على هوامش الإمبراطوريات: التاريخ المغمور لحيّ المغاربة في القدس

على هوامش الإمبراطوريات: التاريخ المغمور لحيّ المغاربة في القدس


كاتب ومترجم جزائري
25/04/2022

ترجمة: مدني قصري

حيّ المغاربة في البلدة القديمة في القدس، الذي يعود إلى عصر صلاح الدين، دمّره الجيش الإسرائيلي في 10 حزيران (يونيو) 1967، من أجل تطهير ساحة واسعة أمام حائط المبكى. في كتابه يتذكر فينسينت ليمير المصير المجهول لهذه المنطقة المختفية التي تميزت في القرن العشرين بطموحات فرنسا الاستعمارية.

فينسينت ليمير، محاضر في التاريخ المعاصر في جامعة باريس، غوستاف إيفل، مدير مركز الأبحاث الفرنسي في القدس.

عام 1962، لم تفقد فرنسا الجزائر فقط، لقد خسرت أيضاً، على بعد 3000 كيلومتراً من الجزائر العاصمة، بضعة آلاف من الأمتار المربعة. يقع "الحي المغاربي" في القدس في قلب مفاعل نووي تاريخي وسياسي وديني: عند سفح الحائط الغربي أو حائط المبكى، وهو مكان مقدس في اليهودية، والذي يقدسه الإسلام بصفته حائط البراق. وفي ظلّ الحرم الشريف ساحة المساجد وجبل الهيكل لليهود، بعد مرور خمس سنوات، اختفى حي المغاربةجسدياً بين عشية وضحاها: طرد الجيش الإسرائيلي 650 ساكناً، وهدم 135 منزلاً، في 10 حزيران (يونيو) 1967، عند مدخل القدس الشرقية. الحدث الذي يصادف نهاية ثمانمئة عام من وجود هذا المكان الخاص للغاية  يمرّ دون أن يلاحظه أحد في التحول الكبير للغزو الإسرائيلي لبقية فلسطين الانتدابية.

حيث كانت هناك منازل ذات شرفات وأشجار ومسجد وزاوية (بيت جماعي) لا نرى اليوم سوى ساحة كبيرة عارية ومرصوفة تطلّ على الحائط، كما لو أنّ حي المغاربة قد عاش في بُعد آخر، "في فضاء-زمان معقد يتعذر فكّه وكشفه"، يجيب المؤرخ فنسنت ليمير في كتابه "عند أقدام الجدار، حياة وموت حي المغاربة في القدس 1187-1967 Au pied du mur, vie et mort du quartier maghrébin de Jérusalem .

دمّره الجيش الإسرائيلي في 10 حزيران (يونيو) 1967

 هذا الزمكان هو عصر الإمبراطوريات، من صلاح الدين إلى الجمهورية الاستعمارية الفرنسية، لقد وضع زمن الأمم نهاية لها، وزعمت الدعاية الإسرائيلية أنها دمرت بعض الأكواخ، من أجل تطهير محيط المكان المقدس الذي لم يعد بإمكان المصلين اليهود الوصول إليه منذ حرب عام 1948 عندما احتفظ الأردن بالجزء الشرقي من القدس. في الواقع كان الموقع "يُدار بغزارة على مدى قرون"، كما كتب فينسينت ليمير.

تشهد المحفوظات على أبعاده العالمية؛ فهي موجودة في القدس، وفي إسطنبول، وفي جنيف، وفي خزائن الصليب الأحمر، وفي مدينة نانت في ملفات الدبلوماسية الفرنسية. قصة بحوثها وتفسيراتها تمثل أحد عوامل الجذب في الكتاب، قصة تعج بالتفاصيل.

مرحلة على الطريق إلى مكة

يبدأ تاريخ حي المغاربة بصلاح الدين. عند استعادته للقدس عام 1187 ووفقاً لطموحاته الإمبراطورية أنشأ سلسلة من الأوقاف (المؤسسات الدينية) لاستيعاب الحجاج من المغرب العربي البعيد. كان الكثير من الأشخاص القادمين من المغرب والجزائر وتونس يتوقفون في القدس وهم في طريقهم إلى مكة، وتم بناء مصلى لهم في الحرم الشريف ومدرسة قرآنية لتعليم المذهب المالكي، السائد في المغرب العربي.

يبدأ تاريخ حي المغاربة بصلاح الدين. عند استعادته للقدس عام 1187 ووفقاً لطموحاته الإمبراطورية أنشأ سلسلة من الأوقاف (المؤسسات الدينية) لاستيعاب الحجاج من المغرب العربي البعيد

كما أنه كان يجب إيواء هؤلاء الحجاج ومن يمكث منهم ليعيشوا عند سفح الأماكن المقدسة. تطور حي المغاربة الذي يديره وقف أبو مدين، تكريماً لسيدي أبو مدين، ملازم في جيش صلاح الدين، الصوفي الذي تنحدر أصول عائلته من مدينة تلمسان بالجزائر. استمرت هذه المؤسسات حتى النهاية: "في بداية الستينيات استمر مديرو الأوقاف في توزيع الخبز والوجبات على سكان الحيّ خلال احتفالات شهر رمضان، لتزويدهم بالملابس الدافئة والفحم في الشتاء، وفي دفع تكاليف الدفن للفقراء، وشراء زيت الإنارة لمصابيح المسجد، ودفع راتب الموظف المسؤول عن صيانة المباني".

مهد أعمال الشغب عام 1929

الحيّ جزء من تاريخ القدس. إنه جزء كامل منه، مع الاحتفاظ بهويته. لاحظ فرانسوا رينيه دي شاتوبريان، أثناء مروره عام 1806، أنّ هؤلاء "أحفاد المغاربة المطرودين من إسبانيا" احتلوا "مناصب ثقة" في المدينة، سعاة أو بوابين. يتذكر المؤرخ المعاصر ناظم الجوبة أنّه رأى في طفولته هؤلاء الرجال المقيمين أو الحجاج "يرتدون الزي المغربي والطربوش، الأقصر من الطربوش العثماني"، وسمع هناك "اللهجة المغربية، أكثر تعقيداً وأسرع بكثير من لهجتنا المحلية".

الحيّ جزء من تاريخ القدس

بعد الحرب العالمية الأولى ونهاية الإمبراطورية العثمانية، بدا مستقبل المكان أقل وضوحاً، فإذا كانت مؤسسة الوقف قد استمرت في ممارسة عملها الخيري فقد فقدت تحت إدارة الانتداب البريطاني السيطرة على الأرض، خاصة على جزء كبير من دخلها الذي كانت تؤمنه حتى تلك اللحظة الإيجارات وزراعات حيازتها الأخرى في عين كارم. استفاد المستأجرون من السجل العقاري الذي تم إنشاؤه حديثاً لخصخصة قطع الأراضي.

 جعلت المنظمات الصهيونية من حائط المبكى هدفاً ذا أولوية، كانت المنطقة المغاربية هي المكان الذي بدأت فيه أعمال الشغب الكبرى، عام 1929، بعد مشاجرة بين شباب قوميين يهود جاءوا للصلاة عند الحائط ومؤمنين مسلمين ينحدرون من ساحة المساجد.

"ولاية فرنسا المقدسة"

بعد رحيل البريطانيين وإنشاء دولة إسرائيل بدأت الفترة الأكثر إثارة للدهشة في حي المغاربة من القدس في عام 1948: السنوات الفرنسية. هناك عاشت الجمهورية الرابعة حلماً يقظاً حيث رأت نفسها تسود على قطعة صغيرة من فرنسا في وسط العالم. هذا الطموح الذي قد يبدو من الصعب فهمه اليوم يقوم على معادلةٍ إمبراطورية: سكان الحي جزائريون ومغاربة وتونسيون. فرنسيون أصلاً إذاً. ونتيجة لذلك فإنّ لفرنسا "حقوق ملكية" على "قطعة المدينة المقدسة هذه"، كما قال وزير الخارجية الفرنسي موريس شومان للقنصل العام الفرنسي في القدس، رينيه نوفيل، وهو مروِّج متحمّس لمشروع كان قد خاض حملته بالفعل دون جدوى في عشرينيات القرن الماضي.

يتذكر المؤرخ المعاصر ناظم الجوبة أنّه رأى في طفولته هؤلاء الرجال المقيمين أو الحجاج "يرتدون الزي المغربي والطربوش"، وسمع هناك "اللهجة المغربية، أكثر تعقيداً وأسرع بكثير من لهجتنا المحلية"

الحساب إستراتيجي وجيوسياسي واستعماري في الوقت نفسه: اعتمدت فرنسا على وجودها عند سفح الحائط  لاستعادة التأثير في الشرق الأوسط الذي تضاءل إلى حدّ كبير منذ انتداب المملكة المتحدة. اعتقد شومان أنّ حي المغاربة سيسمح له بلعب دور قيادي في تدويل القدس والأماكن المقدسة التي صوّتت لها الجمعية العامة للأمم المتحدة كجزء من خطة التقسيم لعام 1947.

أخيراً، توقّعت باريس أنّ الاهتمام بهؤلاء "الرعايا الفرنسيين" يمكن أن يثبط عزيمة مؤيدي الاستقلال في مستعمرات المغرب العربي، ويساهم في "تدريب النخبة المسلمة الموالية لفرنسا". هذه الصيغ مستوحاة من شخصية من الحقبة الاستعمارية، المستشرق لويس ماسينيون، المستعرب اللامع، الأستاذ في كوليج دو فرانس، الصوفي المسيحي المتشدد المناضل من أجل "الصداقة الفرنسية الإسلامية". على الرغم من أنّه لم يكن دبلوماسياً إلا أنّه ظهر كـ "قائد لهذه الإستراتيجية الدبلوماسية غير المسبوقة"، كما كتب فينسينت ليمير. كان مسؤولاً عن عدة مهمات في القدس، وكان يطالب بزيادة الإعانات، ويستحضر "ولاية فرنسا المقدسة" التي كان يريد أن يراها تمارس "سياسة إسلامية".

تشهد هذه المتاهات السياسية والدينية على عمَى جمهورية علمانية غير قادرة على فهم ينابيع التاريخ. كتب المؤلف أنّ هذه ستكون "خاتمة وداع" الإمبراطورية الفرنسية. حصلت تونس والمغرب على استقلالهما، وبدأت الحرب في الجزائر، وقطع الأردن العلاقات الدبلوماسية مع باريس، عام 1956، بعد حملة السويس المفجعة.

جعلت المنظمات الصهيونية من حائط المبكى هدفاً ذا أولوية

عندئذ مُنع القنصل العام في القدس من الوصول إلى البلدة القديمة، بالتالي، إلى الحي المغاربي، حيث شجعت عَمّان أنصار جبهة التحرير الوطني. ما من دولة مغاربية واحدة اهتمت بالحي، بما في ذلك الجزائر "الفرنسية" آنذاك التي رفض حاكمها طلب باريس بالمشاركة مالياً. من الغريب أنّ الجمهورية الخامسة أطالت أمد خيال وجود فرنسي عند سفح الحائط.

في شباط (فبراير) 1961، طلب موريس كوف دي مورفيل، وزير الشؤون الخارجية في عهد الجنرال ديغول، من وزير المالية أن يحوّل إلى وقف أبو مدين، وهو منظمة إسلامية، إعانة فرنسية مخصصة لمكان مقدّس عند المسيحيين، أي القبر المقدس، ضريح المسيح في القدس. لكنّ أمين الصندوق رفض. وعشية اتفاقات إيفيان بين فرنسا والجزائر تخلت فرنسا رسمياً عن جميع مطالباتها بالوقف. كل ما تبقى للجيش الإسرائيلي هو إفراغ وتدمير المباني في أقل من 24 ساعة، وهي عملية موثقة في الكتاب مدعومة بالصور والشهادات والمستندات.

ماذا حلّ بسكان حي المغاربة في القدس وذريتهم؟ استوعبتهم الدولة الجديدة، أو عادوا إلى بلدانهم الأصلية التي احتفظ معظمهم بعلاقات بها؟ تمّ تعويض بعضهم من قبل إسرائيل. كان هناك مجتمع ما يزال قائماً في عام 1977، عندما وجه رئيس بلدية القدس السابق، روحي الخطيب، التماساً إلى ملك المغرب مطالباً إياه بتعويضات. لم ينتهِ تاريخ الحي المغاربي، كما يقول فنسنت ليمير، الذي يفكّر، من بين أمور أخرى، في جمع مجموعة شهادات من سكان الخمسينيات والستينيات، ولِم لا تتم إعادة تمثيل القرية المغمورة تمثيلاً بتقنيةٍ ثلاثية الأبعاد 3D.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

orientxxi.info


مواضيع ذات صلة:

التوتر في القدس يُحزن أردوغان ولا يؤثر على العلاقة مع إسرائيل

"اليونيسف" تدين اعتقال إسرائيل لأطفال فلسطينيين في القدس الشرقية

 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية