حمّالة الحطب تدفىء شتاء غزة وتسد رمق الفقراء

حمّالة الحطب تدفىء شتاء غزة وتسد رمق الفقراء

مشاهدة

20/01/2021

داخل "محطبة" بسوق فراس الشعبيّ، وسط مدينة غزة، يمسك الفلسطينيّ، رائد عبد العال، من حيّ الشيخ رضوان، منشاره الكهربائيّ لقصّ أغصان شجرة زيتون جافة، جلبها من إحدى الأراضي الزراعية، إلى قطع متساوية، وذلك ليبيعها لزبائنه خلال فصل الشتاء، والذين يجدون في الحطب بديلاً عن الكهرباء والمحروقات لطهي الطعام والتدفئة، في ظلّ الظروف الصعبة التي يعيشها سكان القطاع منذ عدة سنوات.

 رائد عبد العال

ويصف عبد العال (50عاماً) مهنته بالموسمية؛ إذ تنتعش خلال فصل الشتاء، ويقلّ الطلب عليها خلال فصل الصيف، مؤكداً أنّه يحاول الحفاظ على هذه المهنة التي ورثها عن والده منذ ثلاثة عقود حية دون أن تندثر، نتيجة تراجع الإقبال عليها حالياً، مقارنة بالأعوام السابقة، نتيجة للأوضاع الاقتصادية السائدة، على الرغم من اعتماد بعض العائلات الفقيرة عليها بشكل أساسيّ طوال العام، لاستخدامها كبديل عن غاز الطهي.

حطب الزيتون والحمضيات يعدّ الأكثر مبيعاً لأصحاب مزارع الدواجن كبديل عن المدافئ الكهربائية أو التي تعمل بالغاز، ويبلغ ثمن الكيلو 60 سنتاً أمريكياً

ومنذ 8 أعوام يعيش حوالي 1.9 مليون نسمة في قطاع غزة، ويعانون من أزمة كهرباء مستمرة، عقب قصف إسرائيل لمحطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع، منتصف عام 2006، ما دفع السكان إلى العيش وفق جدول توزيع يومي للكهرباء، بواقع 8 ساعات يومياً فقط يعمل فيها التيار الكهربائي، و8 ساعات غياب.

وبحسب إحصائية صادرة عن وزارة الزراعة الفلسطينية؛ فإنّ مساحة الأراضي الزراعية في قطاع غزة تبلغ حوالي (175) ألف دونم.

اقرأ أيضاً: مطار غزة: من مهبط للطائرات إلى مضمار لسباق الخيول

وتظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني؛ أنّ نسبة البطالة في غزة بلغت، حتى نهاية الربع الثاني من العام الماضي، نحو 49% بعدد عاطلين عن العمل، بلغ 203.2 ألفاً.

...

ويعاني نصف سكّان غزة من الفقر، فيما يتلقّى 4 أشخاص من بين كلّ 5 مساعدات مالية، بحسب إحصائية للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان (مؤسسة حقوقية مقرها جنيف)، أصدرها في نهاية كانون الثاني (يناير) الماضي.

تقلص المساحات الزراعية

وشرح عبد العال، في حديثه لـ "حفريات": كيف ينتقل مع أبنائه بالقرب من الأراضي الزراعية شرق قطاع غزة، لجمع الأشجار المناسبة وشرائها من أصحابها، الذين يودّون تحويل أراضيهم لمساحات عمرانية للبناء فيها، ليتخذ هذه المهنة مصدر رزق له لتغطية متطلبات عائلته المعيشية، رغم قلّة الطلب على الحطب، وصعوبة الحصول على الأشجار بعد تقلّص المساحات الزراعية، والتي كانت تزخر بأشجار الزيتون والحمضيات في القطاع لأكثر من 75%، نتيجة لزيادة أعداد السكان والزحف العمراني عليها".

...

وبين أنّ "الطلب يكون مرتفعاً على شراء أشجار الزيتون والحمضيات والكينيا والسرو؛ حيث تمتاز بجودتها وبسرعة اشتعالها وعدم انبعاث الأدخنة الضّارة منها بعد تجفيفها تحت أشعة الشمس"، مبيناً أنّ "ثمن الطنّ الواحد من الحطب (1000 كغم) يتمّ بيعه داخل السوق بمبلغ 1000 شيكل ( 300 دولار أمريكي)، ومن المتوقع خلال موسم الشتاء الحالي بيع ما بين 30 إلى 50 طناً من الحطب، وهي نسبة قليلة عمّا كان عليه سابقاً قبل 5 أعوام، حين كان لا يقل البيع عن 120 إلى 180 طناً".

حرفة يتهدّدها الاندثار

وأكّد عبد العال؛ أنّ الحطب يتمّ بيعه بالكيلو للزبائن الذين يستخدمونه لطهي الطعام، وكذلك لبيوت العزاء، بينما كان يتم شراؤه سابقاً بكميات كبيرة من قبل أصحاب مزارع الدواجن، وبعض المطاعم التي تستخدم الحطب لطهي مأكولات "المندي"، والتي تعتمد بشكل رئيس على الحطب الجاف في إعدادها، موضحاً: "محطبتي تتواجد فيها عشرات الأشجار التي تصل أعمارها إلى أكثر من 70 عاماً".

...

وعن أبرز التحديات التي تواجه مهنة التحطيب، يقول عبد العال: "لجوء الزبائن وأصحاب مزارع الدواجن لوسائل أخرى؛ كجفت الزيتون والأخشاب للتدفئة وطهي الطعام، أثّر سلباً على مبيعات الحطب، وهو ما يهدّد هذه المهنة بالاندثار في حال استمر انخفاض الطلب على شراء الحطب في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة التي يشهدها القطاع حالياً".

مصدر رزقه الوحيد

ومع ساعات الفجر الأولى، ينطلق الشاب محمد أبو دقة ( 36 عاماً) بصحبة منشاره الكهربائي وعربة حديدية صغيرة نحو المناطق الزراعية، في جنوب وشرق قطاع غزة، لقطع الأشجار الكبيرة، ونقلها بواسطة عربته إلى محطبه بمدينة غزة، ليبعيها لزبائنه خلال فصل الشتاء، في محاولة لتغطية متطلبات أسرته المعيشية في ظلّ الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

السيدة سلوى النمر لـ"حفريات": في كلّ صباح أرسل أبنائي بحثاً عن الحطب والأخشاب، من خلال التجول وجمع الورق المقوى والكرتون لاستخدامها في إشعال النار

ويضيف أبو دقة، لـ "حفريات": "بعد أن باءت جميع محاولاتي للحصول على وظيفة تتناسب مع مؤهلي الأكاديمي بالفشل، قررت أن أعمل في أيّ وظيفة، مهما بلغت صعوبتها، فاخترت مهنة التحطيب، لجمع الحطب وبيعه، لتكون مصدر رزقي الوحيد، حتى لا أعاني كغيري من الخريجين الجامعيين من وطأة البطالة، والتي باتت ترهق كاهل الشباب بغزة، آملاً في أن يتغير الحال للأفضل وأحظى بفرصة عمل تتناسب مع تخصّصي الجامعي".

...

وتابع: "مهنة التحطيب تحتاج إلى جهد وعمل كبيرين، كونها تحتاج في كثير من الأحيان إلى قطع الأشجار بشكل يدوي باستخدام الفأس، في حال لم تتوافر الأدوات الكهربائية، وهي أحد أهم الأسباب التي دفعت بالعديد من أصحاب هذه الحرف للعزوف عنها، إضافة إلى انخفاض الطلب على شراء الحطب من قبل الزبائن، بعد توفر بدائل أخرى عديدة، كالفحم النباتي، والأخشاب المستخدمة بنقل البضائع، والتي تُعرف محلياً بـ "المشاطيح"، وهو ما أثر سلباً على حجم مبيعات الحطب".

...

وعن حجم مبيعات الحطب لديه يقول أبو دقة: "حطب الزيتون والحمضيات يعدّ الأكثر مبيعاً لأصحاب مزارع الدواجن والذين يستخدمونه كبديل عن المدافئ الكهربائية أو التي تعمل بالغاز، كونها ترهق أصحاب هذه المزارع بتكاليف مالية إضافية"، مشيراً إلى أنّ ثمن الكيلو الواحد من الحطب يبلغ ( 2 شيكل) "60 سنتاً أمريكياً"، وأبرز ما يميزه عن الوسائل الأخرى رخص ثمنه مقارنة بغيره، وسرعة احتراقه وطول فترة اشتعاله حتى يصل لمرحلة الرماد".

الاعتماد على الوسائل البدائية

وفي ساحة منزلها المشيّد من الصفيح، في منطقة خانيونس شرق قطاع غزة، تستعد المواطنة سلوى النمر (37 عاماً) لتجهيز الحطب وإشعاله، لإعداد البطاطس المقلية لعائلتها المكوّنة من 9 أفراد، لسدّ رمق أطفالها، الذين يعيشون ظروفاً صعبة ومهينة، مع دخول فصل الشتاء، والذي تنخفض فيه درجات الحرارة، تحديداً خلال فترات الليل، لمستويات كبيرة.

اقرأ أيضاً: لماذا تئن مراكب الصيد في غزة من العطالة والتعب؟

وقالت النمر لـ "حفريات"، بلهجة تملؤها الحسرة، إنّها تعتمد بشكل كامل على الحطب في التدفئة وطهي الطعام وتسخين المياه طوال العام تقريباً، بعد أن فرغت أسطوانة الغاز لديها منذ ما يزيد عن عام، ولم تستطع طوال تلك الفترة من تعبئتها بمبلغ (60 شيكل) "20 دولاراً أمريكياً"، لحاجتها لهذا المبلغ، الذي نادراً ما يقع بين يديها، لتأمين بعض الاحتياجات الأساسية لأسرتها.

...

وأكّدت: "في كلّ صباح أرسل أبنائي بحثاً عن الحطب والأخشاب، من خلال التجول في المنطقة التي أعيش فيها، وكذلك جمع الورق المقوى والكرتون المركونة بجوار المتاجر والمحال لاستخدامها في إشعال النار، وذلك للقيام بالمهام المنزلية التي تحتاج فيها إلى موقد النار".

النمر تعيش أوضاعاً صعبة وسيئة للغاية، ولا تمتلك أيّة أجهزة كهربائية داخل منزلها، مبينة أنها تقضي جميع أمور منزلها باستخدام الوسائل البدائية التي كانت سائدة في القطاع قبل أكثر من 30 عاماً، لعدم وجود دخل ماليّ منتظم على عائلتها، التي تعاني أوضاعاً "تفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية".

الصفحة الرئيسية