علاء أبو زيد: الانشغال بالخطاب الديني لن يقدم مشروعاً ثقافياً

صورة ماهر فرغلي
كاتب مصري وباحث في شؤون الحركات الإسلامية
1332
عدد القراءات

2018-06-14

أجرى الحوار: ماهر فرغلي

قال الأديب والناقد علاء أبو زيد إنّ من يهيمن على السينما والمسرح والتلفزيون اليوم ينظر بالدرجة الأولى إلى حجم الإيرادات، وبعض منتجي الدراما لا يعرف أنّ هناك أدباً ويتحرك بعقلية رجل الأعمال.

وأكد في حواره مع "حفريات" أهمية توظيف الدراما في خدمة المجتمع، لكن دون هيمنة أي طرف على تلك الصناعة، وألا تصادر الرقابة مضامين الأعمال الفنية، وأن تُمنح الحركة والتجريب، مدللاً على ذلك بأنّ أغلب الأفلام التي نجحت في الآونة الأخيرة لم تكن من إنتاج الدولة.

أبو زيد: أؤيد توظيف الدراما في خدمة المجتمع لكن دون أن يؤدي ذلك لهيمنة أي طرف عليها

وأضاف أبو زيد أنّ الدول العربية مهيأة ليكون لها خطاب كبير، وتمتلك آليات تحول عملية الدراما من منتج إلى صناعة، مستدركاً أنّ المشهد الثقافي في العالم العربي يعيد نفسه عبر أشخاص جدد، منتقداً أنّنا منشغلون بتقديم رؤية للخطاب الديني عن تقديم مشروع ثقافي.

وعلاء أبو زيد يعمل حالياً مذيعاً رئيسياً بإذاعة الشباب والرياضة المصرية، وهو حاصل على عدة جوائز أدبية، وله إسهامات كثيرة في مجال الأدب والنقد.

وهنا نص الحوار:

الدراما بين الكم والنوع

إذا استثنينا مسلسل أبو عمر المصري، ثمة غياب للعمل الروائي في دراما الموسم الرمضاني لهذا العام، ما السبب برأيك؟

غياب العمل الروائي سببه أن من يهيمن على السينما والمسرح والتلفزيون ينظر إلى حجم الإيرادات ويتحرك بعقلية "البزنس"، وفي مصر لدينا منتجو الدراما بعضهم لا يعرف أنّ هناك أدباً، بل يعرف الإيرادات وفقط؛ لأنه ليس من أبناء الوسط الثقافي، بل هم من رجال الأعمال، الذي يهمهم حجم الإعلانات، والمدخول المادي في النهاية، وهذا هو الحكم والفيصل للأسف في الفترة الأخيرة، والغريب هذا الحجم من الإنفاق على الأعمال الدرامية وتعدادها الكبير جداً؛ فالكثافة في الإنتاج لا مانع منها، لكنها في النهاية ليست في صالح صناعة الأعمال الدرامية.

مسلسل "أبو عمر المصري" بطولة الفنان "أحمد عز"

لوحظ أنّ كثيراً من المسلسلات يغلب عليها موضوع قوى الأمن التي تواجه الإرهاب، وتجارة الآثار المحرمة، هل ترى أنّ هناك توجيهاً في هذا الاتجاه؟

لا أحد يعترض على أنّ الأمن له دور قوي في أي مجتمع، وطالما يحقق الأمن والعدالة، فلا مانع لدينا أن يُتبنى منتجاً إعلامياً، وتجارة الآثار والإرهاب، موضوعان غاية في الخطورة، فكلاهما يهدّد العالم العربي، لكن الذي يجب الإشارة إليه هو أننا نرفض فكرة الهيمنة المطلقة من الأمن على الدراما، فأنا أؤيد توظيف الدراما في خدمة المجتمع، لكن ضد هيمنة طرف على تلك الصناعة؛ فالحرية هي التي تأخذ مجتمعاتنا إلى مناطق حضارية جديدة، وإتاحة الحرية لكل فن للتجدد والتطور يساهم في تقدمه، والسينما والدراما لا بد وأن تترك لصناعها الحقيقيين.. بمعنى لا مصادرة.. اترك الحرية للخطاب السينمائي الدرامي، ولا تمارس ضغطاً رقابياً، واترك السينما لعشاقها، ولأصحاب المبادرة، واجعل الرقابة من داخل الجماهير.

المشهد الثقافي العربي

ألا تعتقد أن الاكتفاء بالرقابة المجتمعية يمكن أن يؤدي للعبث من قبل أطراف تُوظف خارجياً؟

أنا أتحدث هنا عن المضامين التي تقدم... هل هي مسموح بها أم لا؟.. الرقابة يجب ألا تصادر مضامين، والصناعة يجب أن تمنح الحركة والتجريب، ولذا سنلاحظ أنّ أغلب الأفلام التي نجحت في الآونة الأخيرة لم تخرج من الدولة، على سبيل المثال فيلم "يوم الدين" الحائز على جائزة Francois chalais، ضمن فاعليات مهرجان "كان" السينمائي الدولي، في دورته الـ71 للمخرج الشاب أبو بكر شوقي، الذي تدور أحداثه حول قصة رجل قبطي نشأ داخل مستعمرة الجذام، وهي مستعمرة يقطنها المصابون بهذا المرض.. لقد عجز المخرج عن الحصول على دعم لإنتاج فيلمه، إلا حينما أنقذه رجل أعمال كان مؤمناً بمضمون الفيلم.

فيلم "يوم الدين" الحائز على جائزة Francois chalais

في رمضان هذا العام شهدنا المسلسل الإماراتي التاريخي المهلب ابن أبي صفرة.. كيف ترى الدراما الخليجية؟

المسلسل رائع، وأعتقد أن الإمارات ستحقق نجاحات متتالية في منطقة الدراما، ومن الجيد أن يكون للدول العربية مشروع، وهذا المشروع نلتقي عليه جميعاً، فالدول العربية مهيأة ليكون لها خطاب كبير، ولها آليات تحوّل عملية الدراما من منتج إلى صناعة، وأقصد بالصناعة هنا، الجماهير والرواج، والعملية الدرامية بكل مفرداتها، وامتلاك الآليات، ما يحول الدولة لسوق كبير، وأن تتجاوز فكرة تقديم منتج وفقط، بل تتحول لصناعة، وأعتقد أنّ الإمارات الآن تفعل ذلك، والمجتمعات العربية مهيأة لتقبل هذه الصناعة أيضاً من دولة كبرى مثل مصر.

بالحديث عن الدراما والسينما وما شهدناه هذا العام، ألا ترى أن المشهد الثقافي في العالم العربي يعيد نفسه؟

نعم بكل تأكيد، المشهد الثقافي في العالم العربي يعيد نفسه، وهو مكرر بأشخاص جدد، بمعنى أن الثقافة التي كانت قبل ما يطلقون عليه ثورات الربيع العربي، هي نفس الثقافة بنفس الرؤية، فالرؤية يجب أن تتناسب مع الواقع، ومع الدور الجديد الذي يجب أن ينوط بها، ولو عدنا للسينما والدراما سنجد أنه فن ودود، والشعوب مفتونة به، ويجب أن نبدأ بالفيلم والمسرح والدراما، فمن خلال فن جماهيري يتغير المشد الثقافي بالكامل؛ لأنّه لا يجب أن يتقوقع في مؤسسة، أو فن واحد، حتى لا تصبح عندنا أزمة أخرى، وهي أزمة الخطاب الأوحد، وأعتقد أن الصحافة تمر بهذا في العالم العربي، وهي تمر الآن بأسوأ وقت، ومستقبلها ضبابي، بسبب الأزمة المقدمة في الخطاب الأوحد داخل الصحف، ومنتج الثقافة ووعائها اليومي.

البعض يرى أننا بصدد أزمة في الصحافة وليست الدراما بسبب تكرار الخطاب، وتصدر من ليس أهلاً؟

أتفق مع هذا الرأي؛ فالمهنة مغلقة على بعض العناصر، خاصة الإعلام الخاص، وممنوع أن تقدم آخرين، والدائرة أصبحت مفرغة، ولا انفتاح، والحجة دائماً هي الإسلاميون، رغم أنّنا يجب ألا نخشى منهم وأن نثق في جماهيرنا وأدبائنا وفنانينا ومثقفينا..الخوف بسبب الانغلاق المستمر، وأن ننشغل بهذه المضامين، فيكون المضمون كله متوحداً، وهذا يغلق الروافد، وهذا الذي سيحتله الإسلامويون، بفكرة المظلومية التي يراهنون عليها طوال الوقت.

مشاريع ثقافية

ولكن الخوف من الإسلامويين يشمل التوظيف السياسي.

يضاف إلى ما قلت عدم التفريق بين الدين والتدين، وأخذنا للماضوية والرجعية، وطبعاً الحل هو في تقديم خطاب ثقافي مستنير، ينجح في الوصول للقاعدة، ويقدم نقلة في تصور المجتمع عن كل الحياة، لكن هذا يحتاج إلى خيال، ثم خطة وبرامج، وأشخاص جدد، وبدون ذلك فلن يكون هناك تغيير أو نجاح؛ فالرؤية هي الأهم، والرغبة أن تلعب الثقافة دوراً.. لكن هناك فرقاً بين الرغبة والرؤية والخيال، على سبيل المثال، فحلمي النمنم، وزير الثقافة المصري السابق، لم يكن يحمل مشروعاً لإدارة العمل الثقافي بشكل عام، فرغم أنّه من كبار مثقفي مصر، إلا أنّه حينما تولى مسؤولية العمل الثقافي انشغل في متاهات العمل اليومي، وهكذا مسؤولون آخرون، العبرة بحصادهم، وماذا تركوا وراءهم، ومن هنا العمل الثقافي يحتاج إلى تصورات جديدة، ومنظومة، وأن تترك حرية للعمل الثقافي الأهلي أن يفعل، وأن تترك الثقافة لصناعها، الذين لا يرغبون في المناصب.

قدم ثروت عكاشة مشروعاً ثقافياً، ويمكننا العودة لهذا النموذج

هناك تصور للثقافة أن يكون لها وزير قوي يستطيع أن يقنع الوسط الثقافي، وهناك من يدعو إلى إلغاء الوزارة وترك المجتمع لكي يتحرك، فما رأيك؟

في وقت من الأوقات قدم ثروت عكاشة مشروعاً ثقافياً، ويمكننا العودة لهذا النموذج، فساعتها قدّم سلعة ورؤية متكاملة، فاضت على المجتمع المصري، والناس شعرت أنّ هناك مشروعاً ثقافياً حقيقياً كان يقدم إضاءة للدولة، والدولة عرفت بمشروعها الثقافي قبل كل شيء، ومن خلاله خرجت مشاريع أخرى، وأنا أرى أنّه لا بد من وجود وزير قوي يتحرك برؤية إلى حين، والرجل الذي يحمل رؤية يستطيع قتل البيروقراطية، وأي دولة نجحت كان وراءها رجال يحملون مشروعاً ثقافياً.

ما رأيك في مشروع فاروق حسني؟

لا ننكر أنّه كان فيه مناطق مضيئة، لكن كان به هيمنة، كان يرفض التطرف، لكنه كان يرى أنّه طالما أنت مثقف لا بد أن تدخل الحظيرة، وهذه هي نقطة الضعف لدى مشروعه، والآن ليس هناك مانع أن آتي بأحد من خارج المؤسسة ليس منغمساً في السلعة، لا مانع من شخصية محبة تمتلك عقلاً إدارياً، ولا تقتلها البيروقراطية، لتدير المنظومة.

كيف ترى تداخل الخطابين الديني والسياسي، وتأثيراته على كل شيء؟

الخطاب الديني متغلغل، وإذا انشغلنا به لن نقدم مشروعاً ثقافياً، فليس الضد هو الديني، بنجاحك ستكسب أرضاً جديدة، فاتركهم يفعلوا ما يشاءون، طالما أنّه لا يحدث توافق، وهو لن يحدث، من يؤمن بالخطاب يؤمن به كحلٍّ وأخلاق، وكلاهما لا يقبل الآخر، لا في صالح الثقافة ولا في صالح الآخرين، كما برأيي أنّنا يجب ألا نرفض بالمطلق أي تجربة، الأهم أن تعزّز الوطنية والإخلاص للوطن، وكل المشروعات من تعليم وثقافة وصحة يجب أن تسير في طرق متوازية، فكلها خطوط تلتقي في مشروع واحد، وهو الحضارة، ليس في المصلحة أن نفكر أن هذا ضد هذا، فابنِ مصنعاً، ومهّد طريقاً، وأنشئ مدرسة، وقدم في ذات الوقت خطاباً ثقافياً.

اقرأ أيضاً: "الإرهاب" في دراما رمضان: وأد للتطرف أم توجيه للرأي العام؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: