فيروس كورونا والمصريون: حذر وخوف و"خفة" في مواجهة الوباء

كورونا

فيروس كورونا والمصريون: حذر وخوف و"خفة" في مواجهة الوباء

مشاهدة

24/03/2020

في سجلات الإدارة الصحية المصرية وتاريخها أوبئة وأمراض عديدة، حصدت أرواح ضحاياها في حقب تاريخية وفترات سياسية متباينة، لا سيما وباء الكوليرا الذي ظهر خلال فترة القرن التاسع عشر، بين الأعوام 1883 و1895 و1902، أثناء الاحتلال البريطاني لمصر.
أوبئة في حياة المصريين
تزامن ظهور "الهواء الأصفر"، بحسب التسمية الشعبية الرائجة وقتها عن الوباء، مع مولد الشيخ أبو المعاطي، أحد الموالد الدينية الشعبية في مصر، في محافظة دمياط، شمال القاهرة، وقد تفشى في محافظات مصر بعد ذلك، والتي كانت تنوء بأعباء الاحتلال البريطاني، فضلاً عن إهمال الرعاية الطبية والمنظومة الصحية.

اقرأ أيضاً: التطرف في زمن كورونا: هل حرّض إسلاميون مغاربة ضدّ الحجر الصحي؟
وقضى، بحسب الإحصاءات الرسمية، نحو ٦٤٨٨ من سكان القاهرة، في الفترة بين ١٥ تموز (يوليو) و٢٥ آب (أغسطس) العام ١٨٨٣، بيد أنّ بعض الوثائق الأخرى تشير إلى وفاة نحو ٨٠٠٠، والتفاوت في الأرقام يعود إلى الصعوبة في رصد الوفيات بدقة؛ حيث دفن العديد من ضحايا الكوليرا دون الكشف الطبي.

حالة من الترقب والحذر تسود المجتمع المصري
لذا، كانت المحافظة التي استقبلت نحو 15 مليون زائر في المولد موطناً للمرض، ومن ثم فُرض الحجر الصحي لمدة 17 يوماً، وبالتالي، تمّ منع السكان وغيرهم من المتواجدين بالمدينة من مغادرتها، فضلاً عن سفر الآخرين إليها.

وقد شهدت تلك الفترة بعض الحوادث التي تتماثل مع الوضع الراهن بعد ظهور فيروس "كورونا" المستجد، ومن بينها، حالة الخوف من غلاء ونقص السلع الغذائية، وكذا، المواد الطبية المطهرة والأدوية، مما أدّى إلى سحبها من الأسواق وتكديسها وتخزينها.
المصريون في مواجهة الحجر الصحي
حالة من الترقب والحذر تسود المجتمع المصري، بعد الإجراءات الوقائية التي أعلنتها الدولة في محاولة لحصار انتشار فيروس كورونا المستجد؛ حيث تفاوتت ردود الفعل التي رافقتها مواقف متباينة، لا تكاد تختلف كثيراً عن المشاهد المتداولة، في عدد من البلدان والعواصم العربية والأوروبية، خاصة بعد التعطيل المؤقت للدراسة، وتعليق الأنشطة والفعاليات الثقافية والفنية؛ حيث أعلنت الحكومة وقف الدراسة في المدارس والجامعات، لمدة أسبوعين، إضافة إلى تخصيص 100 مليار جنيه، في إطار الخطة الموضوعة لمواجهة الفيروس.

تعيش المدن السياحية كلها تحت الحجر الصحي لمدة أسبوعين؛ حيث تمّ حظر سفر المتواجدين فيها للخارج أو السفر إليها

وقد وضعت وزارة الصحة المصرية، قبل أيام، مجموعة من الإرشادات التي طالبت أقارب ومخالطي الشخص المصاب بفيروس كورونا باتّباعها والالتزام بها، بغية الحدّ من انتشار الوباء، خلال فترة العزل المنزلي؛ إذ طالبتهم بالبقاء في غرفة غير غرفة الشخص الخاضع للعزل الذاتي المنزلي بقدر الإمكان، والبقاء على بعد مترين، على الأقل في حالة ضرورة الاختلاط.
ويضاف إلى ذلك، ارتداء الكمامة عندما يكونون بالقرب من الشخص المعزول، أو عند الدخول إلى غرفته، ثم التخلص منها بعد الاستخدام، عبر وضعها في كيس مغلق، وإلقائها بسلة المهملات، وفي حالتي العطس والسعال، توصي الإرشادات بتغطية الفم أو الأنف بواسطة منديل ورقي، ومن ثم التخلص منه بالطريقة ذاتها، يعقبها غسل اليدين على الفور.
كما ناقش المجلس الأعلى للجامعات الخطط المستقبلية للدراسة في الجامعات المصرية، إثر تطورات الوضع العالمي لانتشار الفيروس؛ حيث شدّد الدكتور محمد الطيب، مساعد وزير التعليم العالي، والمتحدث الرسمي باسم الوزارة، على أنّ قرارات المجلس الصادرة بشأن خطة التعامل مع المرض، استدعت تأجيل الامتحانات الخاصة بالفصل الدراسي الثاني إلى 30 أيار (مايو)، وهو الأمر الذي يشمل المعاهد الحكومية وتخضع له الجامعات الخاصة دون استثناء.
 تعافي 21 حالة خرجت جميعها من مستشفى العزل

تعطيل مؤقت
وأوصى المجلس الأعلى للجامعات بضرورة الالتزام بكافة التدابير لمنع انتشار المرض؛ إذ ناشد المواطنين بضرورة الالتزام بما صدر من قرارات للحدّ من انتشار العدوى، وأكّد أنّ الاهتمام بصحة الطلاب، وأعضاء هيئة التدريس، وكافة العاملين بالجامعات، والمستشفيات الجامعية، تعدّ الأولوية المقدمة على كلّ شيء.
ومن جانبها، كانت وزارة الصحة المصرية قد أعلنت قبل هذه الإجراءات، التي جاءت في أعقابها، أنّ عدد الحالات المؤكدة في مصر وصل إلى 93 حالة، لافتة إلى أنّه تم تسجيل حالتَي وفاة بسبب فيروس "كورونا"، لسائح ألماني وامرأة عمرها 60 عاماً.

اقرأ أيضاً: عالم ما بعد كورونا
وأوضحت الوزارة أنّ حالات الإصابة الجديدة تشمل 5 مصريين، و8 أجانب، بينما أعلنت، في الوقت ذاته، تعافي 21 حالة، خرجت جميعها من مستشفى العزل.
وفي ظلّ محاولات مكافحة انتقال العدوى بالفيروس، وتضييق بؤر انتشاره ومحاصرة ظهوره، اتخذت المؤسسة الدينية الإسلامية والمسيحية، ممثلتين في الأزهر ووزارة الأوقاف من جهة، والكنيسة القبطية من جهة أخرى، قراراً بتعليق الصلاة في المساجد والكنائس لمدة أسبوعين، وهو الإجراء ذاته الذي اتخذته دول عربية وإسلامية أخرى كالسعودية؛ إذ علقت الصلاة في الحرمين بمكة.

اقرأ أيضاً: ترامب أم "كورونا"؟
وأوضحت البيانات الرسمية من المؤسسات الدينية، مثل التي صدرت من اللجنة الدائمة للمجمع المقدس، برئاسة البابا تواضروس الثاني، أنّه سيتمّ غلق جميع الكنائس، وإيقاف الخدمات الطقسية، والقداسات، وجميع الأنشطة الأخرى الخدمية والاجتماعية والدينية، فضلاً عن غلق قاعات العزاء، واقتصار الجنازات على أسرة المتوفَّى فقط.
وأوصى بابا الأقباط الأرثوذكس، بأنّ على كلّ إيبارشية تخصيص كنيسة واحدة فقط، للجنازات، كما يجب منع الزيارات إلى جميع أديرة الرهبان والراهبات.
 إيقاف صلاة الجماعة والجمع مؤقتاً بالجامع الأزهر

إجراءات استثنائية
ومن جانبه، أعلن شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، إيقاف صلاة الجماعة والجمع مؤقتاً بالجامع الأزهر، حرصاً على سلامة المصلين، لمدة أسبوعين، لحين وقف انتشار الوباء، وهو ما أعقبه قرار مماثل من وزارة الأوقاف، لمنع إقامة صلاة الجمع والجماعات، وغلق جميع المساجد في الجمهورية وملحقاتها، ناهيك عن جميع الزوايا والمصليات، والاكتفاء برفع الأذان في المساجد دون الزوايا والمصليات.

اقرأ أيضاً: نعومي كلاين: كيف نهزم "رأسمالية الكورونا"؟
وفي ظلّ الوضع المتأزم عالمياً والإجراءات الاستثنائية والجديدة التي يعيشها المواطنون، ثمة أحداث ومواقف مجتمعية وسلوكية، بدأت تظهر ملامحها بين المواطنين، حيث سادت، مثلاً، إشاعات عديدة حول وجود بعض الأدوية والعقاقير الطبية التي بمقدورها العلاج من الكورونا، كما يوضح الطبيب الصيدلي، إيهاب إدريس، في حديثه لـ "حفريات"؛ حيث سبق أن عانى في بداية الأزمة من عدم وفرة القفازات والكمامات التي جرى سحبها من الأسواق، بعد الخشية من انتقال العدوى بالمرض، وحالة الذعر التي انتقلت بين الناس، إضافة إلى تضاعف ثمنها من جانب الشركات والوكلاء المسؤولين عن تأمينها وبيعها للصيدليات.

المصريون لا يستجيبون لقرارات المنع حتى لو على حساب حياتهم ويبحثون عن المقاهي المفتوحة في أحيائهم الشعبية

بيد أنّ إدريس رأى أنّ الاستغلال قائم نتيجة عدم وعي المواطنين من جهة، واستغلال أصحاب الشركات للأزمة السائدة من جهة أخرى، وبالتالي، ترتّب على حالة الفوضى التي شهدتها أسواق الدواء، وحتى السلع الغذائية، تضاعف ثمن تلك المواد، وانحسار وجود المنتجات المختلفة، لكن الأمر الذي أزعجه بصورة قصوى، هو ملامحظته وجود حركة شرائية على المنتجات والعقاقير الدوائية التي انتشرت أسماؤها عبر مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها تعالج الفيروس، مما جعله يقدم مجموعة من النصائح عبر الصفحة الرسمية للصيدلية المملوكة له، على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"؛ حيث حذّر من شراء أيّ دواء دون ضرورة، كما أوضح لمتابعيه الفرق بين العلاج والوقاية، وشدّد على عدم استخدام عقاقير دون توصية من طبيب أو صيدلي؛ إذ إنّ الدواء لا يجب تعاطيه إلا من خلال بروتوكول علاجي كامل، وليس بشكل عشوائي.

الحياة على الهامش
تعيش المدن السياحية كلّها، لمدة أسبوعين، تحت الحجر الصحي؛ حيث تمّ حظر سفر المتواجدين، بينما تقوم شركات السياحة بتوفير السفر للأجانب المقيمين، حسبما يوضح أحد العاملين في قطاع السياح (فضّل عدم ذكر اسمه)، وذلك التزاماً منهم بالقرارات التي اتخذتها السلطات المصرية، موضحاً أنّ الفنادق في تلك المدن تعيش تحت وطأة أحداث وظروف صعبة لكنّها منطقية ومفهومة بالنسبة إلى العاملين، بعد أن تمّ إلغاء كافة الحجوزات، ووقف الطيران.
ويضيف لـ "حفريات": "نسبة حجوزات الفنادق (0%)، وهو الأمر الذي تتعرض له كافة الدول بعد أن عزل العالم نفسه، لجهة محاصرة تفشي المرض، كما أنّه تمّ تخفيض العاملين بأقسام القطاعات السياحية المختلفة، سواء فنادق أو شركات وغيرها، حيث يعمل موظف أو اثنان، على الأكثر، في كلّ قسم".

اقرأ أيضاً: كيف جاءت استجابة دول الخليج في مواجهة كورونا؟
إلى ذلك، يرى الصحفي والكاتب المصري، أحمد البرديني، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "أكثر من 70% من الشعب المصري يعيشون حياتهم، بشكل طبيعي، دونما الالتزام بالاحتياطات الواجبة لمنع انتشار الفيروس؛ إذ إنّهم غير مهيئين لاستقبال أوبئة بهذا الانتشار؛ فالناس يقصدون المترو الذي هو وسيلتهم الأساسية والرخيصة للذهاب إلى أعمالهم، كما لن يتخلوا عنه إلا إذا أغلقته الحكومة مؤقتاً، ويبحثون عن المقاهي المفتوحة في أحيائهم الشعبية؛ لأنّهم اعتادوا على الحياة هكذا؛ فمن يدخن لا يطيق نفسه ولا يحتمل حياته بدون نرجيلة؛ حيث يبحث عنها في منزله أو برفقة صديق أو داخل مقهى مخالف للقرار المتعلق بالغلق، خاصة أنّ طبيعة المصريين لا تستجيب لقرارات المنع التي تأتي بغتة حتى لو على حساب حياتهم.

الصفحة الرئيسية