فيروس كورونا والنفط... أزمة جيوسياسية في ظلّ الجائحة الصحية

فيروس كورونا والنفط... أزمة جيوسياسية في ظلّ الجائحة الصحية

مشاهدة

25/06/2020

ترجمة: مدني قصري

في الولايات المتحدة؛ أصبح برميل النفط، اليوم، أرخص مما كان عليه عام 1870: هذا هو الاستنتاج الذي لم يكن يخطر على بال أحد قبل بضعة أسابيع، والذي كان على الأسواق المالية والقطاع الصناعي أن يحسبوا حسابه.

اقرأ أيضاً: دروس للعالم من وباء كورونا المستجد

بالفعل، بلغ سعر برميل النفط، اليوم، أدنى مستوى تاريخي له منذ 150 عاماً، منذ عام 1870، وهو التاريخ الذي بدأت فيه أسعار النفط تخضع للمراقبة الإحصائية: في 29 نيسان (أبريل)، بلغ سعر برميل النفط 13,78 دولاراً أمريكياً في بورصة نيويورك التجارية، المتخصصة في الطاقة والمعادن، بعد تجاوزه مؤقتاً أثناء الليل، حاجز الصفر، وهبوطه إلى - 37,6دولاراً للبرميل، يبدو برميل النفط، اليوم، أرخص مما كان عليه عا1870 م، وهو أمر غير واقعي، جعل بعض الاقتصاديين، يُشيرون إلى أنّ التضخم الأمريكي قد ارتفع منذ ذلك التاريخ، بنسبة 2870٪، فيما نمت ثروة الشركات الأمريكية بأكثر من 3174650٪.

الجاني المتهم بهذه الاضطرابات الاقتصادية هو، بشكل غير مفاجئ، "COVID 19" ، وفي سياقه شلل الاقتصاد العالمي. في الواقع، مع توقف سلاسل الإنتاج وتوقف نشاط شركات النقل، انخفض الطلب على المنتجات البترولية بشكل ملحوظ جداً (في الهند، على سبيل المثال، في 9 نيسان (أبريل)، كان الانخفاض 66% للبترول والديزل، و90٪ للكيروسين).

إلا أنّه لا يبدو أنّ فيروس كورونا هو المسؤول الوحيد عن الأزمة الحالية في قطاع النفط؛ أوبك+، أي جميع أعضاء أوبك (منظمة البلدان المصدرة للنفط) التي انضمت إليها روسيا والمكسيك وكازاخستان وأذربيجان، عام 2016، والبحرين وبروناي وماليزيا وعُمان والسودان وجنوب السودان، تعرضت بالفعل لتوترات داخلية قوية خلال الأزمة الصحية، ما أثار مواجهة دبلوماسية بين روسيا والمملكة العربية السعودية، وأثار في نهاية المطاف، خلافاً وتنافراً داخل أوبك+، في الوقت الذي كان فيه المجتمع الدولي يتوقّع أن تتّحد هذه المنظمة أكثر من أيّ وقت مضى.

برميل النفط اليوم أرخص مما كان عليه عا1870 م، هو أمر غير واقعي يُشير إلى أنّ التضخّم الأمريكي ارتفع 2870٪

كجزء من المقابلة مع فرانسيس بيرين، الباحث المشارك في مركز السياسات للجنوب الجديد ومدير الأبحاث في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية (إيريس)، سيعرض في هذا المقال وضع سوق النفط في سياق وباء الفيروس التاجي (أولاً)، والدور المحوري لأوبك+ في هذا الصدد (ثانياً).

 أولاً- "COVID 19" مصدر أكبر أزمة نفطية في التاريخ 

يمكن تحديد بداية أزمة النفط الحالية، يوم الإثنين 9 آذار (مارس) 2020؛ في ذلك اليوم، انحدر سعر النفط بسعر البرميل إلى33,87  دولاراً، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2016، لقد شهد قطاع البترول أزمة سابقة، بين عامَي 2014 و2016، وُصِفت في ذلك الوقت بأنّها أكبر انخفاض في سعر برميل النفط في التاريخ الحديث؛ حيث انخفض بنسبة "حوالي 70٪ على مدار عامين؛ عام 2020، انخفض سعر البرميل بصورة مفاجئة: قبل أيام قليلة، يوم الجمعة 6  آذار (مارس)، كان هذا السعر أعلى بنسبة 25٪ تقريباً، يُفسَّر هذا السقوط الأول بزيادة التوترات بين روسيا والمملكة العربية السعودية بعد فشل اجتماع أوبك+، الأسبوع السابق، بهدف الاتفاق على الحدّ من إنتاج النفط.

لقد أصبح هذا القيد (التخفيض) ضرورياً بشكل متزايد؛ ففي مواجهة الوهن والتراجع الاقتصادي الدولي، انهار الطلب على المنتجات البترولية، ما تسبّب في انخفاض أسعار النفط، بنسبة 30٪ منذ بداية العام.

إنّ الطبيعة المبهرة لهذا السقوط تتضح أكثر، لا سيما أنّ البلد الأكثر طلباً للنفط، الصين (14٪ من الاستهلاك العالمي، أو 14 مليون برميل يومياً)، كان البادئ في ظهور الوباء والشلل الذي أعقب ذلك في الاقتصاد العالمي، وعام 2019؛ كانت الصين وحدها مسؤولة عن 80٪ من الطلب المتزايد على المنتجات البترولية.

اقرأ أيضاً: ما المقصود بـ"أمننة" مواجهة كورونا.. وهل تدرك المجتمعات عواقبها؟

وقد لوحظت هذه الاضطرابات الرئيسة في قطاع البترول بشكل ملحوظ في الشرق الأوسط، خاصة دول الخليج، التي يكمن نجاحها الاقتصادي إلى حدّ كبير في استغلال مواردها الهيدروكربونية، بالتالي؛ فقد حكم صندوق النقد الدولي بأنّ هذه البلدان تواجه اليوم "ضعفاً كبيراً" اقتصادياً؛ بسبب أزمة النفط وفيروس كورونا مجتمعَين: وبينما يتوقع صندوق النقد الدولي انخفاضاً بأكثر من 250 مليار في صادرات المنتجات البترولية بالدولار حتى نهاية العام؛ فهو يتوقع أيضاً انكماشاً بنسبة 3,5٪ من الناتج المحلي الإجمالي للإمارات العربية المتحدة، و2,3٪ للمملكة العربية السعودية.

ومع ذلك، وفق وكالة الطاقة الدولية؛ فإنّ البلد الذي من المحتمل أن يكون الأكثر تأثراً بأزمة النفط هو العراق؛ حيث يعتمد اقتصاده بالفعل على 90٪ من النفط الذي يستمد منه المداخيل اللازمة لدفع رواتب موظفيه المدنيين البالغ عددهم أربعة ملايين، ما يقارب ثلاثة أرباع ميزانية الدولة مخصصة لدفع رواتب الموظفين العموميين عام 2019.

أزمة النفط هذه ليست فقط بسبب المتغير الوبائي، فهي، لا محالة، مرتبطة أيضاً بالعوامل الجيوسياسية.

ثانياً: أوبك +، ممثلة وضحية أزمة النفط

عُقد الاجتماع الرئيس الأول لمنظمة أوبك، في 5 آذار (مارس)، في فيينا بالنمسا، حتى تستطيع الدول الأعضاء الاتفاق على خفض إنتاج المنتجات البترولية، كان هذا الاتفاق العام ضرورياً حتى لا تستفيد أيّة دولة منتجة للنفط من انخفاض إنتاج منافسيها أو حتى زيادة إنتاجها، وبالتالي الاستحواذ على حصص كبيرة في السوق.

كان القصد من الانخفاض المنسق هو الحفاظ على سعر النفط عند مستوى تنافسي لجميع أعضاء منظمة البترول الدولية، وهكذا اتفق الأعضاء الـ 13 في منظمة أوبك، التي تمثل السعودية رأس الحربة فيها، في ذلك اليوم، على تخفيض قدره مليون ونصف برميل يومياً، حتى نهاية العام.

اقرأ أيضاً: السفر في زمن "كورونا"

ومع ذلك، كان على حلفاء أوبك، الذين جسّدتهم أوبك+، والذين ظهرت روسيا في طليعتهم، الانضمام إلى هذه الاتفاقية من أجل تحقيق أهدافها، ومع ذلك؛ ففي اجتماع ثان في اليوم التالي، في فيينا، كان الممثل الروسي يعارض بشدة هذا التخفيض اليومي، البالغ مليون برميل ونصف، ما تسبّب في حالة من الذعر في سوق الأسهم، خسر برميل برنت 10٪ من قيمته في اليوم نفسه، ووصل إلى مستوى لم يشهده منذ تموز (يوليو) 2017.

البلد الذي من المحتمل أن يكون الأكثر تأثراً بأزمة النفط هو العراق إذ يعتمد اقتصاده بالفعل على 90٪ من النفط

فمن دون التشاور مع شركائها في منظمة أوبك؛ كان هجوم الرياض المضاد سريعاً؛ ففي 7 آذار (مارس)، أعلنت السلطات السعودية تخفيضاً كبيراً في سعر براميلها النفطية لشهر نيسان (أبريل)، من أجل بيع مخزوناتها النفطية؛ حيث نقلت سعر"Arabian light"  من 6  إلى 4  دولارات للبرميل، وهو أكبر انخفاض خلال 20 عاماً، مع البدء في رفع الإنتاج بنسبة 25٪ (أو 12,3  مليون برميل يومياً لشهر أيار (مايو)".

في الأسابيع التالية؛ كانت هناك توترات متزايدة ومواجهة مستمرة بين أعضاء أوبك+، تقودها الرياض من جانب، وموسكو من جانب آخر، وهذا الفشل المتكرر في المفاوضات جعل المحللين والمراقبين الدوليين يتنبؤون بوفاة أوبك+.

وأخيراً، في 12 نيسان (أبريل)، بعد أربعة أيام من المفاوضات المتوترة أحياناً، بوادر الاتفاق بين الرياض وموسكو، أصبحت لاغية لبضع ساعات، بعد معارضة المكسيك، اتفق أعضاء أوبك+ حول تخفيض جماعي في الإنتاج لتصل إلى حدود 10 ملايين برميل أقل يومياً، خلال شهري أيار (مايو) وحزيران (يونيو).

إنّ التغيّر في موقف موسكو، التي رفضت تخفيضا بـ1,5  مليون برميل يومياً، في 6 آذار (مارس)، وقبلت بعد ذلك تخفيض 10 ملايين يومياً، في 12  نيسان (أبريل)، يفسَّر إلى حدّ كبير التطور الكبير لـ "COVID-19" بين هذَين التاريخَين، من حيث انتشاره وعواقبه على المجتمع والاقتصاد.

اقرأ أيضاً: كيف تصدرت الإمارات قائمة الدول الأفضل في مواجهة فيروس كورونا؟

يمثل التخفيض المتوقع في هذه الاتفاقية ما يقرب من 10٪ من إنتاج النفط العالمي، ويقدّر بعض المحللين أنّه بالنظر إلى السياق الاقتصادي الحالي المرتبط بالوباء، فإن هذّا الرقم يمكن أن يقترب بالفعل من 20٪، على أية حال؛ لقد رحبت البورصات بالاتفاق، فبمجرد الإعلان عن هذا الاتفاق، قبل ساعات قليلة من افتتاح أسواق الأسهم الآسيوية، ارتفع سعر خام برنت بنسبة 5٪ ليصل إلى 33,08  دولار للبرميل.

اقرأ أيضاً: كيف ستغدو المجتمعات بعد كورونا؟

إذا كانت الاتفاقية ما تزال سارية، اليوم، ولم يتم التشكيك فيها، فقد أثيرت مع ذلك مشكلة تطبيقها الفعلي: العديد من أعضاء أوبك+، بما في ذلك روسيا، متهمون بعدم تخفيض إنتاجهم بالقدر الذي وعدوا به في12  نيسان (أبريل)، بالفعل؛ لاحظ العديد من المحللين جداول نقل النفط الخام الروسية المخطط لها لشهر أيار (مايو)، وخلصوا إلى أنّ روسيا تخطط فقط لخفض إنتاجها بمقدار 600000 برميل يومياً.

ويقول محللون؛ إنّ روسيا ستجد صعوبة في خفض الإنتاج بهذا الشكل الكبير دون الإضرار بقدرتها الإنتاجية، في الواقع، يقال إنّ غالبية آبار النفط الروسية قديمة وتستخدم بكثافة، ممّا يجعل إغلاقها، ثمّ إعادة فتحها أصعب بكثير، من إغلاق وإعادة فتح الآبار الحديثة في الخليج: مثل هذه العملية لن تكون مكلفة فحسب، بل ستخاطر أيضاً بتدمير البنية التحتية النفطية، وستثبت أنّها سوف تضرّ، على المدى الطويل، بالقدرات الإنتاجية الروسية.

بالتالي؛ فإنّ الأزمة التي يمرّ بها قطاع النفط، اليوم، لها عدة جوانب: لقد غطّت الأزمة الصحية المرتبطة بفيروس "COVID-19"، التي لم يسبق لها مثيل، الأزمة الجيوسياسية، التي تعدّ أكثر سريّة، وأكثر ثقلاً أيضاً من حيث العواقب، من عواقب التوترات التي أثارتها (هذه الأزمة) داخل أوبك+.

يبدو أنّ التفاهم الودّي الذي ساد التحالف، منذ إبرام معاهدة 12 نيسان (أبريل)، يُفترَض أن يستمر بالتأكيد وقت الوباء، ومع ذلك؛ فإنّ تعافي الاقتصاد العالمي وعودة الطلب القوي على النفط يجب أن ينبئ بمواجهات ومصاعب اقتصادية ودبلوماسية جديدة في هذه المنظمة الدولية.

مصدر الترجمة الفرنسية:

Les clés du Moyen-Orient 

الصفحة الرئيسية