضون عامين، في محاولةٍ فاشلةٍ للدّفاع عن اللّيرة.

رغم كونه ظاهرةً سياسيّة، فإنّ أردوغان استسلم لـ "متلازمة الطّاغية"، التي يبدو أنّها تنتاب العديد من القادة الذين يتشبّثون بالمنصب لأكثر من عقد

وانتعشت العملة بعد أنباء مغادرة ألبيرق، وهو رحيلٌ ربّما سرّعه تعيين الرئيس لناجي أغبال، سَلفه في وزارة الماليّة، رئيساً للبنك المركزيّ، ويعتقد البعض أنّ أغبال، الأكثر تقليديّة وانتقاديّة، هو الذي أقنع أردوغان بأنّ السّياسات غير الموفّقة  قد عرّضت الاقتصاد للخطر.

يبدو هذا معقولاً، ولا يقتصر الأمر على أنّ ألبيرق ساعد في تسميم عقل الرّئيس ضدّ أيّ منافسٍ وعزله عن النّقد، وكان أردوغان قد طوّق نفسه منذ فترةٍ طويلةٍ في قصره النّيوعثمانيّ في أنقرة، وعُزِل عن عمدٍ عن أيّ تدفّق حرٍّ للمعلومات أو الآراء المخالفة.

ورغم كونه ظاهرةً سياسيّة، بلا شكّ، حيث خدم ثلاث فترات رئيساً للوزراء، قبل أن يصبح رئيساً، منذ وصول حزب العدالة والتّنمية "النّيوإسلامويّ" إلى السّلطة، فإنّ أردوغان قد استسلم لـ "متلازمة الطّاغية"، التي يبدو أنّها تنتاب العديد من القادة الذين يتشبّثون بالمنصب لأكثر من عقد.

لم يكن الأمر كذلك دائماً؛ فقبل فوزه في الانتخابات العامّة، في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2002، أجرى حزب العدالة والتّنمية مقابلات مع 42 ألف ناخبٍ محتملٍ على مدار 22 شهراً، ومن خلال القيام بذلك؛ أنشأ أردوغان وأصدقاؤه حركةً جماهيريّةً حقيقيّة، لكن لم يستغرق الأمر سوى عقدٍ من الزّمن في السّلطة حتّى استطاعت جماعة المتزلّفين المحيطة بالحاكم منع التدفّق الحرّ للأفكار والمعلومات.

انفصل الرئيس التركي أردوغان عن رفاق رحلته الليبراليين والعلمانيين الّذين كانوا في حكوماته المبكّرة، وتخلّى عمليّاً عن كافّة مؤسّسي حزب العدالة والتّنمية

عندما أصبح أردوغان، الذي كان محروماً من المناصب العامّة، رئيساً للوزراء، عام 2003، كان في وضعٍ يسمح له بمعرفة آمال الأتراك وأحلامهم، لكن بحلول منتصف عام 2013، انتفض الأتراك في المناطق الحضريّة والساحليّة، في احتجاجاتٍ جماهيريّةٍ ضدّ تدخّله في فضائهم الشخصيّ والسياسيّ، وإخبارهم بما يجب أن يأكلوه ويشربوه، وكذلك عدد الأطفال الذين يجب عليهم إنجابهم، وسرعان ما تَبِع ذلك صعود البيرق.

لقد انفصل أردوغان عن رفاق رحلته الليبراليين والعلمانيين الّذين كانوا في حكوماته المبكّرة، وتخلّى عمليّاً عن كافّة مؤسّسي حزب العدالة والتّنمية: الرّئيس السّابق عبد الله غول، وحسين جليك الّذي أدار الحزب ورسالته في ظلّ حكم أردوغان، والقيصر الاقتصاديّ عليّ باباجان، ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو ونائبه يالجين أكدوغان.

انتقل أردوغان إلى منصب الرّئاسة، الذي كان حتّى ذلك الحين منصباً شرفيّاً، وجعله ينبوعاً لكلّ السّلطات والزّبائنيّة، التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة، ملغياً دور رئاسة الوزراء وأساسيات الحكم البرلمانيّ.

ودخل في حربٍ مفتوحةٍ مع الحليف السّابق، فتح الله غولن، وهو إمامٌ يتّخذ من الولايات المتّحدة مقرّاً له، وزوّدت حركته الإسلامويّة حزب العدالة والتّنمية بشبكةٍ من الكوادر داخل الدّولة التركيّة، وبعد أن حاول أتباع غولن الإطاحة بأردوغان، في الانقلاب الفاشل، عام 2016، قام بـ (تطهير جهاز الدّولة) من عشرات الآلاف منهم، وبعض نخبة الأكاديميّين والخدمة المدنيّة.

اقرأ أيضاً: بعد صهر أردوغان مستشار الرئاسة التركية يقدم استقالته... ما الأسباب؟

ومع استمرار دورة التّطهير وإغلاق كافّة النّوافذ، تخلّص أردوغان من كلّ شخصٍ تقريباً قد يعرف حقّاً ما يجب القيام به في السّياسة الداخليّة، وبعد نزع الكثير من طبقات التّأييد، أصبح يعتمد، هو وحزب العدالة والتّنمية، على الشّعبويّين القوميّين اليمينيّين المتطرّفين.

يجري إفراغ أحد أنجح الأحزاب الحاكمة في العصر الحديث من معناه، ويبدو من غير المرجّح أن يوقف التحوّل الطّارئ للفريق الاقتصاديّ التركيّ ذلك.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

ديفيد جاردنر، "فاينانشيال تايمز"، 17 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2020

الصفحة الرئيسية