سنغافورة.. من قرية صيادين فقيرة إلى مركز اقتصادي عالمي

سنغافورة

سنغافورة.. من قرية صيادين فقيرة إلى مركز اقتصادي عالمي

مشاهدة

09/04/2018

جزيرة صغيرة، لا تتجاوز مساحتها الـ 710 كيلومترات مربعة، تقع في أقصى جنوب الاتحاد الماليزي، كانت مستعمرة بريطانية سابقة، واستقلت عن بريطانيا عام 1963، وانضمت بعدها إلى الاتحاد الماليزي، قبل أن يتم طردها منه عام 1965، لتبدأ مسيرتها، وهي فقيرة الموارد، يكاد ينحصر مصدر الرزق فيها على الصيد، لتنتهي خلال فترة قياسية لتصبح في مقدمة مؤشرات ومقاييس التقدم والرفاه وجودة الحياة، ولتكون بذلك إحدى أشهر تجارب النهوض المعاصرة عموماً، والآسيوية خصوصاً.
الاستقلال
في العام 1819 سيطرت شركة الهند الشرقية على جزيرة صغيرة من جزر المالايو، لا يفصلها سوى مضيق مائي عن البر الماليزي، لتؤسس فيها محمية استعمارية، بقيت خاضعة للحكم البريطاني حتى العام 1945؛ حيت احتلها اليابانيون أثناء الحرب العالمية الثانية لفترة قصيرة ،قبل أن يُهزم اليابان وينسحب منها.

اتجهت سنغافورة إلى اعتماد قوانين صارمة بشكل واسع، حتى أصبحت تعرف باسم بلد القوانين

وفي العام 1963، أعلنت جزيرة سنغافورة استقلالها عن بريطانيا مع بقاء قوات بريطانية فيها لم تغادرها إلا في العام 1971. انضمت الدولة الوليدة مباشرة بعد الاستقلال إلى الاتحاد الماليزي، ولكن وبعد عامين فقط تم طردها من الاتحاد، نظراً لقلة مواردها، إضافة إلى احتوائها على عدة عرقيات أخرى من غير العرقية المالاوية، ووقوع الصراعات بين العرقيات المختلفة فيها.

موقع جزيرة سنغافورة.. حيث تفصلها المضائق المائية عن ماليزيا وأندونيسيا

الرئيس الشاب
في تلك الأثناء كان رئيس الوزراء الحاكم في البلاد هو رئيس شاب يبلغ من العمر 41 عاماً، وهو "لي كوان يو"، وكان "لي" قد ولد عام 1923 لأسرة صينية، وأكمل دراسته الجامعية في المملكة المتحدة، في تخصص القانون، وفي منتصف الخمسينيات اشترك في تأسيس حزب اشتراكي، تمكّن الحزب عام 1960 من تحقيق أغلبية برلمانية أتاحت له تشكيل الحكومة ترأسها "لي"، ليصبح بذلك رئيس وزراء وهو لم يتجاوز الـ 36 عاماً.

بحلول عام 1980 كانت نسبة البطالة في سنغافورة قد انخفضت لتصل إلى حوالي 3%

عند خروجها من الاتحاد الماليزي، كانت سنغافورة عبارة عن جزيرة فقيرة، تغمُرُها المستنقعات، ويملؤها البعوض، وتنتشر في شوارع أكبر مدنها القاذورات، وكانت مدينة سنغافورة أشبه بقرية صيادين، ينتمي سكانها إلى عرقيات عدة: الصينية، والمالاوية، والهندية، والباكستانية، واليورو-آسيويين، وكانت تشهد صراعات وأحداث اقتتال على أساس عِرقي.

لي كوان يو شاباً.. بعد استقلال سنغافورة وبداية مسيرة النهوض

بداية المسيرة
انضمت سنغافورة إلى الأمم المتحدة كدولة مستقلة، وأعلنت التزامها سياسة الحِياد والاقتراب من معسكر "عدم الانحياز" بقيادة الهند ومصر، واتجهت لبناء جيشها مستعينة بهما لمواجهة أي أطماع خارجية.
اتّجه "لي كوان يو" إلى محاربة الفساد، واعتماد الكفاءة والجدارة أساساً في التعيين والتوظيف، مع الاستعانة بأصحاب الشهادات العلمية في كافة المجالات (التكنوقراط)، وإلغاء كافة أشكال التمييز بين السنغافوريين، كما اتّجه إلى تحسين جودة التعليم وتطوير المدارس والجامعات.
قرر "لي" في خطوة اعتبرت آنذاك مفاجأة اعتماد اللغة الإنجليزية كلغة رسمية، وذلك على الرغم من كونه ينتمي للعِرقية الصينية، وكان هدف "لي" من ذلك هو توحيد الشعب وحاولة خلق هوية جديدة جامعة، بدلاً من تكريس ما من شأنه أن يزيد من حدّة التوترات العِرقية.

لي كوان يو وأعضاء حكومته يدشنون بأنفسهم مسيرة النهوض

بلد القوانين
وعلى مستوى التشريعات والقانون، اتجهت سنغافورة إلى اعتماد قوانين صارمة بشكل واسع، حتى أصبحت تعرف باسم "بلد القوانين"؛ حيث وضعت قوانين على أدق التفاصيل، ومن ذلك فرض الغرامات والعقوبات على مخالفات مثل: البصق في الشارع، أو توسيخ الحمامات العامة، أو إلقاء علكة في الشارع، ولاحقاً حتى على مجرد مضغها!

1000 دولار.. غرامة مضغ العلكة في سنغافورة!

أخفض نسب البطالة
على الصعيد الاقتصادي، قام "لي" بإنشاء هيئة التنمية الاقتصادية، والتي هدفت إلى جذب المستثمرين الأجانب، مع إعطائهم امتيازات ضريبية وضمانات قانونية؛ حيث تم اختيار أفضل العلماء والخريجين المؤهلين من جامعات أجنبية للعمل في اللجنة.
وقد تمكنت سنغافورة من اجتذاب شركات عديدة في مختلف القطاعات الانتاجية؛ حيث وجدت الشركات المتعددة الجنسيات في سنغافورة أيدي عاملة أرخص، وإجراءات وتسهيلات قانونية وضريبية مميزة.
وبحلول عام 1980 كانت نسبة البطالة في سنغافورة قد انخفضت لتصل إلى حوالي 3%، واليوم انخفضت نسبة البطالة إلى 2% فقط، لتكون بذلك من أخفض النسب في العالم.

تعتبر مدينة سنغافورة اليوم من أهم المراكز الاقتصادية على مستوى العالم

النمو الاقتصادي الأعلى
تتنوع الصناعات الرئيسية في سنغافورة اليوم ما بين: الإلكترونيات، والخدمات المالية، ومعدات حفر آبار النفط، وتكرير النفط، والمواد الغذائية، والأدوية، ومنتجات المطاط، وإصلاح السفن. 

بعد أن كانت مدينة مليئة بالقاذورات والمستنقعات والبعوض، باتت سنغافورة تعتبر اليوم من أنظف المدن في العالم

وفيما يتعلق بالناتج المحلي الإجمالي، فقد صعد بشكل كبير من 7 مليارات دولار عام 1960، ليصل في عام 2016 إلى 360 دولاراً، لتحقق سنغافورة بذلك إحدى أعلى نسب النمو الاقتصادي في العالم، أما دخل الفرد فيعتبر أيضاً من الأعلى عالمياً؛ حيث صعد من 435 دولاراً في عام 1960، ليصل إلى 80,000 دولار في العام 2016. كما تعتبر بورصة سنغافورة إحدى أكبر مراكز التداولات المالية في آسيا، بعد طوكيو وهونغ كونغ. ويعتبر مرفأ سنغافورة المرفأ الثاني في العالم من ناحية النشاط بحسب "قوائم فوربس"، بعد مرفأ شنغاهاي الصيني؛ حيث تمرّ فيه خُمس حاويات الشحن في العالم.

ميناء سنغافورة يعود تأسيسه إلى العام 1819.. تمرّ فيه اليوم خّمس حاويات الشحن في العالم

أنظف المدن وأعلى مستويات الرعاية الصحية
بعد أن كانت مدينة مليئة بالقاذورات والمستنقعات والبعوض، باتت سنغافورة تعتبر اليوم من أنظف المدن في العالم. وعلى مستوى الصحة، ووفق تقارير منظمة الصحة العالمية لعام 2000 فإنها تحتلّ المرتبة السادسة عالمياً من حيث مستوى الرعاية الصحية، وبحسب مؤشر "بلومبيرغ" للصحة لعام 2014، فقد احتلت سنغافورة المرتبة الأولى عالمياً من حيث كفاءة النظام الصحي، ويصل معدل الأعمار إلى 79 عام للذكور، و85 عام للإناث، لتحتل بذلك المرتبة الخامسة عالمياً من حيث طول عمر السكان، في حين يعتبر معدل الوفيات الرضّع في سنغافورة هو الأقلّ عالمياً. كما تعتبر سنغافورة اليوم مركزاً للسياحة العلاجية حيث يزورها حوالي مليون مريض سنوياً من مختلف أنحاء العالم.

تعتبر شوارع سنغافورة من الأنظف عالمياً

المدينة الأكثر عولمة
ووفقاً لتقرير "A.T.Kearney" للعولمة، فإن سنغافورة هي المدينة الأكثر عولمة في العالم؛ حيث يشكل الأجانب الوافدين للعمل والدراسة ما نسبته 42% من مجموع سكان الجزيرة، فيصل عددهم إلى قرابة المليونين من أصل 5.5 مليون هو مجموع السكان. وتشكل السياحة ثالث أكبر مصدر للعملة الأجنبية في سنغافورة؛ حيث يزورها أكثر من 5 ملايين سائح سنوياً.

تزدهر الفنادق والمرافق السياحية في مدينة سنغافورة حيث تعتبر من أشهر الوجهات المفضلة للسياح

أقل الدول فساداً
وعلى المستوى السياسي، وبحسب مؤشر الفساد الصادر عن "منظمة الشفافية الدولية" للعام 2016، تعتبر سنغافورة سابع أقل دولة فساداً على مستوى العالم، كما يعتبر النظام لقضائي في سنغافورة مع نظام هونغ كونغ أفضل النظم القضائية على مستوى قارّة آسيا. وعلى المستوى الدبلوماسي، وبحسب مؤشر "هنلي فيزا" للقيود للعام 2018، فإنّ جواز السفر السنغافوري هو الأفضل في العالم، مع الجواز الكوريّ الجنوبيّ؛ حيث يمكّن حامله من دخول 163 دولة حول العالم، دون الحاجة إلى إصدار فيزا.

جواز السفر السنغافوري الأفضل عالمياً

ولكل ما سبق فإن سنغافورة تعتبر اليوم أهم النماذج النهضوية التي يدرسها الباحثون، ويستشهد بها المختصّون، وذلك باستحضار ما كانت تعانيه الجزيرة عند انفصالها عن ماليزيا، من قلة الموارد، والنزاعات العرقية، وبالنظر إلى الفترة الزمنية القياسية التي تم فيها تجاوز كل المصاعب.

الصفحة الرئيسية