حملات مناهضة التحرّش: كسر "التابو" والاعتصام بالقانون

حملات مناهضة التحرّش: كسر "التابو" والاعتصام بالقانون

مشاهدة

04/08/2020

"بدأ الموضوع بقضية المغتصب أحمد بسام زكي، الذي تحرّش واعتدى على ما يزيد عن 100 فتاة مصرية، وهي الحملة التي بدأت عبر "الإنستغرام" تحديداً، حين سردت بعض الناجيات تجاربهنّ"، بحسب الصحفية المصرية المختصة بالجانب النسوي وحقوق المرأة، إسراء صالح.

تقول صالح إنّها ليست المرة الأولى التي "تنفرط فيها حبّات العِقد بمجرد أن تبدأ امرأة واحدة بسرد ما تعرضت له من تحرّش واعتداء؛ فلطالما تشجّعت ضحايا أخريات للحديث بمجرد أنّ واحدة بادرت بتعليق الجرس".

عبير أبو طوق: التأثير الإلكتروني أكبر بكثير من التأثير الفعلي الذي يُترجم على أرض الواقع وفي الميدان بتحركات مهمّة، ومنها: المسيرات، الوقفات الاحتجاجية، تسليم عريضة وتواقيع

الظاهرة الآنفة باتت لافتة في الآونة الأخيرة، عبر منصّتيْ "فيسبوك" و"تويتر" على وجه التحديد، بل باتت منشورات هذه الصفحات تتوالى على مدار الساعة حول شهادات لناجيات يسردن تفاصيل التحرّش، الذي أفضى لاعتداء جنسي في مرات كثيرة، ما يجعل السؤال مطروحاً حول جدوى هذه الحملات، أو إن كانت كافية، وحول الضوابط التي لا بدّ من أن يبقيها الإعلامي ومستخدِم منصات التواصل الاجتماعي نصب عينيه عند الحديث عن أيّة جريمة، وتحديداً ما يتعلق بالجانب الأخلاقي الذي قد يمسّ المكانة الاجتماعية لدى الضحية وعائلتها في حال خرق الخصوصية تحديداً.

"حفريات" تناقش وتقرأ ما وراء حملات مناهضة التحرّش التي تلقى رواجاً لافتاً في الأيام الأخيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

التحرّش على أرض الواقع

تذكر صالح أنّ نسبة التحرّش في مصر هي واحدة من أعلى النسب، مستشهدة بدراسة للأمم المتحدة في عام 2013، كانت قد أشارت حينها أنّ "99.3% من النساء المصريات يتعرضن للتحرش بكلّ أنواعه".

تسوق صالح مثالاً حول "هاشتاغ" راجَ مؤخراً، وهو "#أول_مرة_تحرش_كان_عمري"، قائلة إنّ نسوة مصريات كثراً قد شاركن بها، وقدّمن تجارب صادمة عبرها، لتتوالى التعليقات التي تعكس العقلية الذكورية في التعاطي مع الأمر، من قبيل طرح أسئلة مثل: "إيه اللي ودّاها هناك؟ أكيد لبسها هو السبب؟ طب ليه البنات كانت ساكتة كل ده؟"، مردفة أنّها "محض حجج واهية وأثبتت فشلها على مدى الأعوام؛ إذ لا مسوّغ لجريمة التحرّش والاعتداء"، مفسرة الأمر بشعور الرجال بأنّ لهم استحقاقاً في كلّ ما يتعلق بالمرأة، وأوله الجسد؛ "هو بيشوف إن ليه سلطة على جسم الست، وبيبتدي يمارس عليها السلطة دي من خلال التحرش والاعتداء، أو حتى يقول رأيه في الستات تلبس إيه وما تلبسش إيه".

تذكر صالح إنه "في عام 2014 تمّ سنّ قانون مصري لتجريم التحرش، كما اعتُرِف نصاً بجريمة التحرّش، للمرة الأولى، من خلال تشريع قانوني"، مستدركة "إنها خطوة جيدة طبعاً، لكنّ تطبيق القانون تشوبه مشكلات كثيرة، منها أنّ النصّ القانوني وحده ليس كافياً، يجب أن تجري حملات توعية وإعداد خطط لتحسين صورة المرأة بشكل عام، وعدم التمييز ضدّها، فمن ضمن المشكلات مثلاً؛ أنّ النساء حين تذهب لتقديم شكوى تتعلق بالتحرش في قسم "العساكر"، يتحرّش رجال القسم بها! أو يقول لها الضابط "عيب يا بنتي ما تفضحيش نفسك"، أو يضغط عليها أهلها كي تتنازل عن الشكوى، أو ألا تتقدّم بشكوى من الأساس؛ خوفاً من الوصم، أو يقولون لها أشياء تثبط عزيمتها مثل: "حرام متضيعيش مستقبل الراجل"، كل هذا الكلام يستخدم بطاقة لإرهاب المرأة حتى تشعر في النهاية أنّ جسدها ليس ملكاً لها بل ملك لهم".

منصات التواصل الاجتماعي تفرض ذاتها ولكن

وفي هذا السياق، تقول المختصّة بتطوير منصات التواصل الاجتماعي، عبير أبو طوق: ما من شكّ في أنّ حملات المناصرة (إن جاز لي تسميتها كذلك)، أو حملات الرفض والتعبير عن الاستنكار حيال أيّة تصرفات أو ظواهر غير لائقة، والتي تنتشر عبر مواقع التواصل الإجتماعي، لها العديد من الآثار الملموسة، لتسوق المثال حول قضية الفتاة الأردنية أحلام، التي قُتِلت تحت مسمى الشرف مؤخراً.

وتردف: "لا يستطيع أحد ممن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي إنكار دور هذه الحملات، خاصة المنظمة منها، والتي لها أهداف واضحة، من حيث التوعية ورفض سلوكيات معينة والتحذير منها"، مستدركة: "لكنّ السؤال الأبرز: هل ينتقل تأثير هذه الحملات الإلكترونية، أو التي تسمَّى في بعض الحالات "العاصفة الإلكترونية لنصرة قضية ما"؟ هل ينتقل تأثيرها حقاً لأرض الواقع؟ هل ثمة شيء ملموس فيما يتعلق بسلوكيات الأفراد على اختلاف شرائحهم العمرية والاجتماعية؟".

اقرأ أيضاً: بعد اتهامات الاغتصاب الأخيرة.. حوادث التحرش في مصر إلى أين؟

 تقول أبو طوق: "التأثير الإلكتروني أكبر بكثير من التأثير الفعلي الذي يُترجم على أرض الواقع وفي الميدان بتحركات مهمّة، ومنها: المسيرات، الوقفات الاحتجاجية، تسليم عريضة وتواقيع لجهة ما من جهات صنع القرار"، معربة عن شعور أسف يتملّكها وهي تستذكر ما قالته ناشطة نسوية مؤخراً: "أخبرتني بأنّ دعوة لوقفة احتجاجية بلغ عدد المسجلين فيها للحضور الإلكتروني، وعبر الفيسبوك تحديداً ما يقارب الـ 10 آلاف شخص، ولكن الرقم على أرض الواقع لم يتجاوز الـ 500".

نادين النمري: "يجدر بأيّ مادة صحفية أن تراعي المصلحة الفضلى للضحية، من خلال عدم خرق الخصوصية؛ لأنّ ثمة أسئلة كثيرة مؤلمة للضحية، إضافة إلى أنّ نشر هذه التفاصيل مؤلم أيضاً

هذا، في نظر أبو طوق، لا يقلل من أثر حملات منصات التواصل الاجتماعي، "لكن هناك قضايا في حاجة إلى تحرّكات على أرض الواقع، ولقاء صنّاع القرار وأصحاب التشريع، لنضمن سنّ قوانين قادرة على حماية المتضررين، وإن كانت البنود موجودة، علينا أن نواصل التحرك لنضمن التطبيق الفعلي؛ حيث ينال كلّ مجرم عقابه، وليس أدلّ على ذلك من عشرات الحملات الإلكترونية التضامنية مع أحلام، ومن قبلها فاطمة وعشرات الأسماء لضحايا، لكن (أين الردع؟)".

اقرأ أيضاً: بالصور.. إمام مسجد تونسي متهم بالتحرش بطفلة كان يحفظها القرآن

ترصد أبو طوق ما تصطلح تسميتها "تجاوزات" في بعض هذه الحملات الإلكترونية، مثل: "يستبيح البعض التعليق والنقاش في كثير من الأمور، ومنها الخاصة جداً، وقد يصل الأمر بالبعض إلى الدخول في التفاصيل الشخصية لحياة الجاني والضحية على حدّ سواء، ونشر الصور والتفاصيل العائلية، وهذا غير مقبول أبداً؛ فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولا يحقّ لأيّ شخص أن يصدر الأحكام العشوائية على أيّ شخص كان، جانٍ أو ضحية".

تقول أبو طوق: "مخالفات كهذه، بل أبسط منها، مثل بعض الصياغات الخاطئة للشعارات، التي تضرّ بجديّة الحملة، تفضي في مرات لاستصدار قرار بمنع النشر في قضية ما، وهو ما يثير جدلية لا تقل عن السابق؛ منها فتح الباب على مصراعيه للتكهنات والإشاعات والتأويلات".

التوعية حول التحرش عبر الإعلام: هل ثمّة ضوابط؟

تقول الصحفية المختصة في حقوق الطفل، نادين النمري، التي كثيراً ما تغطي إخبارياً حالات تحرّش بالأطفال والنساء: "يجدر بأيّ مادة صحفية أن تراعي المصلحة الفضلى للضحية، من خلال عدم خرق الخصوصية؛ لأنّ ثمة أسئلة كثيرة مؤلمة للضحية، إضافة إلى أنّ نشر هذه التفاصيل مؤلم في حدّ ذاته ومضرّ".

لا يستطيع أحد ممن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي إنكار دور هذه الحملات، خاصة المنظمة منها، والتي لها أهداف واضحة، من حيث التوعية ورفض سلوكيات معينة والتحذير منها

في الوقت ذاته، تقول النمري: "لا بدّ في مرات من سوق بعض التفاصيل لأجل التوعية، مثل حالات تحرّش تمّت من قِبل الجدّ"، موضحة: "على قسوة هذه التفصيلة، لكن كان لا بدّ من إيرادها؛ لتوعية الأهالي بأنّ المتحرّش قد يكون من الدائرة الضيقة جداً التي تحيط بالضحية".

وتخلُص النمري إلى ضرورة الموازنة بين مصلحة الضحية والضوابط الأخلاقية والقانونية في تناوُل حوادث التحرّش، من جهة، ومن جهة أخرى لا بدّ من تحقيق التوعية "والأمران ليسا متضاربين على أية حال".

تدعو الصحفية غادة الشيخ إلى تخطّي مرحلة الشعارات والرسائل الإعلامية، على أهميتها، والاتجاه نحو صياغة خطاب حقوقي ضاغط، يفضي إلى تعديل مواد قانون الأحوال الشخصية

أما الصحفية المختصة بتغطية قضايا حقوق الإنسان، غادة الشيخ، فتقول: "مع احترامي لكافة الجهود التي قدمها الإعلام التوعوي لمناهضة العنف ضدّ المرأة، وكذلك الدور الذي قدمته منظمات المجتمع المدني في ذات الخصوص، فإنّ الطرفَين لم يحققا، حتى اليوم، الهدف المنشود"، مستشهدة بالجرائم التي ما تزال تتوالى؛ من تحرّش، إلى جرائم قتل باسم الشرف، وكذلك العنف الأسري الذي ما يزال مستمراً.

وتدعو الشيخ إلى تخطّي مرحلة الشعارات والرسائل الإعلامية، على أهميتها، و"الاتجاه نحو صياغة خطاب حقوقي ضاغط، يستند إلى قانون، والدعوة أن يأخذ هذا القانون مجراه، من أجل تعديل مواد قانون الأحوال الشخصية الذي لدينا حوله بعض الملاحظات، خصوصاً ما يتعلق بمادة إسقاط الحق الشخصي"، مردفة: "البوصلة اليوم تتوجه نحو القانون.. القانون فقط".

الصفحة الرئيسية