
في مشهد يختزل تعقيدات النفوذ الإخواني في اليمن، قمعت قوات أمنية وعسكرية موالية لحزب (الإصلاح)، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، احتجاجات سلمية خرجت مؤخراً في مدينة تريم بمحافظة حضرموت، شرقي البلاد، احتجاجاً على التردي المعيشي والانفلات الأمني الذي يشهده وادي حضرموت.
الاحتجاجات، التي جاءت في سياق تصاعد الغضب الشعبي، واجهتها هذه القوات بعنف مفرط، شمل استخدام الرصاص الحي والاعتقالات التعسفية وملاحقة النشطاء، في مشهد بات مألوفاً في مناطق ما زال يهيمن عليها النفوذ الإخواني، رغم تغيّر موازين القوى في اليمن خلال السنوات الأخيرة.
تدهور اقتصادي وسخط شعبي
مدينة تريم، إحدى أهم حواضر حضرموت التاريخية والدينية، خرج سكانها بمسيرات سلمية تطالب بإصلاح الوضع الأمني وتحسين الخدمات وتوفير الوقود والمواد الأساسية. تفاقم أزمة الكهرباء والانفلات الأمني وانتشار الجريمة، لا سيّما جرائم الاغتيال والانتهاكات، دفعت مواطني المدينة إلى كسر حاجز الصمت والخروج في تظاهرات شعبية تنادي بحقوق أساسية.
ورغم أنّ مطالب المتظاهرين كانت مدنية بحتة، فقد واجهتها قوات المنطقة العسكرية الأولى، الخاضعة لسيطرة حزب (الإصلاح)، بحملة قمعية، شملت تفريق التجمعات بالقوة واعتقال عشرات الشبان ومطاردة آخرين، وهو ما أثار موجة تنديد محلية ودولية حيال الانتهاكات المستمرة في مناطق النفوذ الإخواني.
حضرموت... ساحة نفوذ إخواني وبيئة خصبة للاضطراب
تمثل مناطق وادي حضرموت، وعلى رأسها تريم وسيئون، واحدة من آخر معاقل حزب (الإصلاح) في اليمن، بعد انحسار نفوذه في محافظات الشمال والوسط. ورغم مطالبات النخب الحضرمية والقوى الجنوبية بإخراج قوات المنطقة العسكرية الأولى من الوادي وتسليم الملف الأمني لقوات محلية أو للنخبة الحضرمية، ما يزال الحزب يصر على الاحتفاظ بهذه الورقة الاستراتيجية، سواء لابتزاز التحالف العربي أو لضمان موطئ قدم في أيّ تسوية سياسية قادمة.
وتُتهم هذه القوات، التي تغلغلت فيها جماعة الإخوان منذ عقد من الزمن، بأنّها مسؤولة عن تفشي الفوضى والتغطية على الجماعات المتطرفة، فضلاً عن قمع الحراك المدني والسياسي الذي يطالب بتمكين أبناء حضرموت من إدارة شؤونهم.
القمع الإخواني... سياسة ممنهجة في وجه أيّ حراك شعبي
ما حدث في تريم لم يكن استثناء، بل يندرج ضمن سلسلة من التحركات القمعية التي نفذها حزب (الإصلاح) في مناطق نفوذه، خصوصاً في حضرموت وشبوة ومأرب، حيث دأب الحزب على توظيف القوات النظامية والأمنية لقمع الخصوم وإجهاض أيّ محاولة لخلق واقع سياسي واجتماعي جديد.
في هذا السياق، اعتبر نشطاء حقوقيون أنّ ما جرى في تريم هو نموذج متكرر لطريقة تعامل حزب (الإصلاح) مع الاحتجاجات، خاصة تلك التي تهدد سطوته في المناطق الحيوية اقتصادياً أو جغرافياً، مثل وادي حضرموت الغني بالثروات النفطية.
مطالب محلية بإخراج القوات الإخوانية من وادي حضرموت
قوبل قمع انتفاضة تريم بموجة من التنديد من قبل نشطاء حضارم ومكونات جنوبية، طالبوا فيها بسرعة إخراج المنطقة العسكرية الأولى، وتسليم المهام الأمنية والعسكرية لقوات النخبة الحضرمية، المدعومة من التحالف العربي، خصوصاً من دولة الإمارات.
تأتي هذه المطالب في سياق أوسع، ضمن توجهات المجلس الانتقالي الجنوبي لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية في الجنوب، وتقليص نفوذ الإخوان الذين يُنظر إليهم كعقبة أمام الاستقرار ومكافحة الإرهاب.
ورأى مراقبون أنّ طريقة تعامل قوات المنطقة العسكرية الأولى مع احتجاجات تريم كشفت تناقضاً صارخاً في سياسات حزب (الإصلاح) تجاه الحركات الاحتجاجية في اليمن، حيث تُمنح التنازلات لقوى عنف في بعض مناطق الشمال، بينما يُقمع المتظاهرون السلميون في حضرموت بعنف مفرط.
وكتب الصحفي الحضرمي أسامة جريدان متسائلاً: "لماذا تُمنح التنازلات للمتقطّعين في الهضبة، بينما يُواجه شباب تريم العزّل بالرصاص والاعتقال؟"، مشيراً إلى أنّ هذه الازدواجية في المعايير تعكس طبيعة المشروع الإخواني القائم على الهيمنة الأمنية وليس بناء التوافقات.
وأكد جريدان، في مقالات نُشرت في مواقع محلية، أنّ ما جرى في تريم يعيد إلى الأذهان طريقة تعامل حزب (الإصلاح) مع انتفاضات سابقة، خصوصاً تلك التي تنادي بتمكين أبناء المناطق من إدارة شؤونهم، معتبراً أنّ القمع هنا ليس فقط استهدافاً لحراك مدني، بل هو رسالة ترهيب لمنع تشكل أيّ إرادة شعبية مناهضة للنفوذ الإخواني في وادي حضرموت.
إدانات جنوبية وتحركات للانتقالي
في السياق ذاته، أدانت قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت بشدة استخدام القوة ضد المحتجين، معتبرة أنّ ما جرى في تريم يعكس "عقلية استبدادية" لدى قوات المنطقة العسكرية الأولى التابعة لحزب (الإصلاح)، التي ترفض أيّ حراك شعبي خارج عن سيطرتها.
وطالب المجلس بإخراج تلك القوات من وادي حضرموت وتسليم المهام الأمنية إلى قوات النخبة الحضرمية، التي يُنظر إليها باعتبارها أكثر تمثيلاً للسكان المحليين وأقلّ خضوعاً لتجاذبات الأجندة الإخوانية.
كما شددت قيادة الانتقالي على ضرورة محاسبة المتورطين في قمع التظاهرات السلمية، ودعت إلى فتح تحقيق مستقل في الانتهاكات التي وقعت خلال قمع احتجاجات تريم، معتبرة أنّ الصمت عن هذه الجرائم يُكرّس سياسة الإفلات من العقاب التي تنتهجها جماعة الإخوان في مناطق نفوذها.
قمع الإخوان في حضرموت... سياسة ممنهجة لإجهاض الحراك الشعبي
في تحليل موسع، نشرته (العين الإخبارية)، تم توصيف ما حدث في تريم بأنّه "كشف الوجه الحقيقي لحزب (الإصلاح)، حيث تعاملت قواته مع المحتجين باعتبارهم تهديداً يجب القضاء عليه، لا مطالبين بحقوقهم. وأشار التقرير إلى أنّ استخدام الآليات العسكرية الثقيلة والرصاص الحي ضد المتظاهرين العزّل، يؤكد أنّ الإخوان لا يؤمنون بالحوار أو الحلول التوافقية، بل يسعون إلى فرض رؤيتهم السياسية عبر أدوات الدولة الأمنية.
ولفت التحليل إلى أنّ تكرار هذا النهج القمعي، سواء في حضرموت أو في محافظات أخرى مثل شبوة ومأرب، يؤكد أنّ الجماعة لم تخرج بعد من عباءتها القديمة التي ترى في كل حراك شعبي تهديداً لأجندتها، لا فرصة للإصلاح أو إعادة التوازن إلى السلطة المحلية.
الإخوان في اليمن... رهانات خاسرة وتحالفات متآكلة
منذ انطلاق الحرب اليمنية عام 2015، سعى حزب (الإصلاح) إلى إعادة إنتاج نفسه عبر التحالف مع قوى إقليمية ودولية، غير أنّ ممارساته على الأرض، خاصة في ملف الأمن والفساد والسيطرة على مؤسسات الدولة، أدت إلى تآكل نفوذه، وعززت من خطاب الاستبعاد الشعبي له، حتى في مناطق ظلت تُحسب عليه.
ويبدو أنّ ما حدث في تريم مؤشر إضافي على أنّ الحزب لم يراجع سياساته القديمة، بل يستمر في استخدام أدوات القمع والعنف لفرض حضوره، رغم أنّ هذه الأساليب تؤدي عملياً إلى تأليب الشارع ضده، وإعادة تذكير اليمنيين بأنّ الجماعة، بأدواتها القديمة، ما تزال تسعى للهيمنة لا للمشاركة.
وتكشف انتفاضة تريم وما تلاها من قمع عن أزمة أعمق تعيشها المناطق الخاضعة للنفوذ الإخواني في اليمن، حيث تتراجع فرص الاستقرار والتنمية في ظل سياسات القمع والاحتكار، ويستمر توظيف القوات النظامية في تنفيذ أجندات حزبية ضيقة. وبينما ترتفع أصوات سكان حضرموت المطالبة بتمكين القوى المحلية من إدارة مناطقهم، يبقى الرهان الحقيقي على إرادة سياسية شاملة لإخراج الجماعة من المشهد العسكري والأمني، وإفساح المجال أمام مكونات أكثر التزاماً بقضايا الناس، وأقلّ توظيفاً للسلطة من أجل الهيمنة الإيديولوجية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)