
تحولت قاعات المتحف الوطني في العاصمة الكولومبية بوغوتا إلى ساحة مواجهة سياسية وثقافية، بعدما أزالت الحكومة أكثر من 30 قطعة تاريخية وفنية من ثلاث قاعات عرض دائمة، شملت مقتنيات مرتبطة بالحركات النسائية ومجتمع الميم واليسار السياسي واتفاق السلام مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية فارك. وبعد احتجاجات شعبية وانتقادات من مؤسسات ثقافية، أصدر قاضٍ في بوغوتا قرارا مؤقتا يلزم المتحف بالحفاظ على القطع المسحوبة، ويحظر إتلافها أو نقلها أو تعديلها، كما يمنع سحب مقتنيات أخرى من المعارض بسبب محتواها من دون إجراءات إدارية تبرر ذلك.
وجاء القرار في 19 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، بعدما قبلت المحكمة الرابعة والعشرون لشؤون الأسرة في بوغوتا دعوى قضائية تطالب بحماية المقتنيات من الإزالة النهائية، في قضية تجاوزت حدود الخلاف حول إدارة متحف لتتحول إلى مواجهة بشأن استقلال المؤسسات الثقافية، وحق المجتمع في الاحتفاظ بذاكرته التاريخية، وحدود تدخل الحكومات في تحديد الوقائع والشخصيات التي تستحق الظهور في المتاحف.
بدأت الأزمة عندما أمرت وزارة الثقافة بإزالة القطع من معرض دائم يحمل اسم صناعة المجتمع، ضمن مراجعة قالت الحكومة إنها تستهدف تغيير طريقة عرض التاريخ الكولومبي، ومنع المؤسسات الثقافية من تبني روايات سياسية منحازة.
وشملت المقتنيات المسحوبة علما بألوان قوس قزح يعود إلى الناشطة إليزابيث كاستيو، ومواد وصورا تتعلق بتاريخ مجتمع الميم والحركات النسائية، بينها نسخة من دورية نسائية تاريخية صدرت في خمسينيات القرن الماضي وأسهمت في النضال من أجل حقوق المرأة والتصويت، إضافة إلى ملصقات ووثائق عن مقاومة العنف القائم على النوع الاجتماعي.
كما أزيلت مواد تتعلق باثنين من أبرز قيادات اليسار الكولومبي اللذين اغتيلا خلال عام 1990، هما برناردو خراميّو أوسا، المرشح الرئاسي عن حزب الاتحاد الوطني، وكارلوس بيزارو ليونغوميز، القائد السابق لحركة 19 نيسان (أبريل) المسلحة، المعروفة باسم إم-19، الذي تخلى عن العمل المسلح عقب اتفاق سلام مع الحكومة عام 1989، قبل اغتياله خلال حملته الانتخابية للرئاسة.
ومن بين المقتنيات التي أثارت جدلا واسعا القلم المعروف باسم باليغرافو، وهو قلم مصنوع من غلاف رصاصة، استُخدم خلال توقيع اتفاق السلام بين الحكومة الكولومبية وفارك عام 2016. ويكتسب القلم أهمية رمزية لأنه يجسد الانتقال من الحرب المسلحة إلى التسوية السياسية، بعدما استُخدمت مادة مرتبطة بالسلاح في صناعة أداة للكتابة والتوقيع على اتفاق إنهاء النزاع.
وامتد السحب إلى مواد توثق الحركة الطلابية التي أسهمت في الدفع نحو صياغة دستور كولومبيا لعام 1991، بينها ورقة الاقتراع الرمزية المعروفة باسم ورقة الاقتراع السابعة، فضلا عن أعمال لفنانين كولومبيين، وقميص ارتداه الدراج الكولومبي لويس لوتشو هيريرا عندما فاز بطواف إسبانيا عام 1987.
وأدى جمع هذه المقتنيات في قائمة واحدة إلى توسيع الخلاف، إذ لم تعد القضية مقتصرة على المواد المتصلة بقضايا الهوية الجنسية أو الحركات النسائية، بل امتدت إلى وثائق السلام والتاريخ السياسي والاحتجاج الطلابي والإنجاز الرياضي. وبذلك أثار القرار تساؤلات بشأن المعايير التي استُخدمت لاختيار القطع المستبعدة، وما إذا كانت المراجعة تستند إلى أسس علمية وفنية أم إلى اعتبارات سياسية.
تزامن سحب المقتنيات مع إعلان الرئيس الكولومبي أبيلاردو دي لا إسبرييّا بدء ما وصفه بالثورة الثقافية المضادة، في خطاب ألقاه بمقر وزارة الثقافة. ودعا الرئيس إلى مواجهة ما يراه نفوذا للتيارات التقدمية في المؤسسات الثقافية والأكاديمية، معتبرا أن بعض المعارض تقدم تفسيرات منحازة للتاريخ وتمنح شخصيات من حركات مسلحة مكانة لا تستحقها.
ودافعت وزيرة الثقافة باولا أولغين عن قرار سحب القطع، وقالت إن المتحف الوطني لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للتلقين السياسي أو نشر روايات منحازة للتاريخ، كما أشارت إلى مراجعة أساليب العرض والتنسيق الفني في المؤسسات التابعة للوزارة. واستندت الحكومة كذلك إلى ضرورة تجنب تمجيد الجرائم أو إعادة إيذاء ضحايا العنف، وحماية القاصرين من بعض المواد الحساسة.
في المقابل، اعترض منتقدون على الطريقة التي نُفذ بها القرار، مشيرين إلى إزالة المقتنيات بصورة مفاجئة ومن دون توضيح كافٍ للمعايير الفنية أو التشاور المعلن مع المختصين والمجتمعات التي تمثلها القطع. وأشار تقرير لصحيفة إل باييس إلى أنّ عمليات الإزالة تمت في غياب مدير دائم للمتحف، وأن الجدران التي كانت تعرض المقتنيات تُركت خالية، ما زاد من حدة الجدل حول دوافع القرار وإجراءاته.
ولا ينحصر الخلاف في حق الحكومة في مراجعة المعارض العامة، بل يتعلق أيضا بما إذا كان تغيير المحتوى التاريخي قد جرى وفق قواعد مهنية واضحة، أم اتخذ صورة تدخل سياسي مباشر في الرواية التي يقدمها المتحف لزواره.
وأثار القرار موجة احتجاج في بوغوتا يومي 17 و18 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، إذ تجمع مئات الأشخاص أمام المتحف الوطني، ورفعوا صورا ونسخا من القطع التي أزيلت، في محاولة لإعادة عرضها في المجال العام بعد اختفائها من القاعات.
وقدر عدد المشاركين في أحد التجمعات بنحو 500 شخص، وفق ما نقلته إفي عن هيئة الدفاع عن الشعب الكولومبية. وامتدت الاحتجاجات لساعات، وشارك فيها ناشطون نسويون وممثلون عن مجتمع الميم ومناصرون لليسار السياسي، إلى جانب شخصيات ثقافية وسياسية اعترضت على ما اعتبرته إقصاء لأجزاء من التاريخ الوطني.
وخلال الليل، تدخلت قوات مكافحة الشغب واستخدمت مركبات مزودة بخراطيم المياه لتفريق المحتجين، كما تسببت المياه في إتلاف جزء من تركيب فني مرتجل أقامه المشاركون باستخدام الطوب والصور التي توثق المقتنيات المسحوبة. وأعربت إيريس مارين أورتيز، رئيسة هيئة الدفاع عن الشعب، عن قلقها من حجم الانتشار الأمني، وقالت إن المعلومات المتاحة لديها أشارت إلى أن الاحتجاج كان سلميا، وإن استخدام القوة بدا غير متناسب مع طبيعة التجمع.
ولم تقتصر الاعتراضات على الناشطين والجماعات السياسية، بل شملت مؤسسات ثقافية أخرى. فقد أصدرت ستة متاحف للفن الحديث في كولومبيا بيانا مشتركا رفضت فيه سحب المقتنيات لأسباب أيديولوجية، وطالبت وزيرة الثقافة بضمان استقلال المتاحف وحقها في إدارة معارضها وفق البحث التاريخي والحوار العام والمعايير المهنية.
وضمت المؤسسات الموقعة متاحف الفن الحديث في بوغوتا وميديين وبارانكيا وقرطاجنة وتوليما، إلى جانب متحف رايو في رولدانيّو. وشددت على أن المقتنيات الفنية والتاريخية تجسد تجارب وحركات اجتماعية وجوانب من حياة الكولومبيين، وأن إبعادها عن الجمهور يقلص قدرة المجتمع على فهم تاريخه بتعقيداته وتناقضاته.
كما انضم فرع المجلس الدولي للمتاحف في كولومبيا إلى الاعتراض، محذرا من أن سحب المقتنيات يثير مخاوف تتعلق بحرية التعبير واستقلال المؤسسات، واعتبر أن القرار يتعارض مع المبادئ الأخلاقية للمهنة، التي تدعو إلى حماية نزاهة المتاحف ومقاومة التدخلات التي تقوض رسالتها الثقافية.
وتكتسب هذه الاعتراضات أهمية لأنها تنقل الخلاف من دائرة الاستقطاب الحزبي إلى نقاش مهني بشأن إدارة المجموعات المتحفية، وضرورة أن تستند التغييرات إلى أسس موثقة، وأن تشارك فيها الفرق الفنية والمجتمعات المرتبطة بالمقتنيات.
وفي 19 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، أصدر القاضي سيزار إنريكي أوسوريو، من المحكمة الرابعة والعشرين لشؤون الأسرة في بوغوتا، تدبيرا احترازيا يلزم المتحف الوطني بالحفاظ على جميع القطع التي أزيلت من قاعات العرض، ووضعها تحت رعاية مناسبة، ويحظر إتلافها أو نقلها خارج المتحف أو تعديلها أو التصرف فيها إلى حين الفصل في الدعوى.
وجاء القرار بعد دعوى حماية حقوق دستورية رفعها النائب غابرييل بيسيرا، إلى جانب خورخي فيرفييسكاس ممثلا عن تجمع ليون زوليتا المعني بحقوق مجتمع الميم، وكيفن مونيوز توريس ممثلا عن منظمة ريفولوسيون روزا المعنية بحقوق المتحولين جنسيا.
واعتبر القاضي أنّ هناك مؤشرات معقولة على احتمال المساس بحقوق الذاكرة التاريخية والحقيقة والجبر الرمزي وحرية التعبير الفني، وأن عدم اتخاذ تدابير فورية قد يؤدي إلى تفاقم الضرر المحتمل.
ولم يقتصر القرار على المقتنيات المسحوبة، إذ منع أيضا التدخل في قطع أخرى أو إزالتها من المعارض لمجرد محتواها، ما لم تصدر إجراءات إدارية تبرر هذه التغييرات.
وفي 20 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، طلبت هيئة الدفاع عن الشعب الكولومبية من وزيرة الثقافة توضيح الأساس القانوني والفني والإداري لقرار سحب المقتنيات، وبيان ظروف حفظها الحالية ومدى إمكانية إعادتها إلى المعارض.
كما طلبت الهيئة توضيح ما إذا كان اسم المساحة المخصصة لميغيل أنخيل دياز قد تغير، والأسس التي استند إليها هذا التغيير، وما إذا كان أفراد أسرته قد أُبلغوا أو استُشيروا مسبقا، بالنظر إلى التفاهمات التي سبقت إنشاء المساحة.
وأكدت الهيئة أنّ حماية الذاكرة التاريخية وإتاحة الثقافة تقتضيان الاعتراف بتنوع التجارب والروايات التي تتشكل منها الهوية الوطنية، وأن استبعاد تعبيرات فنية أو ذكريات جماعية لأسباب سياسية أو أيديولوجية قد يمس حرية التعبير والحقوق الثقافية.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%8A%D9%86_7.jpg.webp?itok=mFrEBuTB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_91.jpg.webp?itok=gYyEdaiC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_13.jpg.webp?itok=ETymazjZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-1_0_4_2_0_2.png.webp?itok=ikUUCgsC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_6_4_0_5.jpg.webp?itok=4eEKPT-3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_1_0_7.jpg.webp?itok=xWRPK8Lj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%863.jpg.webp?itok=a2IwPya7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A910%20%D8%B3.jpg.webp?itok=Hi99sLo0)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AF_14.jpg.webp?itok=81HI4KZy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_9.jpg.webp?itok=WyIdO961)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_3.jpg.webp?itok=aKcww81v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%843.png.webp?itok=DQdyvsNz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_22.jpg.webp?itok=MSXkqIkV)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_2.png.webp?itok=zIM7ZHbc)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
