صعود الحرس الثوري وتآكل المرشد: إلى أين تتجه إيران بعد "الولي الفقيه"؟

صعود الحرس الثوري وتآكل المرشد: إلى أين تتجه إيران بعد "الولي الفقيه"؟

صعود الحرس الثوري وتآكل المرشد: إلى أين تتجه إيران بعد "الولي الفقيه"؟


12/04/2026

في لحظة تبدو فيها بنية النظام الإيراني أكثر انكشافاً من أيّ وقت مضى، لم يعد الجدل يدور حول توازنات السلطة داخلها بقدر ما بات يتمحور حول طبيعة هذا النظام نفسه، وما إذا كان سيظل يستمد شرعية وجوده من موقع "الولي الفقيه" كما هو الحال منذ عام 1979 إثر نجاح الثورة التي قادها الخميني وتأسس عليها ما بات يُعرف بـ "الجمهورية الإسلامية"، أم أنّه انزاح فعلياً نحو صيغة عسكريتارية أكثر يضحي فيها موقع المرشد الإيراني مجرد أثر تعبوي ووظيفي رمزي، بينما تجري السياسات العملية من خلال إدارة الحرس الثوري. 

وفي ما يبدو أنّ القوة الصلبة هي ما باتت تتحكم في مراكز النفوذ بإيران مع التطورات التي طالت النظام مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نهاية شباط/فبراير الماضي. فالتطورات الأخيرة، بما تحمله من مؤشرات على إعادة ترتيب داخلي لمراكز النفوذ، تكشف عن مسار تراكمي أعاد تعريف العلاقة بين "الشرعية" و"السلطة"، حيث لم تعد الأولى قادرة على ضبط الثانية، بل باتت تُستدعى لتبريرها فقط.

أزمة عميقة

هذا التحول لا يعكس مجرد صراع أجنحة أو تنافس مؤسسات، بل يشير إلى أزمة أعمق تطال الأساس النظري الذي قام عليه النظام منذ 1979. فمع تآكل المعايير التي حكمت إنتاج القيادة، وتراجع الاعتبارات الفقهية لصالح اعتبارات البقاء والسيطرة، يبرز نمط حكم أقرب إلى إعادة إنتاج السلطة داخل دائرة ضيقة، بما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل "النموذج الإيراني" وقدرته على الاستمرار بالأدوات والمرتكزات نفسها. وعليه يبدو أننا في سياق مرحلة انتقالية محتملة، لا تُحسم فقط داخل مؤسسات النظام، بل في قدرته على التوفيق بين منطق الدولة ومنطق الثورة، أو الفشل في ذلك.

زلزال غياب خامنئي

بحسب دراسة للمعهد الدولي للدراسات الإيرانية، فإنّ غياب خامنئي عن المشهد السياسي في إيران قد أحدث زلزالًا إستراتيجيًا، ليس فقط على الصعيد الداخلي بالنسبة إلى النظام الحاكم، وإنَّما على الصعيد الخارجي بالنسبة إلى الجماعات الشيعية، وسيترك فراغًا لا يمكن ملؤه بأيّ حال من الأحوال، وربما تنفرط بقية مراكز ثِقَل النظام بغيابه لاعتبارات تتعلق بثقته وتأثيره ورمزيته وقدرته على هندسة تحقيق التناغم والانسجام بين أجنحة النظام، أو لاعتبارات تتعلق باستمرارية تدمير وشلّ قدرات النظام لإسقاطه بالكامل. كذلك يشكل غيابه لحظة تاريخية فارقة في عمر النظام الديني، الذي حكم إيران أكثر من 45 عامًا، لحظة ليست مجرد انتقال دستوري في قمة الهرم السياسي الإيراني، بل هي لحظة اختبار لبنية "ولاية الفقيه" ذاتها: هل هي سلطة شخص أم منظومة مؤسسات؟ وهل شرعيتها متأتِّية من الفقه بوصفه مرجعية عليا، أم من شبكة القوة التي تحيط به وتحمله؟ لقد أظهر التحليل أنّ النص الدستوري يمنح مجلس الخبراء سلطة الاختيار، ويضع شروطًا فقهية وأخلاقية وإدارية محددة، غير أنّ الواقع يكشف أنّ الخلافة تصنع داخل توازنات مُركّبة بين الحوزة، ومكتب المرشد، والحرس الثوري، والمجالس الضابطة للإيقاع القانوني والسياسي. ومن ثم، فإنّ اسم الخليفة، مهما كان، يظل مؤشرًا على طبيعة التحالف الذي انتصر في لحظة الفراغ، أكثر من كونه تعبيرًا عن إرادة فقهية خالصة أو تنافسًا انتخابيًا مفتوحًا.

وتشير خرائط المرشَحين لخامنئي إلى أنّ النظام يميل، بحكم بنيته، إلى خيار "الاستمرارية المُدارة"، وفق المعهد الدولي للدراسات الإيرانية "رصانة"، أي إنتاج قيادة تحفظ الخط العام وتطمئن مراكز القوة، سواء عبر فقيه مؤسسي منخفض الكاريزما، أو عبر صيغة أكثر تعقيدًا تقوم على توزيع النفوذ بين القيادة الدينية والبنية الأمنية. أمّا خيار التوريث، إن حدث، فلن يُقرأ باعتباره انحرافًا شكليًا فحسب، بل باعتباره إعادة تعريف للعلاقة بين الشرعية الفقهية والشرعية الشبكية، وهو ما قد يفتح بابًا لتوترات داخل البيت الحوزوي نفسه. بالتالي، فإنّ مستقبل "ولاية الفقيه" لن يحسم فقط بسؤال: "من هو المرشد القادم؟"، بل بسؤال أعمق: "أيّ ولايةٍ ستبقى بعده؟"، وهل ستظل ولاية ذات مركز واحد يختزل القرار والرمزية معًا، أم ستتحول إلى صيغة مؤسسية أكثر تجريدًا تدار فيها السلطة عبر توازنات أمنية بيروقراطية مع غطاء فقهي وظيفي؟

وقال: "إنّ التجربة الإيرانية منذ 1979 أثبتت قدرة النظام على التكيف مع الأزمات، عبر إعادة توزيع الأدوار دون تفكيك البنية العليا. غير أنّ انتقالًا في ظرف أمني ضاغط يضاعف من هشاشة اللحظة، ويجعل الاحتمالات مفتوحة بين الاستمرارية، والتحول البنيوي، والتآكل التدريجي. وفي جميع الأحوال، ستظل لحظة الخلافة مرآةً تعكس التوازن الحقيقي بين الدين والسياسة، وبين الفقه والقوة، وبين النص الدستوري ووقائع الدولة العميقة. ومن هنا، فإنّ "ما بعد خامنئي" ليس نهاية مرحلة فحسب، بل قد يكون بداية طور جديد في تاريخ "الجمهورية الإسلامية"؛ طور تُعاد فيه صياغة معنى القيادة وحدودها، وتختبر فيه قابلية "ولاية الفقيه" للبقاء كنظرية حُكم في عالم متغير".

تحول لافت

تكشف المعطيات المرتبطة بإصابة المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، بالتزامن مع توليه منصب المرشد في توقيت حرج، عن تحول لافت في طبيعة إدارة السلطة داخل إيران، حيث تبدو منظومة القرار لا سيّما العسكرية قادرة على العمل بمعزل نسبي عن حضور القائد نفسه. وبحسب مؤشرات متقاطعة، تعرّض خامنئي لإصابات خلال الضربات الأولى، وسط غموض رسمي حول حالته الصحية، واكتفاء بتصريحات حذرة تؤكد أنّه ما يزال يمارس مهامه. إلا أنّ غيابه عن الظهور العلني، وعدم صدور أيّ خطاب مباشر عنه، فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول قدرته الفعلية على إدارة المرحلة، بل أثار روايات غير مؤكدة عن دخوله في غيبوبة، وفق ما تشير صحيفة (الغارديان) البريطانية.

وتقول إنّ هذا الغموض ترافق مع إصرار واضح من الحرس الثوري الإيراني على تمرير تعيينه، وهو ما يعكس ثقة المؤسسة العسكرية في قدرتها على إدارة الدولة في ظل فراغ قيادي جزئي أو حتى كامل. فالحرس، الذي راكم نفوذاً ممتداً في الأمن والاقتصاد والسياسة، لم يعد مجرد ذراع للنظام، بل بات يمثل بنيته الأكثر صلابة واستمرارية.

في المقابل، حاولت السلطات الحفاظ على صورة التماسك المؤسسي، عبر التأكيد أنّ القرارات العسكرية تُتخذ بتوجيه من المرشد، غير أنّ الأداء الإعلامي المرتبك، وتأخر تقديم أدلة ملموسة على نشاطه، أضعفا هذه الرواية، وعززا الانطباع بأنّ مركز الثقل الفعلي انتقل إلى الدوائر العسكرية. وتشير تقديرات بحثية إلى أنّ النظام الإيراني صُمم منذ عقود ليكون قادراً على امتصاص صدمات "قطع الرأس"، بحسب ما تقول الصحيفة البريطانية، من خلال شبكة متداخلة تضم الحرس الثوري وميليشيا الباسيج وأجهزة الدولة، وهي منظومة قادرة على الاستمرار حتى في غياب القيادة العليا. وفي هذا الإطار تصبح مسألة حضور المرشد أقلّ تأثيراً في إدارة العمليات اليومية، مقابل تعاظم دور المؤسسة العسكرية في توجيه الاستراتيجية.

لا يعكس صعود مجتبى خامنئي في ظل هذه الظروف تحولًا تقليديًا في القيادة بقدر ما يكشف عن مرحلة جديدة يتقدم فيها الحرس الثوري الإيراني لقيادة المشهد فعلياً، بينما يتراجع دور المرشد إلى مستوى رمزي أو شكلي، على الأقل في المدى القريب، إلى حين اتضاح مآلات الصراع وتوازنات ما بعد الحرب. بالتالي، يُعدّ صعود خامنئي الابن مؤشرًا إضافيًا على تعاظم نفوذ الحرس الثوري الإيراني، الذي بات الفاعل الأكثر تأثيرًا في المشهدين السياسي والاقتصادي. فغياب قاعدة سياسية مستقلة للمرشد الجديد يعزز اعتماده على دعم هذه المؤسسة، بما يرسخ موقعها في قلب النظام. وبخلاف مؤسس الجمهورية الإمام الخميني، الذي استند إلى شرعية ثورية ودينية واسعة، أو خامنئي الأب الذي امتلك رصيدًا سياسيًا، يفتقر الابن إلى هذا العمق والحمولة الدينية والخبرات الدينية، وهو ما يجعل توازنات السلطة تميل أكثر نحو القوى الأمنية والعسكريتارية.

في المحصلة، يعكس صعود مجتبى خامنئي إعادة ترتيب داخلية تميل لصالح التيار المحافظ والمؤسسة العسكرية، بما يعزز من حضور الحرس الثوري كلاعب مركزي في إدارة الدولة، ويطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول مستقبل التوازن بين الشرعية الدينية والسلطة الفعلية في إيران.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية