عقيدة «الفرقة الناجية».. كيف حوّلت جماعة الإخوان الانتماء التنظيمي إلى صك للتفوق والعزلة عن المجتمع؟

عقيدة «الفرقة الناجية».. كيف حوّلت جماعة الإخوان الانتماء التنظيمي إلى صك للتفوق والعزلة عن المجتمع؟

عقيدة «الفرقة الناجية».. كيف حوّلت جماعة الإخوان الانتماء التنظيمي إلى صك للتفوق والعزلة عن المجتمع؟


02/11/2026

لم تكتفِ جماعة الإخوان ببناء تنظيم سياسي ذي هياكل وقيادات وقواعد، بل عملت على ترسيخ منظومة فكرية وتربوية مغلقة تعيد تشكيل وعي أتباعها، وتمنحهم شعوراً بالتفوق الديني والأخلاقي على بقية المجتمع، عبر تصوير الانتماء إلى الجماعة باعتباره علامة على الاصطفاء والالتزام، بينما يُدفع المختلفون معها إلى موقع أدنى في ميزان التقييم الفكري والديني.

وتسلط صحيفة «اليوم السابع»، في تقرير حديث، الضوء على آليات توظيف جماعة الإخوان لمفاهيم الاصطفاء الديني و«الفرقة الناجية» في صناعة هوية تنظيمية منفصلة عن المحيط الاجتماعي، بحيث لا يعود الانتماء مجرد اختيار سياسي أو فكري، بل يتحول إلى معيار للولاء والقبول داخل الجماعة، وأداة لتعزيز الانضباط والطاعة.

وتقوم هذه المنظومة، وفق التقرير، على ترسيخ صورة ذهنية لدى الأعضاء بأنهم يمثلون الفئة الأكثر فهماً للدين والتزاماً به، وأن الجماعة تحتل موقعاً متميزاً عن بقية مكونات المجتمع. ويؤدي هذا التصور إلى تغذية نزعة الاستعلاء، وتحويل الاختلاف السياسي والفكري إلى مسألة تتجاوز حدود التنافس المشروع، لتلامس أحكاماً أخلاقية ودينية على الآخرين.

وتبدأ عملية تشكيل هذه الهوية من التربية التنظيمية الداخلية، حيث تتداخل اللقاءات والأنشطة والروابط الاجتماعية مع التوجيه الفكري، بما يجعل الجماعة المرجعية الأساسية للعضو في تفسير الأحداث وتقييم المواقف. ومع اتساع هذا الارتباط، تتراجع مساحة التفكير المستقل، ويصبح الخروج عن توجهات القيادة أو التشكيك في قراراتها مصدراً للضغط النفسي والتنظيمي.

ولا تقف خطورة هذه البنية عند حدود الانضباط الداخلي، إذ تتحول إلى وسيلة لعزل الأعضاء تدريجياً عن محيطهم، وتكوين شبكة علاقات مغلقة تجعل الولاء التنظيمي مقدماً على الروابط الاجتماعية والوطنية الأوسع. ويصبح المجتمع خارج دائرة الجماعة مجالاً للنظر إليه من موقع الوصاية والاستعلاء، بدلاً من التعامل معه باعتباره فضاءً متنوعاً تتساوى فيه الحقوق والانتماءات.

في هذا السياق، يبرز مفهوم «العزلة الشعورية» باعتباره أحد المفاهيم التي تناولتها أدبيات الإخوان، والذي يقوم على الفصل النفسي بين العضو ومحيطه الاجتماعي، وإقناعه بأن الاندماج الكامل في المجتمع قد يهدد خصوصيته التنظيمية والفكرية. وبهذه الآلية، لا تكتفي الجماعة بتحديد ما ينبغي على أعضائها اعتقاده، بل تسعى أيضاً إلى تشكيل طبيعة علاقاتهم بالآخرين وحدود انفتاحهم عليهم.

ويشير التقرير إلى أن الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة إبراهيم ربيع يعتبر توظيف الاصطفاء الديني داخل التنظيم أحد المفاتيح لفهم طبيعة التربية الإخوانية، محذراً من تحويل الانتماء السياسي إلى معيار للحكم على وعي الأفراد والتزامهم الديني. 

كما يلفت إلى أن خطاب التميز والاصطفاء يعزز الارتباط بالجماعة ويضعف استعداد الأعضاء لمراجعة مواقفها أو مساءلة قياداتها.

ولا تنفصل هذه الآليات عن إشكالية احتكار الحقيقة التي تطرحها الجماعة من خلال خطابها الداخلي؛ فحين يُصوَّر التنظيم باعتباره ممثلاً للحق، يصبح الاختلاف معه موضع اتهام، وتُختزل التعددية في موقف ثنائي يقسم الأفراد إلى مؤيدين للجماعة ومخالفين لها. وهو ما يتعارض مع أسس المواطنة التي تقوم على المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الدينية.

وتكشف هذه الصورة عن طبيعة العلاقة التي تسعى الجماعة إلى بنائها بين الفرد والتنظيم؛ علاقة لا تقوم على مجرد العضوية أو الاقتناع الفكري، وإنما على إعادة ترتيب الأولويات والولاءات، بحيث تتقدم مصلحة الكيان التنظيمي على الاعتبارات الاجتماعية والوطنية، ويصبح الحفاظ على تماسك الجماعة هدفاً يبرر التضييق على الاختلاف داخلها.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية