
أثار افتتاح المتحف المصري الكبير في الجيزة، الذي يُعدّ أحد أضخم المشروعات الثقافية مؤخرًا، حالة من الارتباك داخل الخطاب الإعلامي لجماعة الإخوان. فبينما تعاملت وسائل الإعلام الدولية مع الحدث بوصفه إنجازاً حضارياً يعيد لمصر مكانتها كمهد للتاريخ الإنساني، سعت الجماعة عبر منصاتها الإعلامية إلى تحويله إلى مادة للتهكم والتشكيك. فقد تجاهلت القنوات والمواقع التابعة لها الرمزية الوطنية للمتحف، وركّزت على خطاب مكرور يتحدث عن "الإنفاق في غير موضعه"، و"الترف في زمن الأزمات".
هذا الخطاب، الذي أعيد إنتاجه بمفرداته القديمة، يعكس موقفاً إيديولوجياً ثابتاً لدى الجماعة من كل ما يتصل بمظاهر الدولة الحديثة ورموزها الثقافية، إذ ترى في تلك المشاريع تهديداً لفكرتها عن "الخلافة الإسلامية" التي لا تعترف بالحدود الوطنية ولا بالميراث الحضاري الخاص بكل دولة.
عداء متجذّر مع الهوية الفرعونية
تاريخياً، لم تُخفِ جماعة الإخوان رفضها فكرة الافتخار بالحضارة المصرية القديمة، معتبرة أنّ الانتماء إلى الفرعونية "وثنية فكرية" تناقض الانتماء إلى العقيدة الإسلامية. هذا الموقف الإيديولوجي عبّر عنه مؤسس الجماعة حسن البنا، حين اعتبر القومية المصرية فكرة "استعمارية"، وقد عزّز سيد قطب هذا الخطاب عندما وضع الحضارة المصرية ضمن ما سمّاه "الجاهلية الأولى".
من هنا يمكن فهم عداء الجماعة للمتحف المصري الكبير؛ فالمتحف بالنسبة إليهم ليس مجرد منشأة أثرية، بل هو رمز للهوية الوطنية التي تعيد ربط المصريين بتاريخهم، وتؤكد استقلال وخصوصية الدولة الحديثة. كلّ ما يعزز هذه الهوية يُنظر إليه داخل فكر الإخوان كتهديد مباشر لسلطة "الهوية الإسلامية الجامعة" التي تقوم عليها أدبياتهم. لذلك لم يكن الهجوم على المتحف مفاجئاً، بل هو امتداد طبيعي لحالة الإنكار التاريخي التي تمارسها الجماعة تجاه كلّ ما يُعبّر عن مصر الحضارية.
منذ الإعلان عن موعد الافتتاح شنت المنصات الإعلامية التابعة للإخوان، مثل قنوات "الشرق، مكملين، وطن"، حملات متزامنة لتقويض الحدث في الوعي العام. فبدلاً من مناقشة القيمة الحضارية والثقافية للمتحف، ركّزت تلك القنوات على الحديث عن "تكلفة باهظة" و"مشروع بلا فائدة"، في محاولة لتحويل حدث وطني إلى قضية جدل سياسي. وقد استخدم مقدمو البرامج لغة هجومية تنكر الإنجاز وتربط المشروع بمزاعم فساد، لتغذية شعور عام باليأس وعدم الجدوى.
هذا النمط من الخطاب هو ذاته الذي استخدمته الجماعة مع مشروعات أخرى مثل قناة السويس الجديدة والعاصمة الإدارية، إذ تسعى دائماً إلى نزع أيّ دلالة إيجابية عن منجزات الدولة. الخطاب هنا لا يستهدف نقداً موضوعياً، بل يهدف إلى إضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات بلاده، وإبقاء صورة الدولة مرتبطة دائماً بالشك والتقصير.
الدعاية الرقمية وصناعة الجدل
لم تكتفِ الجماعة بوسائلها الإعلامية التقليدية، بل وظّفت أذرعها الإلكترونية في الفضاء الرقمي لتصعيد حملتها ضد المتحف المصري الكبير. عشرات الحسابات على منصات مثل (إكس) و(فيسبوك) أطلقت موجات متزامنة من المنشورات التي تسخر من المشروع وتربطه بأزمات المعيشة.
صور ومقاطع ساخرة أنتجت، ووسوم تحمل رسائل خفية أُطلقت تُهاجم "إهدار المال العام" و"الاهتمام بالأصنام". هذه الحملات الرقمية جاءت منظمة، وليست عفوية، وتهدف إلى خلق حالة جدل مستمرة تشغل الرأي العام وتُفرغ الإنجاز من معناه الرمزي. ويرى مراقبون أنّ الإخوان "يعتمدون على اللجان الإلكترونية في هندسة الرأي العام عبر نشر روايات متشابهة تبدو مختلفة المصدر، لكنّها تصبّ في هدف واحد هو نزع الثقة من الدولة". هذا النمط من الدعاية يعكس قدرة الجماعة على استثمار أدوات التواصل الحديثة لإعادة تدوير خطابها رغم فقدانها الحضور السياسي المباشر.
يتضح من طريقة تعامل الإخوان مع افتتاح المتحف المصري الكبير أنّ الجماعة تمرّ بمرحلة تحول في استراتيجيتها الخطابية. فبعد أن تراجعت فاعلية خطاب "الاضطهاد والمظلومية" الذي تبنّته منذ عام 2013، لجأت إلى تبنّي خطاب جديد يقوم على التشكيك والتهكم. لم تعد الجماعة تراهن على التعاطف الإنساني بقدر ما تراهن على خلق حالة من الرفض العام لأيّ منجز وطني، وهكذا تحوّل خطابها من "نحن ضحايا" إلى "كل ما تقوم به الدولة كذب ووهم".
هذه النقلة تكشف إدراك الجماعة لعجزها عن العودة إلى المشهد السياسي، فسعت لتعويض ذلك بالتحكم في الرواية العامة عبر الإعلام و(السوشيال ميديا). ويؤكد خبراء أنّ "الإخوان بعد فقدانهم الأرضية الشعبية باتوا يعتمدون على خطاب النفي والتشكيك بوصفه آخر أدواتهم للحضور الرمزي، وأنّ حملتهم ضد المتحف المصري الكبير تمثل نموذجاً لهذا التحول".
وما تخشاه الجماعة حقاً ليس المتحف في حدّ ذاته، بل ما يمثله من انتصار لمفهوم "الهوية الوطنية الجامعة". فالمتحف المصري الكبير يعيد الاعتبار إلى التراث المصري القديم كجزء من وعي المصريين بذاتهم، ويربط الماضي بالحاضر في مشروع حضاري واحد. وهذا المفهوم يتناقض جذرياً مع رؤية الإخوان التي تقوم على تذويب الحدود والخصوصيات الثقافية في إطار فكرة "الخلافة الإسلامية".
لذلك فإنّ كلّ نجاح تحققه الدولة في تعزيز صورتها ككيان مستقل وموحّد يُنظر إليه داخل الجماعة كضربة رمزية لمشروعها الفكري. الحملة الإخوانية على المتحف ليست سوى فصل من فصول الصراع على الوعي الجمعي، حيث تحاول الدولة من خلال مؤسساتها الثقافية إعادة بناء الثقة بين المصري وتاريخه، بينما تسعى الجماعة لتدمير هذا الرابط، حتى يبقى المواطن غريباً عن بلاده وتاريخها.
هزيمة الخطاب الإخواني أمام الوعي الشعبي
رغم ضراوة الحملات الإخوانية، فإنّ تفاعل الشارع المصري مع افتتاح المتحف المصري الكبير كشف عن تراجع تأثير هذا الخطاب. موجة الفخر التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي داخل مصر بعد الافتتاح كانت أبلغ رد على محاولات التشويه. المصريون رأوا في المتحف رمزاً لقوة دولتهم واستعادتها لمكانتها التاريخية، وليس مشروعاً للنخبة أو السلطة كما حاول الإخوان تصويره.
هذه المفارقة بين الخطاب الإخواني والواقع الشعبي تؤكد أنّ الجماعة فقدت قدرتها على توجيه الرأي العام، وأنّ أدواتها الدعائية لم تعد قادرة على منافسة سردية الدولة الوطنية. وهكذا تحوّل المتحف من مجرد مشروع أثري إلى ساحة اختبار جديدة بين مشروعين: مشروع الدولة الذي يسعى إلى تثبيت الهوية والانتماء، ومشروع الجماعة الذي لا يعيش إلا على تقويض تلك المعاني.
كذلك، تعكس الحملة الإخوانية على افتتاح المتحف المصري الكبير أزمة عميقة في خطاب الجماعة، التي لم تعد قادرة على التمييز بين معارضة النظام ومعاداة الدولة. فبينما يمثل المتحف إنجازاً وطنياً يعيد تعريف مصر في عيون العالم، تعاملت معه الجماعة كتهديد يجب تحطيم رمزيته.
إنّ محاولاتهم المتكررة لتشويه كل ما يعزز صورة الدولة الوطنية تكشف عن فشل مستمر في قراءة التحولات داخل المجتمع المصري، وعن عجزهم عن إدراك أنّ الوعي الجمعي تجاوز خطابهم الانقسامي.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_4_0_0_2_0.jpg.webp?itok=bcMsNu4F)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yil65yhb0ltnpan5hqsv.jpg.webp?itok=i4xOuWNs)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)