غوغاء الإخوان على المنصات.. وكيف تُصنع التفاهة

غوغاء الإخوان على المنصات.. وكيف تُصنع التفاهة

غوغاء الإخوان على المنصات.. وكيف تُصنع التفاهة


29/07/2026

ثروت خرباوي

حين وقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم على أبواب الطائف داعياً إلى الله، لم يكن أول ما استقبله حواراً فكرياً ولا رداً منطقياً، وإنما واجه ظاهرة تتكرر في التاريخ كلما عجزت جماعة عن مجابهة الفكرة بالحجة. فقد ترك سادة الطائف مهمة المواجهة للسفهاء والغوغاء، فتحول الحجر إلى بديل من البرهان، والضجيج إلى بديل من الحوار. ولم تكن تلك الواقعة مجرد مشهد عابر في السيرة، بل كشفت عن قانون يتكرر في تاريخ الصراع الإنساني: كلما ضعف المنطق، استُدعى من لا يعرف المنطق.

وما أكثر ما أعاد التاريخ إنتاج هذا المشهد. فكلما ظهرت فكرة يصعب دحضها، أو خطاب يفضح تناقضات خصومه، لم يكن الرد إنتاج فكرة أقوى، بل إثارة الضوضاء حول صاحبها، أو الدفع بشخصيات لا تملك علماً ولا مسئولية إلى واجهة المشهد. فالغوغائي لا يُطالَب بالدليل، وصاحب الشتيمة لا ينتظر حواراً، ومن احترف الابتذال لا يعرف كلفة الكلمة ولا مسئولية الخطاب. وهكذا يتحول السفه من سلوك فردي إلى أداة سياسية، ويغدو الابتذال وسيلة لصرف الأنظار عن جوهر القضية. ولهذا يعلمنا التاريخ أن المجتمعات لا تفقد وعيها حين يكثر الكذب وحده، وإنما حين يصبح السفه أداة معترفاً بها في إدارة المجال العام، ويُستبدل الحوار بالضجيج والبرهان بالاستفزاز. وعندئذ لا تكون الأزمة فى الأشخاص الذين يؤدون هذا الدور، وإنما في القوى التي تدفع بهم إلى الواجهة، بعدما عجزت عن مواجهة خصومها في ميدان الفكر والسياسة، فلجأت إلى ميدان الغوغاء.

ولأن الوعي العام في الدولة الوطنية لم يكن نتاج الصدفة، بل ثمرة مؤسسات امتلكت سلطة المعرفة؛ فالمدرسة كانت تُعلِّم، والجامعة تُنتج المعرفة، والكتاب يؤسس للعقل، والصحيفة تنقل الخبر وتدير النقاش العام، والحزب يؤطر المشاركة السياسية، وكانت الدولة الوطنية تجمع هذه العناصر جميعاً داخل مشروع ثقافي وسياسي يصنع الانتماء والوعي والمعرفة.

غير أن هذا البناء، الذي تشكل عبر عقود طويلة، تعرض لتحول جذري مع الثورة الرقمية؛ إذ انتقل جانب كبير من سلطة تشكيل الوعي من المؤسسات إلى شاشة الهاتف المحمول. وأصبح ملايين البشر يتلقون معلوماتهم، ويبنون مواقفهم، ويصوغون أحكامهم السياسية عبر منصات لا تحكمها معايير المعرفة بقدر ما تحكمها خوارزميات صُممت لتعظيم التفاعل وإطالة زمن المشاهدة. ولم يعد السؤال: من يملك المعرفة؟ بل أصبح: من يملك القدرة على خطف الانتباه؟

ومن هنا تبدلت صناعة الرأي العام. ففي الماضي كان الطريق إلى التأثير يمر عبر الدراسة والخبرة، أما اليوم فقد أصبحت المشاهدات، ومعدلات التفاعل، وسرعة الانتشار، هى العملة الجديدة للتأثير، حتى غدا في وسع أي شخص يمتلك هاتفاً وكاميرا أن ينافس مؤسسات كاملة في تشكيل اتجاهات الرأي العام.

وقد أدركت جماعة الإخوان مبكراً أن المنصة الرقمية لا تكافئ صدق الخطاب بقدر ما تكافئ قابليته للانتشار، فحولت هذه الحقيقة إلى استراتيجية إعلامية لا تجعل القيمة الأخلاقية معياراً، بل تجعل التأثير هو المعيار الوحيد. وبعد أن خسرت مؤسسات الدولة وأدوات الخطاب التقليدي، وجدت في فوضى المنصات تعويضاً مثالياً؛ فالمنصة لا تمنح الشرعية للأكثر علماً، وإنما للأكثر قدرة على إثارة الانتباه.

ومن هنا استثمرت الجماعة جيشاً من الحسابات والصفحات التي لا تناقش بقدر ما تستفز، ولا تحلل بقدر ما تتهم وتسب. فهي تقدم المظلومية في قالب عاطفي مكثف، وترسم خصومها في صورة كاريكاتيرية تختزل الواقع، ثم تعيد تقديم نفسها بوصفها الضحية الدائمة. وهى بذلك لا تخاطب العقل السياسي لدى المتلقي، وإنما تستثير الانفعال الأول، حيث يتكون الموقف قبل أن يتكون الفهم. ولا يعنيها أن يكون الخطاب صادقاً أو الرواية متماسكة؛ فهى لا تراهن على الحقيقة، وإنما تراهن على سبقها، لأنها تدرك أن تصحيح الأكذوبة لا يبلغ أبداً المدى الذى بلغته الأكذوبة نفسها. وهذا هو جوهر استثمارها فى صناعة التفاهة؛ فهى لا تستهدف إقناع خصومها، وإنما إنهاك الوعي العام ذاته حتى يفقد قدرته على التمييز، فيغدو كل ادعاء محتملاً، كما تغدو كل حقيقة موضع شك، وعندئذ فقط يصبح الضباب بيئة مثالية لاختباء هشاشة المشروع الفكرى والسياسى.

وخير شاهد على ذلك ما جرى مع فيديوهات المقاول محمد علي عام 2019؛ إذ لم تكترث القنوات المحسوبة على الجماعة بمدى صدقية ما يطرحه، بل سارعت إلى إعادة بثه وتضخيمه لحظة بلحظة، ونقلته مباشرة على شاشاتها، لأنها رأت فيه مادة صالحة لتأليب الرأي العام. فاستهلكته بوصفه فرصة إعلامية، لا بوصفه حقيقة تستوجب التحقق. ثم ما لبثت أن تجاوزته حين انحسر أثره الإعلامي.

وتكرر المشهد مؤخراً، ولكن فى صورة أشد انحداراً؛ إذ دخلت الجماعة إلى فضاء الانحطاط الأخلاقي والسباب، فاحتفت بمحتوى بالغ الابتذال، وفتحت له منابرها، ورفعته إلى صدارة كتائبها الرقمية، لا لأنه يحمل فكرة أو رؤية، وإنما لأن حدته وفجاجته فى الهجوم على الدولة كانتا وحدهما كافيتين لتبرير هذا الاحتفاء. وهنا تتجلى صناعة التفاهة في أوضح صورها؛ إذ لم يعد السؤال: «هل هذا صحيح؟» بل أصبح: «هل هذا قادر على إشعال الجمهور؟». وهكذا يغدو الابتذال أداة فاعلة لتغييب الوعي.
ولعل أخطر ما في هذا الاستثمار فى التفاهة أنه لا يقف عند حدود التوظيف السياسى العابر، بل يتجاوزه إلى غاية أبعد؛ فالجماعة، بعدما عجزت عن هدم الدولة من الخارج، لجأت إلى تفكيك نسيجها الأخلاقى من الداخل، فاحتفت بكل محتوى مبتذل، وفتحت منابرها لكل صوت فاحش، لا لأنها تجهل قبح ما تنشره، بل لأنها تدرك أن المجتمع إذا فقد حياءه وتماسكه القيمي غدا أضعف مقاومة وأكثر قابلية للتفكك. فالفحش هنا ليس غاية فى ذاته، وإنما أداة لتفريغ المجتمع من معاييره قبل استهداف مؤسساته؛ إذ إن المجتمع الذي تعتاد حواسه على الابتذال يفقد، رويداً رويداً، قدرته على استنكار ما كان بالأمس يثير غضبه، فيصبح التطبيع مع الفحش تمهيداً خفياً للتطبيع مع الفوضى، ثم مع الانهيار.

ولهذا فإن معركة المستقبل لن تكون بين الورق والشاشة، ولا بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي، وإنما بين ثقافة تجعل المعرفة أساساً للتأثير، وثقافة تجعل التأثير بديلاً من المعرفة. فالديمقراطية لا تحتاج إلى كثرة الأصوات وحدها، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى جودة الوعي الذي يصنع هذه الأصوات؛ لأن المجتمع الذي يفقد بوصلته المعرفية قد يمتلك حرية الكلام، لكنه يفقد القدرة على التمييز بين من يقوده إلى الحقيقة ومن يقوده إلى الوهم.

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية