عودة الحاميات العثمانية: أحلام التوسع تداعب أردوغان بعد قرن على السقوط

تركيا

عودة الحاميات العثمانية: أحلام التوسع تداعب أردوغان بعد قرن على السقوط

مشاهدة

08/07/2020

لم يتوقف المشروع التوسعي التركي عند حدود التمدد الناعم، في الثقافة والاقتصاد؛ بل تجاوزه إلى التمدد والتوسع الخشن، والمتمثل في صورته العسكرية الصريحة، لتعيد تركيا بذلك سيرة الوجود العسكري العثماني في العالم العربي، بعد أن مضى على نهايته نحو مائة عام.
جاء التوسع العسكري التركي عن طريق تدخلات عسكرية، وإرسال جنود، وتأسيس قواعد عسكرية، أقيمت خلال الأعوام القليلة الأخيرة، على أطراف المنطقة العربية، وفي شقيها؛ الآسيوي والأفريقي.
قاعدة الريان
يأتي في مقدمة هذه القواعد، القاعدة العسكرية التي تم افتتاحها مؤخراً في قطر، وهي "قاعدة الريان العسكرية"، التي مثّل افتتاحها أول وجود عسكري في منطقة الخليج العربي الإستراتيجية، وذلك منذ نهاية التواجد العثماني.
وكانت قطر قد وقعّت بتاريخ 19/12/2014 اتفاقية دفاع مشترك مع تركيا، وذلك إثر سحب الدول الخليجية سفراءها منها احتجاجاً على سياسات الدوحة الخارجية حينها.

جاء التوسع العسكري التركي بتدخلات عسكرية وتأسيس قواعد على أطراف المنطقة العربية

وبناءً على تلك الاتفاقية بدأت أعمال البناء والتجهيز للقاعدة، ولكن، ومع إعلان "دول الرباعية" مقاطعتها لقطر في 5 من حزيران (يونيو) الماضي، طلبت الدوحة من أنقرة التعجيل بافتتاح القاعدة، وهو ما تمّ بعد أن صوّت البرلمان التركي يوم 7 حزيران (يونيو) على مشروعَي قرار، يتعلق الأول منهما بتدريب وتأهيل قوات الدرك القطرية، والثاني بتطوير اتفاقية التعاون العسكري المبرمة بين البلدين، وقد رأت الدوحة في "قاعدة الريان" دعماً لها.
تضم القاعدة اليوم حضوراً عسكرياً يعتبر كبيراً نسبياً، يصل إلى ثلاثة آلاف عسكري من كافة الوحدات القتالية، ومن المرجح وصول عدد القوات إلى خمسة آلاف، بحسب مسؤولين أتراك يرون أنّ القاعدة قد تتطور لتشمل إمدادها بالسفن والمقاتلات الحربية.

العودة التركية الجديدة إلى الخليج العربي جاءت عبر البوابة القطرية

إلى خليج عدن
وعلى الجانب الآخر من شبه الجزيرة العربية، تطلّ على خليج عدن الإستراتيجي القاعدة العسكرية التركية الأخرى، التي كان الأتراك قد افتتحوها على الساحل الصومالي قبل افتتاح قاعدة الريّان بعام، وذلك في تموز (يوليو) من العام 2016، وبعد عامين من أعمال التجهيز والبناء. وتقع القاعدة العسكرية في الصومال على مساحة 400 دونم، وبلغت تكلفتها حوالي 50 مليون دولار.
كانت الأهداف التركية المعلنة تتحدث عن غايات تتعلق بتدريب نحو 10,500 جندي صومالي وإعدادهم من أجل مواجهة الحركات المتطرفة في البلاد، وتحديداً "حركة الشباب المجاهدين"، بالإضافة إلى مواجهة جماعات القراصنة في خليج عدن الإستراتيجي، الذي يعتبر من أكثر الممرات البحرية الدولية كثافةً في الحركة. وقد أكدّ رئيس أركان الجيش التركي "خلوصي أكار" أثناء حضوره مراسم افتتاح القاعدة أنّ بلاده "ستواصل دعم الصومال لتجاوز مشكلاته، وليستعيد الجيش الصومالي مكانته".

رأت الدوحة في "قاعدة الريان" دعماً لها وتخفيفاً من خطر العزلة

ولكن الموقع الإستراتيجي للقاعدة، ينبئ بمرام ٍأبعد للأتراك؛ حيث يعتبر خليج عدن المعبر الرئيسي لتجارة النفط العالمية، ويمثل بذلك خطورة على أمن الخليج الاقتصادي، بالإضافة إلى أنّ توقيت بناء القاعدة أتى في ظل تصاعد العداء بين تركيا ومصر؛ حيث يعد خليج عدن ونهايته "مضيق باب المندب" بمثابة الانعكاس الإستراتيجي لقناة السويس المصرية، وبالتالي فإنّ هذا التواجد يمكن أن يشكّل ورقة ضغط مستقبلية ضد الجمهورية المصرية.
بالإضافة إلى ذلك، يمثل التواجد التركي في منطقة القرن الإفريقي، منطلقاً للتوسع المحتمل نحو أعماق القارة الإفريقية، وهي القارة الواعدة بأسواقها، واستثماراتها الوفيرة، والمواد الخام الحيوية، ويعزّز هذا الاتجاه ما أقدمت عليه تركيا مؤخراً من استملاك لجزيرة سواكن السودانية، الذي جاء تحت غايات معلنة تتمثل بالإعمار وإعادة التأهيل.

مراسم افتتاح القاعدة العسكرية التركية في الصومال بمشاركة رئيس أركان الجيش التركي

شمال العراق.. تحقيق لطموح تركي قديم؟
وبالإضافة إلى شرق وغرب شبه الجزيرة، وصل التواجد العسكري التركي إلى شمال العالم العربي، وبالتحديد شمالي العراق، وذلك في معسكر "بعشيقة"، والواقع في إقليم "كردستان العراق".
بعد تقدم تنظيم "داعش" في سوريا والعراق خلال عامي 2013 و2014، وسيطرته على مدينة الموصل في 10 حزيران (يونيو) 2014، قامت تركيا في أواخر العام 2015 بإرسال مئات من جنودها إلى معسكر "بعشيقة"، وذلك تحت الحجّة المعلنة بأنّ مهمتها تدريب قوات البيشمركة، ومقاتلين متطوعين من العشائر العراقية، لمواجهة التنظيم الإرهابي، والتحضير لتحرير الموصل.
لكن بغداد احتجّت على هذا التدخل، الذي رأت فيه انتهاكاً صريحاً لسيادة الدولة العراقية؛ حيث قدّمت احتجاجاً رسمياً لدى مجلس الأمن بتاريخ 18 كانون الأول (ديسمبر) من العام 2015.

يمثل التواجد التركي في منطقة القرن الإفريقي منطلقاً للتوسع المحتمل نحو أعماق القارة

وتدّعي تركيا أنّ التواجد العسكري التركي في المعسكر يعود إلى التسعينيات من القرن الماضي، وأنه جاء بتنسيق مع حكومة إقليم كردستان العراق، وذلك ضمن الجهود التركية لمحاربة تنظيم "حزب العمال" الكردي.
وقد تصاعدت حدّة الخلاف بين البلدين لاحقاً، ووصلت إلى حد استدعاء السفراء، دون أي استجابة من الأتراك؛ بل إنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أفصح عن النوايا التوسعية التركية في التدخل، وذلك حين صرح في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2016، بأنّ "الموصل تاريخياً لنا"، مشيراً إلى "ضرورة تعديل اتفاقية لوزان (1923، والتي ضُمّت الموصل بموجبها إلى الدولة العراقية)"، ليعبر بذلك عن الأطماع التركية التاريخية في ضمّ الموصل.
بعد إقالة أحمد داوود أوغلو، وما تبع ذلك من تحولات في السياسة الخارجية التركية، وتراجع التوجه التوسعي، والاتجاه نحو التطبيع مع روسيا وإيران والعراق، قام رئيس الوزراء التركي الجديد بن علي يلدرم، بزيارة بغداد في كانون الثاني (يناير) 2017، حيث وعد بسحب القوات، وهو ما لم يتم بشكل كامل حتى الآن.
وفي شهر كانون الثاني (يناير) الماضي قام وزير الداخلية التركي مولود جاويش أوغلو بزيارة بغداد؛ حيث تم مناقشة سحب القوات التركية مجدداً.

مظاهرات واسعة في المدن العراقية احتجاجاً على تصريحات أردوغان في تشرين الأول 2016

التدخل بالأزمة السورية: عمليات وقواعد
لم تكتفِ تركيا بكونها معبراً للمقاتلين الأجانب نحو سوريا، وإنما تدخّلت بمختلف الطرق في الصراع هناك؛ حيث دعمت تنظيمات مسلحة بوسائل مختلفة. ولكن الدور التركي تجاوز ذلك إلى شنّ حملات وعمليات عسكرية موسعة كعملية "درع الفرات" في آب (أغسطس) 2016، وعملية "غصن الزيتون" في كانون الثاني (يناير) الماضي.

في 1 تشرين الثاني أُعلن عن استكمال إنشاء وتأهيل القاعدة العسكرية التركية الأولى في سوريا

وتعتبر مثل هذه الحملات انتهاكاً صريحاً لمبادئ السيادة الدولية، وكان أخطر ما حملته هو توجه تركيا نحو إنشاء قواعد عسكرية، ففي أيار (مايو) 2017 أعلنت تركيا عن تخطيطها لإنشاء قاعدة عسكرية على تلة غرب مدينة الباب السورية.
وفي الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) أُعلن عن استكمال إنشاء وتأهيل القاعدة العسكرية التركية الأولى في سوريا، على قمة جبل "الشيخ بركات"، قرب بلدة "دارة عزة" في الريف الغربي لمدينة حلب، ليكون ذلك إعلاناً صريحاً آخر عن الطابع التوسعي للسياسية التركية تجاه المنطقة العربية.

الصفحة الرئيسية