عمامة مستنيرة تغرّد خارج السرب

عمامة مستنيرة تغرّد خارج السرب

مشاهدة

06/02/2018

إنّ تاريخ الأزهر الشريف، هو تاريخ مجيد، فبقدر ما فيه من عمائم محافظة، بقدر ما ظهرت فيه عمائم مستنيرة ثائرة، خلال تاريخه الحديث، ونحن اليوم أمام ميلاد عمامة ثائرة جديدة في أروقته، عمامة تكتب سابحة ضدّ تيار السائد والمستقر في الأزهر؛ ففي كتابه الجديد (باب الله ...الخطاب الديني بين شقي الرحى)، الصادر عن دار نيوبوك بالقاهرة، عام 2017، ويقع في (400) صفحة. يناقش عبدالباسط هيكل قضية تجديد الخطاب الديني، بين شقّي الروحي والزمني، وذلك من خلال معالجة المسألة السياسية، وتناولها في الخطاب الديني قديماً وحديثاً، وكيف كانت المسألة السياسية هي المحرك الرئيس في التشكلات الدينية اللاهوتية، وكيف تم توظيف الديني لخدمة السياسي، أو العكس، في تاريخ ثقافتنا الإسلامية.

صارت الإمامة الفرعية لدى أهل السنة منطلقاً لتشكّل كلّ ما هو ديني في الدولة الإسلامية

دأبت معظم كتب التجديد في الفكر الديني، الانطلاق من تجديد النظر في الغيبي، لتنتهي إلى النظر في السياسي، لكنّ عبدالباسط هيكل، بدأ من السياسي، لينفتح بعد ذلك على آفاق الديني والغيبي؛ حيث يبدأ كتابه من بيان كيف تم تديين الدولة، فيقول هيكل، إنّ ذلك بدأ من واقعة التحكيم بين علي ومعاوية، التي انتهى الخوارج منها إلى أمرين: "أولهما؛ وجوب محاربة السلطان الظالم، وثانيهما؛ التبرؤ من المخالفين لأفكارهم والانفصال عنهم"، فأفكار الخوارج مطلقة لا تعترف بالنسبية، وفي المقابل، كان الخطاب الرسمي السلطوي، يرى أنّ فسق الحاكم لا يوجب الخروج عليه، ومن هنا اكتسبت بيعة الخليفة بعداً دينياً لم يكن قائماً، وكذلك رأى الشيعة "أنّ الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول، وقد نصّ الله، مصدر السلطة والسيادة، على جعلها في أمير المؤمنين (علي)، وميراث الحسن والحسين".

ومن خلال الصراع السنّي الشيعي، يرى هيكل أنّ أهل السنّة تأثروا بالخطاب الشيعي، في محاولة إزاحته، "فمحاولة إزاحة أفكار التشيّع عن فقه الدولة، أوقع الفكر السنّي في تديين الدولة، ورغم اعترافهم بأنّ الله لم ينصّ على إمامة شخص، أو أسرة بعينها، إلّا أنّهم جعلوا الإمامة من الدين وحراسة له، ونيابة عن صاحب الشريعة، ونزعوا منزعاً مثالياً في الإمامة، قريب من رؤية الشيعة للإمام الغائب"، ثمّ صارت مسألة الإمامة الفرعية لدى أهل السنة، منطلقاً لتشكّل كلّ ما هو ديني في الدولة الإسلامية، وليست مناط سياسة الدنيا فحسب، بل وحراسة الدين أيضاً.

هيكل: تصوّر بعض المسلمين وجود دولة ربانية ترى بنور الله يصطدم بالواقع والتجربة فلا مكان لدولة خالصة

ويرى هيكل، أنّ إرساء مفهوم الخلافة جاء من خلال مفهوم إجماع الأمة، وإجماع العلماء، وينفي هيكل ذلك، ويقول "إنّ الصحابة لم يعرفوا مفردات مثل؛ الخلافة الإسلامية والإمامة، والإجماع بمفهومه الأصولي، فتلك مفردات استحدثها المؤرخون والفقهاء في القرن الثالث، ومحض اجتهادات منهم لتوصيف حقبة زمنية منصرمة من الحكم، وليست رؤية الله منصوصاً عليها بالوحي، ولا تصوّر أجمع الصحابة على وضع أحكامها"، لكنّ الخلافة هي سلطة زمنية، وصفت بذلك بعد وفاة الرسول في لغة المؤرخين.

ويرى هيكل، أنّ شكل اختيار الخليفة لم يكن واحداً بين الخلفاء الأربعة الراشدين، ثم انتقل إلى الملك العضوض، فتغيّر شكل اختيار السلطة من زمن لزمن، وفق ظروف الناس وأوضاعهم؛ لذلك فإنّ "تصوّر بعض المسلمين وجود دولة ربانية، ترى بنور الله، يصطدم بالواقع والتجربة الإنسانية، فلا مكان لدولة خالصة من نور الوحي في دنيا حكامها بشر، ومحكوموها ليسوا ملائكة، ولا يناقض هذا ضرورة اتساق الدولة مع اختيار المجتمع للإسلام، الذي لا بدّ فيه من شعائر تقام، ومنظومة قيمية تحترَم، انطلاقاً من أحكام الإسلام قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة"، ويبرز هيكل أنّ دعوى "الخلافة تحرس الدين"، تفتح باباً لا ينغلق من الصراعات والخلافات، ذلك لأنّ السلطة تحرس صورة من صور التدين، في حين أنّ المطلوب من السلطة حماية التعدّد الديني، واحترام أشكال التدين، دون الانحياز إلى شكل دون آخر.

هيكل: مفهوم الحكم في القرآن هو حاكمية قضاء وتشريع وليس للحاكم أو القاضي بل إلى التشريع

وينتقد هيكل مفهوم سيادة الحاكمية في الدولة الإسلامية، فيرى أنّ "مفهوم الحكم في القرآن، هو حاكمية قضاء وتشريع، وليس للحاكم أو القاضي؛ بل إلى التشريع الذي يحكم به، الذي هو في الحقيقة صادر عن الله، عزّ وجل. وانطلاقاً من ذلك، يقال إنّ الإسلام دين وتشريع، وليس دين ودولة".

وإذا كانت صبغة القانون هي التي تحدّد طبيعة الدولة وشكلها، فإنّ هيكل يرى أنّ الذين يدّعون أن الفقه الإسلامي، المستمد من الوحي الذي أنزله الله، جلّ وعلا، والدولة المدنية قائمة على القوانين الوضعية المستمدّة من عقول البشر، والفرق بين الوحي وآراء البشر، كالفرق بين الخالق والمخلوق، لا تخلو من مغالطة سياسية، فالوسيلة في كلا النموذجين واحدة، وهي عقول البشر، فالوحي لا ينطق، إنّما ينطق عنه الفقهاء بفهم عقولهم للوحي، والخلل أن نجعل من اجتهاد الفقيه معادلاً للوحي، وأن نجعل الدولة، التي هي نتاج المخلوق، نتاجاً للخالق؛ لأنّنا نتحدّث عن اجتهادات حول دولة إنسانية متغيرة، ليس لها إطلاق ولا ثبات التكليف الإلهي، كما أنّ الفقيه في الدولة الإسلامية، والمشرّع في الدولة المدنية، كلاهما غير منفصل عن واقع يعيش فيه، وظرف تاريخي يتأثر به، فأحكام الفقه (الشريعة)، مثل القانون، تعبّر عن بيئتها مكاناً وزماناً".

ويرى هيكل، أنّ الدولة الإسلامية، في حالة الخلافة العثمانية، حينما عجزت الشريعة عن مسايرة التقدم، الذي نتج عن الحداثة، لجأت إلى نقل القوانين من الممالك الأوروبية، فيقول هيكل: "نقلت الدولة العثمانية عن الممالك الغربية أفكاراً إصلاحية، منها: فصل التشريع عن التقاضي، واستحداث هيئات تشريعية، تصوغ قوانين للمستجدات الحياتية في النواحي المختلفة"، وفي عام 1807، صدر قانون التجار العثماني، وينصّ على أنّه يجب تطبيق القانون الفرنسي، فيما ليس فيه رأي في الفقه الإسلامي، وتم تعميمه ليشمل الديار المصرية عام 1850م.

خطاب الجماعة يقوم على الثنائية؛ الحقّ والباطل، الإسلام والكفر، والصديق والعدو

ويفرد هيكل، في كتابه، فصلاً تحليلياً دقيقاً في نقد الخطاب الإسلامي عند جماعة الإخوان المسلمين، فيرى أنّ خطاب الجماعة يقوم على الثنائية؛ الحقّ والباطل، الإسلام والكفر، والصديق والعدو، "فالجماعة تمثّل الإسلام والحق والذات الخيّرة، في قطبية متقابلة لا يلتقي طرفاها، فخطاب الجماعة يجعلك على مفترق طرق في لحظة اختيار دائم، فأنت مهدَّد دوماً بالانزلاق إلى طريق الغرب المشيطن قولاً واحداً، متى ابتعدت عن طريقهم"، فالغرب لدى الجماعة، هو العدو المتربّص والمتآمر الحاقد؛ لذا فإنّ خطاب جماعة الإخوان المسلمين "يخرج الصراع مع الغرب من أبعاده السياسية والاقتصادية والإستراتيجية، ليجعل منه صراعاً وجودياً بين الأديان، ويؤجّج الصراع بكلمات الإسلامية والصليبية".

وينتقد هيكل المركزية المطلقة في حركة الإخوان المسلمين، الذين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم هم الإسلام، ناقلاً مقولة حسن البنا للذين يسألون عن الإخوان، بأن يقولوا للناس: "نحن دعوة القرآن الحقّ الشاملة، وطريقة صوفية نقية، وجمعية خيرية، ومؤسسة اجتماعية، وحزب سياسي نظيف، وقد يقولون، بعد هذا كلّه: ما زلتم غامضين، فأجيبوهم: نحن الإسلام". ويرى هيكل أنّ الإخوان ينطلقون من ثقافة التفوق والتميز، على اعتبار أنّهم ممثلو الحقيقة المطلقة، وينظرون إلى القيم والنسق الفكرية لغيرهم نظرة احتقار واستصغار؛ فهم الإسلاميون الساعون، دون غيرهم من المسلمين، إلى إقامة الدولة الإسلامية في مفهومها الشامل، أمّا غيرهم من المسلمين، فلديهم قصور ديني في الفهم والتطبيق.

ومن ثمّ؛ فقد اتّسمت الجماعة بالتنظيم الشمولي والاستبدادي، الذي تسيطر على مفاصله قيادة مركزية، ساعية من خلال تمدّد التنظيم إلى السيطرة على مفاصل الدولة، متى أتيح له ذلك، بدافع من نية حميدة مفادها إرضاء الله بنشر الإسلام.

ينتقد هيكل المركزية المطلقة في حركة الإخوان المسلمين، الذين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم هم الإسلام

ونتيجة لتمركز لجماعة حولها ذاتها، فإنّها تتسم بالانعزالية، فالمهمّ للفرد هو الانتماء للجماعة، أما الجماعة؛ فهي منعزلة منغلقة على نفسها، وهو ما يصبغ الجماعة بالجمود والتصلب في أفكارها. ويتسم خطابهم بالانفعالية، ومخاطبة المشاعر الوجدانية، وينتفي لديهم الخطاب النقدي والتحليلي. "ومن مظاهر التخبط لديهم؛ أنّهم يجعلون طاعة قياداتهم واجباً شرعياً، فهي طاعة لله".

ويشبّه هيكل حركة الإخوان بالخوارج قديماً، من حيث الدعوة والطبيعة، وحتى السمات العامة، ويقول "فمردّدو شعار (الإسلام هو الحل)، لا يختلفون عن مردّدي شعار (إن الحكم إلّا لله) في سطحية التناول، والتعاطي مع مبادئ الإسلام"، ذلك لأنّهم أدخلوا الإسلام في كلّ مجالات الحياة؛ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ثم تحدّثوا عن أنفسهم بأنّهم يمثّلون الإسلام؛ بل هم الإسلام نفسه، كما قال مرشدهم.

إنّ كتاب عبدالباسط هيكل "باب الله"، يعالج قضية تجديد الخطاب الديني من خلال المدخل السياسي؛ لذا فإنّ هذا الكتاب يعيد إلى الأذهان أعمال علي عبد الرازق، وخالد محمد خالد، ومحمد أحمد خلف الله، ويكتسب قيماً كبرى في هذا التوقيت من تاريخ مصر المعاصر.

 


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية