كيف اختطف الإسلامويون شهر رمضان من البسطاء؟

كيف اختطف الإسلامويون شهر رمضان من البسطاء؟

مشاهدة

15/04/2021

يستحوذ شهر رمضان الفضيل على قلوب المسلمين في أنحاء العالم، وعلى وجه الخصوص في العالم العربي، فسحر لياليه وترتيل القرآن الكريم وتواشيح الشيوخ مع أغانيه المبهجة تصنع حالة من البهجة المجتمعية بمذاق ديني مميز، وقد عُرف رمضان أنه شهر التصالح، ففيه يقوم الناس بالتكافل والتراحم وإنهاء الخصومات فيما بينهم.

الصوم المقبول له شروط اجتماعية مثلما له شروط فقهية، فالأخ الذي خاصم شقيقته عليه أن يذهب إليها محملاً بالهدايا يطلب رضاها قبل بداية الصوم، والزوج الذي غاضب زوجته عليه أن يصالحها ويسترضيها ويردها إلى بيته معززة مكرمة، حتى الأطفال عليهم أن يكفوا عن النزاع والشقاق، وأن يتصالح المتخاصمون مع بعضهم بعضاً قبل رمضان، وشهر رمضان فرصة لتصفية الخلافات ولتهدئة النفوس ولنشر ثقافة التسامح والتراحم. وكانت الحياة الاجتماعية العربية في رمضان تفرض أنماطاً سلوكية على المسلم مستمدة من الوعي المجتمعي بالإسلام بأنه دين المعاملة، وكلما كانت المعاملة بين الناس بعضهم البعض راقية وطيبة، كانوا أقرب إلى الله، عز وجل، من أولئك الذين مزقوا فرش الصلاة، وهم أفظاظ الخلق، أو قاطعو الرحم، أو عاقون لآبائهم وأمهاتهم.

اختطف الإسلامويون شهر رمضان من المجتمع ومن البسطاء واحتكروه لأنفسهم وجعلوه موسماً لنشر أفكارهم

يأتي رمضان وتذاع أغنيته الشهيرة "رمضان جانا" كأنه أذن للبهجة والفرحة والسعادة بأن تغمر الجميع، يأتي وتتوالى دفقات الوجد الإلهي، ففي نهاره الصيام والعمل والكد والتعب ورجاء الثواب المضاعف من الله، وعند غروب شمسه وسماع صوت مدفع الإفطار وارتفاع صوت المؤذن، تبدأ الأسرة المسلمة في الإفطار الشهي مع دعاء بسيط لله، عزّ وجلّ، أن يقبل صيامهم، وبعد العشاء صلاة التراويح التي يتميز بها رمضان، والتي كانت بمثابة مؤتمر شامل لأهل الشارع في المسجد، ثم يخرج الرجال لممارسة أعمالهم المسائية أو جلساتهم الاجتماعية، أمّا الصبية، فكان عليهم إشعال الشوارع والحارات صخباً بطاقتهم اللامحدودة في اللعب والحركة واختراع ألعاب جديدة، كانوا مصدر الدفء الحقيقي والحيوية العشوائية البريئة.

اقرأ أيضاً: هل يستغل تنظيم داعش شهر رمضان لتنفيذ مخططات إرهابية؟... تقرير يحذر

أمّا الأطفال الأصغر سناً، فيسيرون لطلب الغفوور (وهي عادة اجتماعية اندثرت إلّا قليلاً، كان يقوم بها الأطفال من سنّ عامين إلى سن الـ10، وكانت عبارة عن السير في جماعات صغيرة يحملون الفوانيس ويغنون أهازيج شعبية، تبدأ بـ"وحوي يا وحوي إيوحه"، ويمرّون على بيوت الأقارب والجيران يطلبون الغفوور؛ أي أن يعطيهم أهل البيت ما يغفر الله به لهم من حلوى أو نقود صغيرة جداً)، ولم يكن الغفوور تسوّلاً، وإنّما هو مشاركة مجتمعية في أرقى صورها، وقد كان يشترك في هذه الفاعلية أبناء الميسورين والفقراء والمتوسطين معاً، دون حساسية أو نزاع، وكثيراً ما كانوا يغفرون على بيوتهم فقط، في شكل من أشكال التراحم المبهج.

اقرأ أيضاً: عادات وتقاليد صنعت المشهد الرمضاني ومنحته طابعاً خاصاً

قبل 4 عقود كان شهر رمضان الفضيل موسم الطاعات المجتمعية، ينتظره الناس وتهفو إليه الأرامل والأيتام، ففيه تنتعش أحوالهم بما يجود الله به عليهم من خيرات على أيدي الميسورين، وفيه تنشط العلاقات الاجتماعية بين الناس، ويتبادلون التهاني والتبريكات، وتكثر الزيارات بين العائلات لتناول الإفطار بحضور جميع أفراد العائلة ذكوراً وإناثاً، وتكثر تجمعات الأصدقاء في أماكن مختلفة من أجل السمر وتبادل الأحاديث والترفيه المباح دون إخلال بطبيعة عبادة الصوم في الشهر الفضيل.

بدلاً من توجيه الناس لمزيد من الأعمال الاجتماعية التي تتناسب مع الشهر كرّسوا جهودهم للعبادة الفردية

كان ذلك، حتى هبطت الإسلاموية على المجتمع، فاندسوا أصحابها وسط الناس يحاولون تجنيد أفراد المجتمع ونشر أفكارهم، أدرك قادة الجماعات الإسلاموية أنّ مواسم العبادات هي منفذهم إلى قلوب وعقول الناس، فسعوا إلى سرقة تلك المواسم لحسابهم، ومنها شهر رمضان، فجعلوه موسماً لنشاطاتهم، فتحت راية الأسلمة تسلّلوا إلى المساجد، فغيروا خريطة عمل المسجد الاجتماعية، كانت المساجد للصلاة وللدروس التي يلقيها إمام المسجد حسب جدول منظم لتلك المحاضرات، فاخترعوا الكلمة الوعظية بعد صلاة العصر، والتي كانت دينية بحتة، كان الهدف أن يألف رواد المساجد واعظاً مدنياً، ليس خطيب المسجد ولا من أهالي الحي، يقدّم لهم وجبة دينية حديثة مشوّقة، فيلتف حوله الناس ويستفتونه في أمور دينهم، ورويداً رويداً يصبح هو المرجعية الدينية لأهل الحي، وبعد فترة  يبدأ في دسّ أفكاره  التنظيمية وآرائه الشخصية في إجاباته عن أسئلة البسطاء ويسحب البساط من تحت أقدام الوعاظ الرسميين.

اقرأ أيضاً: كي لا يكون "رمضان" امتناعاً عن الطعام والشراب

ثم ابتكر الإسلامويون الخاطرة التي بعد الركعات الـ4 في التراويح، والتي كانت في الماضي استراحة للمصلين يتخللها دعاء جماعي للمصلين والصلاة على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، فأصبحت وسيلة لتقديم أفكار الإسلامويين للمصلين، ووفق نظرية الإلحاح يصبح ما يقدّمه هؤلاء هو الدين الصحيح وهو ما يجب أن يكون، ثم تلتها فترة حشد السيدات إلى المسجد، وهي خطوة لا بأس بها إذا كان الهدف منها هو نشر الوعي، إلّا أنّ الإسلامويين أدركوا أنّ السيطرة على الفتيات والسيدات فكرياً وسيلتهم للنفوذ إلى البيوت المسلمة، ومنها يتمّ نشر أفكارهم، ومع انتشار القنوات الفضائية تمّ تقديم وجبات إضافية من الفكر الماضوي المخاصم للحضارة وللحداثة.

اقرأ أيضاً: زينة رمضان.. احتفاء عفوي يمتد عبر التاريخ الإسلامي

وبدلاً من صلاة التراويح التي من اسمها أنها تروّح عن المصلين، زاد الإسلامويون على البسطاء صلاة القيام ثم التهجد، وهي نوافل ثابتة لا شك، لكنهم قدّموها على أنها هي مراد الله من رمضان، وليست نافلة شخصية فردية يؤدّيها المسلم طواعية على قدر استطاعته، ومن لم يقم بها، هو بلا شك مفرّط في حق الله، وانصرف الناس عن جوهر الشهر الفضيل وحقيقة الصيام إلى أشكال الصيام، وبدلاً من توجيههم إلى مزيد من الأعمال الاجتماعية التي تتناسب مع الشهر ومع الصيام كرّسوا جهودهم للعبادة الفردية، فأصبح ختم القرآن 3 أو 4 مرّات في الشهر هو هدف الصائمين، والسماع لخطب وكلمات الوعاظ (المؤدلجين) عملاً يتقرب به إلى الله، واختفت الشعيرة الاجتماعية، وتقلص أثر الصيام مجتمعياً، فقلّ التراحم وقلّ التسامح، وتمكنوا من نمذجة الدين، وكثرت مقالاتهم حول كيفية نية الصيام، وحول العبادة في رمضان، وحصروها في تلاوة القرآن الكريم وختمه، وشكل زيّ المرأة، ووضعوا له شكلاً محدداً، وكل من لم يلتزم بهذا الشكل، طاردوه واتهموه بأنه مبتدع أو مترخّص أو غير ملتزم، وأنه في كل الأحوال آثم، لن يقبل الله عمله ولا صيامه ولا صلاته، حتى أصبح كل من لا يلتزم بأشكالهم التعبدية يشعر بالإثم وبالمعصية.

نحن بحاجة ماسّة لإعادة روح رمضان المتسامحة وإعطاء مساحات للعبادات المجتمعية بعيداً عن الأدلجة

وبدلاً من الانخراط في العمل بجد واجتهاد، ظهرت دعوات بالتوقف عن العمل للتفرغ للعبادة  في رمضان، وانتشرت الشكلية، وأصبح قدومه مناسبة إخوانية أو سلفية لترويج أفكارهم، وسيطروا على المسجد، وعلى عقول البسطاء ووجدانهم، وعلى الحياة الاجتماعية، ونقلوا إليهم أمراضهم الفكرية المتخاصمة فيما بينهم، فظهرت إشكالية تقديم زكاة الفطر للفقراء، هل تُقدّم حبوباً وإقطاً، كما قدّمها الرسول عليه السلام وصحابته الكرام؟ أم تُقدّم نقوداً، كما يفرض ذلك واقع الحال وطبيعة التغييرات المجتمعية؟ ونتج عن هذا الصراع حيرة وتشتت وضياع الهدف من زكاة الفطر، وفقد الفقراء سندهم البسيط في الحصول على رعاية اجتماعية مالية من مجتمعهم، ثم ظهرت موائد الرحمن المؤدلجة التي استخدمها الإخوان لجذب عناصر لتنظيمهم، أو لتحسين صورتهم في المجتمع، ففقد المجتمع أحد أشكال التكافل الاجتماعي في رمضان، وتلوث بأغراض السياسة والصراعات الفكرية.

اقرأ أيضاً: رمضان في زمن كورونا

ثم استخدم الإسلامويون الشهر الفضيل وميل الأثرياء للإنفاق فيه لوجه الله على الفقراء والمحتاجين، فطرحوا أنفسهم معبراً وحيداً وسريعاً إلى هؤلاء المحتاجين، فجمعوا من الميسورين زكواتهم وأموالهم وصدقاتهم بحجّة تقديمها إلى الفقراء على هيئة شنطة رمضان، وهي معونة عينية من أرز وسكر وزيت وبعض احتياجات الأسرة البسيطة والفقيرة، رغم أنه مال أثرياء قدّموه لله، عزّ وجلّ، إلا أنهم قاموا بتوظيفه لصالحهم، وقدّموا أنفسهم وكأنهم يمنون على الناس بعطائهم، وسئم الناس من هذه الانتهازية، فكانوا سبباً في إحجام كثير من الأثرياء عن تقديم أموالهم للفقراء، واكتفوا بما تطمئن له قلوبهم من محتاجين، ففقد كثير من المحتاجين والفقراء من الذين لا يعرفهم الأثرياء فرصة التكافل.  

اقرأ أيضاً: الإمارات تستقبل رمضان بتزيين الشوارع وتعميق قيم الخير

ثم كانت الطامة الكبرى عندما حرصت فصائل التيار الإسلاموي على تفجير الخلافات مع الدولة عبر الاحتجاج الدائم والمستمر عند استطلاع هلال شهر رمضان، أو هلال شهر شوال وأول أيام العيد، فإذا أتمّت مصر الشهر أفطروا في اليوم الـ30، وإذا لم تتمّ أتمّوا هم، وهكذا في كل مظهر اجتماعي أو ديني كان الإسلامويون يقفون بالمرصاد لنشر الصراعات، واشتدت الخلافات في المساجد حول اتجاه القبلة والإمامة والخطبة ونوعية الكلمات عقب الصلاة وتعكر صفو المجتمع.

اختطف الإسلامويون شهر رمضان من المجتمع ومن البسطاء، واحتكروه لأنفسهم، وجعلوه موسماً لنشر أفكارهم، وبثّ روحهم المتصارعة والمتخاصمة والعدائية، وفقد المجتمع روح التسامح التي كانت تأتي مع رمضان وحلّ مكانها التشدد والتطرف.

نحن في حاجة ماسّة إلى إعادة روح رمضان المتسامحة للمجتمع، وإلى إعطاء مساحات للعبادات المجتمعية بعيداً عن الأدلجة، وإعادة مفهوم الصيام والقيام والقرآن وزكاة الفطر بعيداً عن تعقيدات الإسلامويين، والله أعلم.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية