صلاة القلق في دنيا التيه والتعب

صلاة القلق... لعبة التاريخ وسرديّة التيه في دروب المدن الضائعة

صلاة القلق في دنيا التيه والتعب


07/02/2026

نحن أمام نص من النصوص الكبيرة، سرديّة عميقة وغنية ومستغلقة إلى حد بعيد، فهي أوّلًا ليست للقارئ العادي ولا المبتدئ، ولا تبوح بكل ما تحمل من القراءة الأولى، ولا تفك ألغازها عند كل القرّاء بالتفاسير نفسها، كُلٌ يأتيها حسب سِعته وعمقه وفهمه وتأويله، تأتي مضامينها على مهل، وعلى القارئ أن يتعامل معها بتروٍّ، فيغلق النص حين يتوجب عليه أن يهضم معنًى كبيرًا، أو اكتشافا مفاجئًا، وأن يترك عقله يمرح في فضاء الاحتمالات المتروك، ولا بدّ أن يتسرب شيء غير قليل من القلق لنفسية القارئ، فقد خلق الكاتب مجتمعًا محاصرًا ومعزولًا وبعيدًا اسمه "نجع المناسي"،  في صعيد مصر، كلّ من يتحرك فيه أشباح قلقة، طحنت الحرب أجسادهم وآمالهم وبنيهم، وغيَّم الخوف على مُستقبلهم.

في دروب المدن الضائعة

تنتمي الرواية إلى أدب الديستوبيا، أو أدب المدن الضائعة والهموم الجماعية الكبيرة والأرواح الضعيفة التي تئن. تبدأ الرواية بافتتاحية مُثيرة: "استيقظ الشيخ أيوب المنسي صباح اليوم، فلم يجد رأسه بين كتفيه"، فقد سطع في إحدى الليالي نور عظيم أعقبه انفجار هائل لم يدرِ أهل القرية المعزولة في صحارى الصعيد ما هذا؟! أهو بقايا قمر صناعي أم نيزك أم من مخلفات الحرب؟!.

ومن بعد هذا الانفجار تبدل كل شيء، سقط شعر الرؤوس والوجوه من النساء والرجال والأطفال، وأصبحت الرؤوس حصى أو ظهور سلاحف، حيث أخذ الناس بلادة السلحفاة دون هدوئها، فقد كان القلق يعتمل في كيانهم، وعلى أثر هذا الانفجار اختفت شخوص من الرواية، وظهر هذا المرض الغامض في القرية، وظهرت أشباح لجنود وكتابات سوداء على الدور في قرية أمّية، يترأسها الخوجة الذي تمثلت فيه كل رمزية السلطة الحاكمة وبشاعة التاجر، الذي احتمى وراء تمثال الزعيم "عبد الناصر"، وصار متحدثًا رسميًا باسمه، يحجّ إليه الجميع وينفر في الأعماق منه الجميع، خاصة النحال الذي عاداه جهارًا بعد أن سيق ابنه للحرب دون حق، ليدافع عن نظام كانت قد آذت سلطاته الأمنية البوليسية كرامة أبيه في الصميم.

الكاتب: محمد سمير ندا

وفي يوم استيقظت القرية ووجدت تمثال الزعيم قد انشطر بالعرض فسقط رأسه، وأضحى بهيئته هذه بطلًا لروايات القرويين والقرويات الساذجة، فحين يأتي الليل تدبّ فيه الحياة ويطارد الفلاحات المتأخرات والأطفال.

تاريخ موازٍ

تتكشف أوراق الرواية رويدًا رويدًا، أراد الكاتب أن يكتب تاريخًا آخر للصراع العربي الإسرائيلي وللعهد الناصري، لا يكون الرواة فيه أبطالًا عسكريين أو رجال ساسة أو صحفيين كبارًا، وإنّما أبطاله هم الجموع العربية البسيطة، التي شهدت بزوغ الحلم الناصري وانطفاءه، كلّ أبطال الرواية ليسوا أولئك الذين جلسوا على مقاعد وثيرة، وتحكموا في مصير الشعوب، ورسموا خارطة الأوطان ومصائر الأبناء، إنّما أولئك الذين دفعوا تكاليف الحلم الناصري الباهظة من أرواحهم ودمائهم وأبنائهم وأقواتهم، تكاليف تمثال بلا رأس. لكن بالتأمل وملاحظة الرمزيات الذكية نجد أنّ المدة الزمنية للرواية التي تمتد من النكسة إلى عام 1977، لا تتوقف حقيقة عند هذا التاريخ، وإنّما تشملنا نحن، تشمل عصرنا الحالي، فقضية فلسطين باقية، والقلق العربي باقٍ، وظلال الشهداء التي تطارد ساكني نجع المناسي، هي نفسها صور الأطفال التي تطاردنا، وربما ثورة النحال والتمرد الذي قاده هو "طوفان أقصى" في زمن آخر، النفق الذي صنعه النساج هو ذاته أنفاق غزة، مع الاحتفاظ بحق الاعتراض على الحراك الأخير، والحكم عليه أكان انتحارًا أم انتفاضًا محكومًا بمنطق، أم تهورًا محضًا.؟.ليكن ما يكون... فصول القصة ممتدة.

حكيم ابن الخوجة، الذي ولد في 5 حزيران (يونيو) بتاريخ النكسة، لا يستبعد أنّ هناك رابطًا بين حكيم وعبد الحكيم عامر، وبين الخوجة وناصر، وبين كون حكيم ابن الخوجة، والنكسة ابنة ونتاج السياسة الناصرية، خطاب التنحي يحتل موقعه في الرواية، والنصوص الدينية كذلك، اتحاد السلطة الدينية المتمثلة في الشيخ أيوب ووالده مع السلطة الفعلية المتمثلة في الخوجة، قتل الخوجة زوجته ودفنها، كما أخفت الحقبة الناصرية الكثير من الحقائق، بأن هالت عليها الأكاذيب والتشويه، لكن بقيت الخيالات المدفونة تطاردنا حتى أيامنا هذه، كما في تسجيل الزعيم المُسرّب الذي يتنافى تمامًا مع ما قد تبناه من عنتريات وبطولات على الشاشات، وربما كانت كلمات حليم التي احتلت موقعها في بداية كل فصل واحدة من أذرع الزعيم الطائلة، على غير ما أراد لها الكاتب أن تكون خلفية موسيقية للفنتازيا السردية... الرواية بشخوصها ورمزيتها مفتوحة على كل التأويلات، وقد جعلها الكاتب فضفاضة ليتشارك مخيال القارئ مع الكاتب في التأويل ويكون له الحرية فيه.

غلاف رواية: صلاة القلق

قطع الخوجه لسان ابنه حتى لا يتحدث، كما قطع عبد الناصر لسان الهزيمة النكراء ولطفها وهذبها وسمّاها نكسة، حتى لا تفضح تقصيره، وكونه في كثير من القرارات بلا رأس، كانت الهزيمة هي الحقيقة التي لا تقبل التفافًا، موجعة ومخزية وكاشفة، لهذا فضحت الجميع، وعرّت الجميع كما فعل حكيم تمامًا.

كتابة التاريخ أو إعادة كتابته ليست بالمهمّة السهلة، وخاصة إن كانت هذه الحقبة دسمة بالتزوير والانقلابات والتصفية والاغتيالات والتشويه والتقديس، وبنيانًا كاملًا اسمه الناصرية، له عاشقون ومحبون، لعب على الأوتار الحساسة للجماهير، وسَخّر قوى مصر الناعمة لخدمة إيديولوجيته، وخصص جهازًا أمنيًا وحشيًا لتصفية معارضيه، تصفية تبعد تمامًا عن الأخلاقية التي تبنّاها الوجه الناصري، تاريخ مليء بالتفاصيل والمرويات والمعارك والدسائس، ومعالجة كل هذه المعطيات ليست بالمهمة الهينة، لهذا مهمة كتابة هذه الرواية صعبة بل صعبة جدًّا، ووضع كل شخصية في زاويتها الصحيحة حتى تضيء من خلال مأساتها الشخصية على مأساة الوطن الكبير كان تحديًا صعبًا، وبالأخير لضمّ كل هذه الشخصيات والأحداث والمكان برباط واحد وهو القلق كان صائبًا إلى حد كبير، لأنّ هواجس القلق التي سكنت نجع المناسي تحتل الآن كل بقعة عربية وكل قلب عربي؛ فما يحدث في الأرض المقدسة البعيدة يصيبنا بتلك الحالة النفسية القلقة، وهذا الاضطراب الذي ليس صريحًا كالخوف، وإنّما هو مُنغص ومجهول، ويحتل خلفية حيواتنا الشخصية. وربما من هنا ابتدع الشيخ أيوب صلاته "صلاة القلق" التي ليس فيها ركوع ولا سجود، وأراد أن يتوجه بها الجميع إلى الله عسى أن تنقشع عنهم هذه الغُمة، الصلاة التي عارضها النحال مُشيرًا إلى الجميع بأنّ الخوجة أصل بلائنا.

ازدواجية الذات

لم تكن الحرب وتبعاتها وحدها هي عمود الرواية، بل كانت هناك إشارات واضحة وقوية للأمراض المجتمعية في عالمنا العربي، حيواتنا السرّية في الخفاء وادعاء الفضيلة في العلن، بداية من الشيخ وأبيه اللذين اشتهيا شواهي العالمة، وطيفها الذي لم يترك الشيخ وابنه حتى في المسجد، وتسخير سلطتهما الدينية والنصوص المقدسة لتدعيم سلطة الخوجة، مرورًا بوداد القابلة التي سمحت لنفسها بقتل الأجنة الذين يولدون بإعاقات مختلفة مُدعية أنّها تريح الوالدين من بلائهم، إنتهاءً بالكلاف الذي يضاجع حيواناته، والدباغ الذي ينام مع ابنته المعوقة كلما ذهب الأفيون بعقله.

كان نجع المناسي مُجتمعًا عربيًا صغيرًا بكل نواقصه وخفاياه وادعاءاته، وقد تعامل معه الكاتب بمشرط جراح، لا يعيبه ما كشفه من قيح ودم، ولا تُنقص منه الاتهامات التي انهالت عليه بعد حصوله على الجائزة التي تستحقها روايته.

عالج الكاتب أيّ عيب قد يظهر في السرد أو البنية أو التكرار المرهق في بعض المواضع بأن جعل لكل ذلك مخرجًا ذكيًّا، فكاتب فصول الرواية مريض فصام، قد يكون يكتب من خياله أو من واقع، لكنّ الأكيد أنّه يكتب بصدق، ليس خبيرًا في تكنيكات السرد ولا معنيًا بالنقد. لكن ما أخذته جدًّا على الكاتب، هو أنّه لم يجعل فصلًا إضافيًا يكون على لسان الخوجه نفسه، يُحدث به توازنًا مطلوبًا وضروريًا داخل النص، فبدونه ظهرت الرواية بأنّها تحامل كبير جدًّا على العصر الناصري، دون الأخذ في الاعتبار أنّ هناك ملايين أحبته وصدقته، وما زال له في قلب الكثيرين على امتداد الخريطة العربية مكان، فالناصرية ليست فقط تحليلاتنا نحن كمثقفين يحكمون على ذلك العصر بما فقدناه وماكسبناه، لكنّ الناصرية حالة يتبناها كل غيور على العروبة، والناصرية هي ظاهرة تستحق أن نسمع حقيقتها من ضمير عبد الناصر نفسه داخل نص روائي، وليس في خطاب سياسي، كان استنطاق الخوجة فرصة كبرى لنرى العصر من كل زواياه، ولنفهم نفسية هذا الزعيم الذي دون شك كان كبيرًا ومؤثرًا، حتى في الأوقات التي سقط فيها رأسه، ولَكُنّا استطعنا بروح النص نفسه وبمادته نفسها أن نرى كيف نظر النظام إلى الناس والوقائع، وكيف برّر قراراته.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية