حَرْبُ الارتجال.. غيابُ الاستراتيجيا في الحرب الرّاهنة وتداعياته

حَرْبُ الارتجال.. غيابُ الاستراتيجيا في الحرب الرّاهنة وتداعياته

حَرْبُ الارتجال.. غيابُ الاستراتيجيا في الحرب الرّاهنة وتداعياته


14/04/2026

كانت انطلاقة الحرب الإقليميّة الجارية مُدويّةً بمقتل القائد الإيراني الأعلى علي خامنئي وعددٍ كبيرٍ من قياداته العسكريّة. وبعدَ هذه الضّربة السّاحقة، قدّر المراقبون أنْ تنتهي الحرب في غُضون أسبوعين باستسلام إيران. لكنّ الحرب تتواصلُ  بعد مضيّ 6 أسابيع على اشتعالها، وقد بات المراقبون أقلّ تفاؤلًا بنهايةٍ سريعةٍ لها. 
وعلى الرّغم من أنّ أطراف هذه الحرب، كانوا يستعدُّون لها منذُ فترة طويلة مستفيدين من دروس حرب "الاثني عشر يومًا" في يونيو من العام الماضي فإنّ المواجهة الجارية تُشبه إلى حدٍّ كبير "حربًا ارتجاليّة" يتّخذُ فيها أطراف الصّراع قراراتهم وفق منطق الخطوة الواحدة، ويجهلون إلى حدٍّ كبير طبيعة الخطوة التالية بانتظار ردّة فعل الخصم، كما لا يمتلكون أيّة حُلولٍ مُعدّة مُسبقًا للخروج من الحرب التي بدأت تتحوّلُ إلى متاهةٍ في ضوء "غياب الاستراتيجيا" على الجانبين بدرجاتٍ مُتفاوتة. 
إيران؛ الطرف الضّعيف الذي يمتلكُ استراتيجية بدائيّة
لم تعُد المواجهة العسكريّة بين التّحالف الأمريكي – الإسرائيلي، وإيران في حُلّتها الرّاهنة التي تميّزت باستنزاف الاقتصاد العالميّ، تُشبه أيًّا من الحروب التي خاضتها أمريكا ضدّ بلدانٍ أُخرى في المنطقة، بما فيها الحرب على نظام صدّام حُسين العراقي، حيثُ دأبَ المُراقبون على تشبيه الاستعدادات الأمريكيّة في الأيام التي سبقت هذه المواجهة بتلك التي جرت قبيل الغزو الأمريكي للعراق، وأدّت إلى إسقاط نظام البعث. 
وليس من شك في أن الجانب الإيراني يُمثّل في هذه المعركة الطّرف الأضعف، بكلّ ما يملك هذا التّعبير من دلالات؛ فأكثر من 25 ألف هدفٍ تم قصفه في مختلف مناطق إيران، في ظلّ غياب الدفاعات الجوية، وتراجُع القدرة على إطلاق الصواريخ الباليستية، وانهيار سلاح البحريّة، والتدمير البنيويّ الذي أصاب القوات الجويّة، إلى جانب مقتل غالبيّة القادة النظام السياسي، والجهازين العسكري والأمني. ولا يزالُ مصير القائد الأعلى الجديد غامضًا، بينما بدأت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية تستهدفُ تدمير البنية التحتية الإيرانية. وكل ذلك يُبيّن بوضوح أنّ طهران مُنيت بخسائر فادحة، وأنّها الطّرف الهشّ في هذا النزاع.
لكنّ المفارقة أنّ النظام الإيراني رغم كل هذا العطَب البنيوي بقي قائمًا؛ إذْ لم يواجه أزمة داخليّة جوهريّة، من قبيل: احتجاجات شعبية، أو ثورة أعراق، أو انقلاب ضباط منشقّين. وهو ما يُعدُّ مكسبًا حقيقيًّا بالنسبة لنظامٍ باتَ يَعتبِرُ مُجرّد عدم انهياره بمثابة فوزٍ في هذه الحرب. والحقيقة أنّ هذا المنطق، هو منطق الميليشيات في "حروب البارتيزان"؛ حيث يعتبرون صُمودهم انتصارًا في وجه العدو، بصرف النّظر عن حجم الخسائر، والشّلل البنيوي الذي قد يصيبهم. ويمكنُ القول: إنّ هذا النظام/الميليشيا يمتلكُ معالم "استراتيجيا عسكرية بدائيّة"، تتمثّل في أربعة مبادئ عامة، هي: "الصُّمود"، و"حروب ردة الفعل"، ومبدأ "الردّ بأشد من الهجمة"، و"عدم ادّخار الأوراق".
ويؤكّد "مبدأ الصمود" الذي تعتمده طهران على تماسُك النظام السياسي والعسكري الإيراني بأيّ طريقةٍ كانت؛ لأنّ مُجرّد الصّمود في وجه العدوان الأمريكي - الإسرائيلي الذي استهدف كيان النظام السياسي يُعتبرُ انتصارًا، حتى إذا ترافق ذلك مع تدميرٍ بنيويٍّ يطالُ مُختلف أجهزة الدولة. ويمكنُ تشبيه هذا المبدأ باستراتيجية صُمود الملاكم الأضعف، في وجه الملاكم الأقوى في زاوية حلبة الملاكمة؛ حيثُ يتعيّن عليه أنْ يتحمل لكمات الخصم دون أنْ يسقط أرضًا، وأنْ يتجنّب التعرُّض للضربة القاضية، وذلك بُغية الحصول على نتيجة التعادل، أو كسب الرهانات. وفي سياق "حروب رد الفعل" يُحاولُ الجانب الإيراني عدم الإقدام على خطوات مُبادِرة في الحرب، والاكتفاء بالردّ على خطوات الخصم، بما يشبه طبيعتها. وذلك انطلاقًا من قناعة استراتيجية بأنّ إجراءً كهذا، إذْ يقلل مخاطر القيام بمبادرات عسكرية لا يمكن معرفة تداعياتها فإنّه سيدفع الخصم على المدى المتوسط والبعيد نحو التفكير مليًّا في تداعيات خطواته الجديدة قبل البدء بها. وهذا ما يُظهره للإيرانيين تلكُّؤ واشنطن في قصف "البنية التحتية" أو قصف "قطاع الطاقة"، ومثل ذلك التلكؤ الأمريكي في تطبيق إنزالٍ برّي في السّواحل والجزر عبر الجغرافيا الإيرانية. وفي سياق المبدأ الثالث في استراتيجية إيران "الردّ بأشدّ من الهجمة"، يؤكّد القادة العسكريون في إيران على أنّ المبدأ الذي يعتمدونه في الحرب لم يعد "العين بالعين، والسن بالسن"، وإنما بات "العينُ بالرأس والقدم واليد والسّن". ويندرجُ ذلك ضمن استراتيجية كلاسيكيّة في نظريات الرّدع، تتبنى مبدأ "الرّدع من خلال خشية الخصم من حجم الضربة المُرتدة". وفي هذه الحرب أظهرت طهران أيضًا بأنّها تعتمد مبدأ "عدم ادّخار الأوراق"، وعدم التزامها حدودًا في طبيعة الردّ الذي تعتمده. وتُظهِر التّجربة أنّها تطبق بشكلٍ كاملٍ هذا المبدأ حتى إذا أدّى ذلك إلى إزعاج الأصدقاء.  وبالفعل اعتمدت إيران هذا المبدأ بالرّغم من أنه أدّى انزعاج دول صديقة لإيران، منها قطر، وعمان؛ حيث أعرب البلدان عن الامتعاض من السلوك الإيراني العدائي، وما تخلّله من استهدافٍ على المستوى الإقليمي للبنى الاقتصادية، والتجارية، ومنشآت الطاقة. وواصلت إيران اعتماد هذا المبدأ، حتى حينما أزعج حليفًا استراتيجيًّا بحجم الصين التي باتت ساخطة من إغلاق مضيق هرمز، ومُتخوفةً من انعكاساته على إمدادات وأسعار النفط. ومن الواضح بأنّ إيران اعتمدت هذا المبدأ نتيجة قناعتها بأنّ المواجهة الجارية، هي حربٌ وجودية، تستهدف كيان النظام السياسي الإيراني.
وبالرغم من أن هذه المبادئ الأربعة، لا ترتقي إلى مستوى استراتيجية عسكرية، لكنّها وفّرت للنظام الإيراني إطارًا عامًّا للسلوك الميدانيّ، يمتلكُ قَدْرًا من التّماسك يكفي للتأثير على المشهد الرّاهن؛ خُصوصًا إذا أخذنا بالحسبان غياب مثل هذا التّماسك في الاستراتيجيا لدى الجانب الآخر من المعركة. 
التّحالف الأمريكي - الإسرائيلي؛ أسلحة مُتفوّقة من دون استراتيجية فعّالة
إذا استثنينا مزايا التفوُّق العسكريّ والمعلوماتي الواضح فإنّ السُّلوك الميداني للتّحالف الأمريكي – الإسرائيلي لم يعكس تفوُّقًا في الاستراتيجيا؛ إذْ جاء سلوك الحليفَيْن الميدانيّ ارتجاليًّا، وغير منسجمٍ إلى حدٍّ كبير. وربّما هذا نتيجة لدخول طرفَيْ التحالف الحربَ برؤىً مختلفة، سواء على مستوى: الغايات السياسية، أو الأهداف العسكرية، وطبيعة المواقع المستهدفة، أو المعلومات الاستخباراتية والعسكرية. بحيثُ: 
على مستوى "الغايات السياسية" التي كانت تنشهدها كلّ من أمريكا وإسرائيل من وراء الهجوم، ثمّة تذبذبٌ كبير يبلغُ حدَّ الفوضى، رافق التحضيرات للعمليّة، واستمرّ مع تطورها؛ وتضمّنت هذه الغاياتُ خياراتٍ متباينة مثل: تغيير النظام الإيراني الرّاهن، وتغيير في قيادات النظام مع الحفاظ على إطاره العام، ودعم المحتجين وفتح الباب أمام احتجاجات الشارع، وتحريك ملفّ الأقليات خاصّة المسلحين الأكراد من أجل تفكيك الدولة الإيرانية، و والقضاء على التهديد الذي يمثله النظام الإيراني عبر التخلُّص من البرنامجين النووي والصاروخي، ثم باتت الغاية فتح مضيق هرمز وهو ما استدعى التفكير بالإنزال العسكري لتحقيق ذلك. وفي االيومين الماضيين جرى تخيير إيران بين العودة للمفاوضات أو العمل على إعادة إيران لعصر الحجر من خلال ضرب بنيتها التحتية. ويُنبئُ تباين هذه الغايات، وتعارضها عن غياب الرؤية الاستراتيجية الحاكمة للتحرك العسكري للحليفين ابتداءً، كما يُنبئُ عن  أن الإدارة الأمريكية على وجه الخصوص، لم تكن تمتلك استراتيجية واضحة المعالم، تتضمّن نقطة أو نقاط النهاية للمواجهة العسكرية مع إيران، ممّا أدخلها في عمًى استراتيجيّ، قلّص مستوى فاعليّتها الميدانيّة. 
انعكست فوضى الغايات السياسية على الأهداف العسكرية التي كان ينبغي أنْ يتمّ استهدافها لتحقيق الغايات. وعلى سبيل المثال، كان "إنهاء التهديد الإيراني عبر التخلُّص من البرنامجين النووي والصاروخي" يتطلّب تشكيلَ بنك أهدافٍ تتعلّق بهذا المسار، بينما شكّل اغتيال القيادات السياسية انطباعًا بأنّ الغاية هي التخلُّص من النظام الإيراني، ولكنّ تحقيق هذه الغاية، كان يتطلب الاستعداد للعمل العسكري على الأرض، وهو ما ظلت الإدارة الأمريكية ترفضه، وتستبعده. هذا في حين أنّ استهداف مقرّات الشرطة، و"البسيج" لم يكن ليندرج في سياق "التخلص من التحدّي النووي والصاروخي"، وإنما كان مُندرجًا في سياق التّهميد لاحتجاجات الشارع. وفي هذا السياق أيضًا، يُمكنُ القول: إنّ التّمشيط الذي نفذته أمريكا على طول الخطّ الجنوبي لإيران، للتخلُّص من العَتاد العسكري الإيراني المنتشر هناك، إنّما كان يأتي في سياق إزالة مُعضلة إغلاق مضيق هرمز، والتمهيد للإنزال البرّي. لكنّه كان يتناقضُ مع ما جرى من استهدافٍ مُبكّر للبُنية التحتيّة على صعيد الصُّلب والنفط والطاقة. وبينما كان استهداف المنشآت الحيوية يخدمُ غايةً تتمثّل في دفع الجانب الإيراني نحو المفاوضات فإنّ اغتيال الشخصيات التي كانت تخوضُ مسار المفاوضات، أظهر التّناقض بين غايتي: إسقاط النّظام، والتّفاهم معه. وكلّ ذلك ممّا يُشير إلى "غياب الاستراتيجيا".
أظهرت مُجريات الحرب  أنّ التحالف الأمريكي - الإسرائيلي رغم هيمنته الاستخباراتية والمعلوماتية، عانى من جهلٍ واضحٍ بمعطياتٍ كانت جوهريّة في تحقيق الأهداف؛ ويمكنُ التماسُ نماذج من هذا الجهل، في التخبّط المستمرّ في توقُّع عدد منّصات إطلاق الصواريخ الباليستيّة التي تمتلكها إيران؛ حيث كانت تتوقعها المصادر الاستخباراتية بأقلّ من 150 منصة، لكن بعد بدء الحرب جرى توقّعها عند نحو 500 منصّة. كما يمكن رؤيته في إخفاق الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية بالقضاء على المدن الصاروخية في كلّ من: يزد، وخرم آباد، وكذلك الفشل في تحديد موقع المخزون النووي عالي التخصيب الموجود لدى إيران، والاضطراب الواضح حول سُبل بلوغه، والحصول عليه. وهكذا كانت الصدمة واضحة على الجانب الأمريكي الذي أعلن على لسان كل من رئيس الجمهورية، ووزير الحرب، أنّه لم يكن يتوقّع طبيعة الردّ الإيراني من خلال استهداف الخليج، بينما كانت توقُّعات مراكز التفكير تُرجِّحُ حدوث مثل هذا الأمر. وأخيرًا فإنّ الفشل في التّصدي لإغلاق مضيق هرمز، والتّداعيات الاقتصاديّة لذلك كان ناجمًا قبل كل شيء عن فشل استخباراتي، لم يكن قادرًا على توقُّع ردود فعل إيران، ولا حجم عتادها العسكري بشكلٍ دقيق. 
وبطبيعة الحال، يُمكنُ أنْ نُحيل جزءًا كبيرًا من هذه الفوضى إلى وُجود تبايُنٍ بين الولايات المتحدة وإسرائيل على مستوى الأهداف؛ فقد سعت إسرائيل التي كانت ترى في إيران خطرًا وجوديًا إلى تحقيق غايات أعمق تتمثّل في التخلُّص من النظام السياسي الإيراني، أو دفع الخطر القادم منه إلى الوراء قدر ما يمكن. بينما حاولت واشنطن التي كانت تريد مُعالجة التحدّي الإيراني، التخلُّص من مُهدّدات مُحدّدة. وقادَ هذا التّباين إلى تناقُض ميدانيّ على صعيد بنك الأهداف، وطفَح إلى السّطح حين مارست واشنطن ضغطًا على إسرائيل للكفّ عن ضرب منشآت الطاقة، أو مقارّ الشرطة والبسيج. لكنّه استمر بعد ذلك، حين اغتالت إسرائيل شخصيّاتٍ سياسية كانت تقود مساراتِ تفاوضٍ مع الجانب الأمريكي. غير أنّ الحصيلة كانت ارتجالًا واضحًا، حالَ دونَ إنشاءِ خطٍّ مُستقيمٍ للمواجهة العسكريّة، يُستَدَلُّ من خلاله على وجود استراتيجية مُحدّدة، تتضمّنُ مخارج مُعيّنة من الأزمة. 
الخلاصة والاستنتاجات 
تُظهِرُ المُعطيات الميدانيّة على مدى الأسابيع السّتة، أنّ طرفي النّزاع في الحرب الإقليمية الدّائرة، لا يمتلكان استراتيجيات واضحة المعالم تتضمّن نقطة انطلاق، ونقطة نهاية واضحتين، ومسارًا واضحًا يربط بين النقطتين. ويجعلُ ذلك من المواجهة العسكرية الجارية "حرب ارتجال" تستندُ على اجتهاد الأطراف المنخرطة فيه، باتخاذ الخطوات الميدانيّة على أساس التصرُّفات اللّحظية التي لا تنسجمُ ضِمْنَ إطارٍ مُتماسِك. 
ويبدو هذا "الارتجال" واضحًا أكثر على المعسكر الأمريكي – الإسرائيلي، وذلك لأسبابٍ عدّة، أهمها: تبايُن الغايات، وتناقض بنك الأهداف، بما يعني "عمًى استراتيجيًّا" يُلقي بظلاله على هذا المعسكر. ولعلّ ما يُميّز الجانب الإيراني الذي يُعدُّ الطّرف الأضعف في جميع المقاييس، هو أنّه يمتلكُ معالم استراتيجيا ميدانيّة، حتى إذا كانت هذه الاستراتيجيا منقوصةً، أو بدائيّة. وتُشيرُ المعطيات إلى أنّ امتلاك هذه الاستراتيجية البدائيّة منح الجانب الإيرانيّ الضّعيف بعض الأفضليات، في مقابل الخصوم الأقوياء الذين يديرون الحرب بالارتجال والسّجال. خُصوصًا إذا أخذنا بالحسبان، أنّ طبيعة النظام الإيراني باعتباره بات "دولة ميليشيا" تختلف عن "الدولة – الأمة"، أو الدولة الطبيعية؛ إذ يَعتبِرُ "العقل الميليشوي" مُجرّد الصّمود في وجه الهجمات مكسبًا استراتيجيًّا، ويعتبر استمرار المقاومة انتصارًا، حتى إذا أدّى ذلك إلى شللٍ بنيويٍّ شاملٍ، على غرار ما يُهدّد ترمب بتطبيقه، من خلال التهديد بإعادة إيران إلى عصر الحجر. 
وأتاحت الهدنة المؤقتة الأخيرة للجانبين المتحاربين (الولايات المتحدة وإسرائيل/ إيران) فرصة ثمينة لإعادة تقييم حصيلة المواجهة الميدانية، والنظر فيما تحقق، وما لم يتحقق من الغايات السياسية، والأهداف العسكرية. لكنّ مجريات جولة التفاوض الماراثونية التي جرت في (إسلام آباد) بين الجانبين الأمريكي والإيراني بوساطة إقليمية، أظهرت بوضوح اختلافًا جوهريًّا بين رؤية الجانبين، ليس حول الملفات العالقة فقط، بل حتى لطبيعة مسار المعركة، وحصيلتها، ومعايير تقييم النصر، والهزيمة فيها. إذْ حضرت إيران، وهي الطرف الأضعف الذي تعرّض خلال الحرب إلى ضربات قاصمة، إلى طاولة المفاوضات، لا برؤية من أجل تقليل الخسائر، ووقف النّزف، بل بنظرة إلى تعظيم المكاسب، وأخذ مزايا لم تكن في حوزتها قبل الحرب، مثل السيطرة على مضيق هرمز.  وهو ما أدّى إلى انتهاء جولة المفاوضات من دون تحقيق حتى توافق أوّلي، أو إطارٍ توافق.
وبين أوهام النّصر الإيرانية غير الواقعية، والعمى الاستراتيجي الأمريكي تمضي هذه المواجهة في المرحلة الرّاهنة لتختبر مساحات ومداخل أخرى لإحداث التغيير المطلوب، سواءً عبر كسر الجمود الحاصل على طاولات التفاوض، أو عبر تحقيق الحسم الميداني. وقد تكون فكرة "الحصار البحري على إيران" التي طبّقها الرئيس ترمب بعد انتهاء جولة المفاوضات في إسلام آباد مثالًا على كيفية تطور هذه الحرب إلى مسارات مؤلمة للجميع، بما في ذلك الأطراف غير المنخرطة في النزاع، وعلى مساحة المشهد الكوني.  
وأخيرًا، قد يعني غياب الاستراتيجيا التي تتضمّن أيضًا المخارج من الحرب، أنّ هذه الحرب الإقليمية الجارية يُمكن أنْ تتحوّل إلى حرب استنزافٍ. خُصوصًا، وأنّ الجانب الإيراني نجح -حتى الآن- في تغيير مفهوم الاستنزاف من مضمونه التقليدي الذي يُحيلُ إلى استنزاف الخصم، وإرهاق آلته العسكرية، ليصبح المعنى أقرب إلى استنزاف اقتصادي، وطاقوي، إقليمي، وعالمي. وهو ممّا يوسّع دائرة المُتضرّرين من استمرار هذه الحرب، وينذرُ بتزايد الضغوط الدوليّة على الجانب الأمريكي لجهة إنهاء الحرب حتّى من دون تحقيق الجانب الأمريكي انتصارًا شاملًا ومُؤكّدًا. وعلى الرّغم من الفارق الهائل في موازين القوّة بين الأطراف المُتحاربة، يبدو أنّ "الاستراتيجيا" تُعيدُ الاعتبار لنفسها في هذه الحرب؛ فمن دون استراتيجيا يمكنك أن تفوز في معركة، لكنْ لا يمكنك أنْ تربح الحرب. 
 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية