حجاب المرأة بين سلطة التدين ووصاية العلمانية

6039
عدد القراءات

2018-07-05

حين أفصح الرئيس جمال عبد الناصر، في أحد اللقاءات الجماهيرية، عن رفضه طلب مرشد جماعة الإخوان المسلمين، العام 1953، فيما يخصّ فرض الحجاب على النساء في مصر، لقي من المحتشدين التصفيق الحاد، وعبارات التأييد والإعجاب، ولم يكن له الإعلان عن ذلك، لولا إدراكه طبيعة العقل والوجدان الجمعي الذي يحكمه، بل كان على وعي بأنّ رواية ذلك الموقف يزيد من رصيده الجماهيري، ويمثل إحدى نقاط قوته في إدارة صراعه السياسي مع الجماعة.

طالب الطهطاوي في كتابه "المرشد الأمين للبنات والبنين" بتعليم البنات واختلاطهن مع البنين بل ومشاركتهم مجال العمل

   ولم يكن عبدالناصر هو صانع هذا المشهد، إنما هي مكتسبات حصدها المجتمع نتيجة تشابكات تاريخية معقدة، وسجالات ومعارك فكرية دينية يُعاد استدعاؤها وتوظيفها الآن بعدة أوجه متباينة، وفي واقع التاريخ، وبما أننا أصبحنا في عصر الصورة كناقل للمعرفة، فإنّ مثل تلك الصور التي يتداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي بوجه مُختزَل ومجتزأ عن الحقبة التاريخية، التي تظهر فيها النساء في المجال العام والمؤسسات، بما فيها الدينية، دون حجاب، لم تُصنع من فراغ.

اقرأ أيضاً: تمزيق حجاب فتاة يزيد الضغط على الحكومة الكندية

في العام 1872؛ حينما كانت النساء، خاصة هؤلاء المنتميات للشرائح الاجتماعية العليا رهينات الحرملك، ولم يكن لديهنّ عمل ولا علم، وكان برقعهن ونقابهن بمثابة العزلة المتنقلة الفاصلة، وممنوع عليهن الاختلاط أو الخروج إلى المجال العام إلا في صحبة محارمهن من الرجال، أو تشييع جثامينهن إلى القبر، صدر في جرأة دينية واجتماعية كتاب "المرشد الأمين للبنات والبنين"، لرفاعة الطهطاوي، أحد خريجي مؤسسة الأزهر الذين استفادوا من البعثات الأوروبية.

اقرأ أيضاً: كيف نفهم أحكام السبايا وملك اليمين في القرآن الكريم؟

وفي فصل بعنوان "تشريك البنات مع الصبيان في التعلم والتعليم وكسب العرفان"، طالب الطهطاوي بتعليم البنات واختلاطهن مع البنين، بل ومشاركتهم مجال العمل، وعلى إثره استجاب النظام السياسي والمجتمع المدني للدعوة؛ حيث تأسست المدرسة السيوفية، العام 1873، برعاية "جشم آفت"، زوجة الخديوي إسماعيل، كأول مدرسة لتعليم البنات، تبعها على المدى الزمني القريب، الاتساع في افتتاح المدارس والجمعيات الأهلية من جانب بعض الأثرياء الأجانب والمحليين.

كانت دعوة قاسم أمين أكثر جرأة مستنداً على مكتسبات الحراك الاجتماعي الذي تفاعل مع دعوة الطهطاوي

العام 1899 صدر كتاب "تحرير المرأة" لمؤلفه الشهير قاسم أمين، في دعوة أكثر جرأة، مستنداً إلى مكتسبات الحراك الاجتماعي الذي تفاعل مع دعوة الطهطاوي، ومستفيداً من المتغيرات الاجتماعية الطبقية، وانصهار بعضها نتيجة تفتيت الملكيات الزراعية، وتنشيط مجالات التجارة والصناعة، وزيادة نسب التعليم بالمدن، وانفتاح المجتمع وتعاطيه مع مقتضيات الحداثة الغربية.

وحينما أصدر أمين كتابه، سانده تيار ديني تزعمه الإمام محمد عبده، استطاع أن يتكيف مع معطيات عصره، وأدرك أنّ الدين لا بدّ من أن يتفاعل مع ديناميات الحياة التاريخية والثقافية والنفسية لمعتنقيه، بما لا يهدمه، كما أنّ أمين لم يُلغ، كما الآن، إرادة الذات الفاعلة التي نادى بتحريرها، ولم يطالب بنزع الحجاب (النقاب) بشكل تعسفي أو سلطوي؛ وإنما تدريجياً من خلال تغيير بنية العقل النسوي، عبر وسائل التعليم، واختبارها بالواقع العملي، بما يسمح لها باختيار التخلي عنه أو الإبقاء عليه بإرادتها.

اقرأ أيضاً: بلجيكا: قرار قضائي يسمح لطالبات بارتداء الحجاب

كما أنّ أمين لم يختزل الحجاب في شكله الظاهري فقط، وإنما قصد الحجاب بمعناه الدلالي الباطني؛ بمعنى أن تمتلك المرأة زمام أمرها، ويكون لها حق الإعلان عن أفكارها دون خوف أو إنابة، بما لا يحول بينها وبين العالم الحي، وهو عالم الفكر والحركة والعمل على حد تعبيره.

كان لوقع كتاب تحرير المرأة صدى مجتمعي فعّال وصاخب، عبّرت عنه الأوساط الصحفية والمؤسسات الاجتماعية باختلاف توجهاتها، وكان السؤال الذي طرحه أمين حين قال: "لا أدري كيف نفتخر بعفة نسائنا، ونحن نعتقد أنهن مصونات بقوة الحراس، واستكمام الأقفال، وارتفاع الجدران؟" محور السجالات التي دارت رحاها ولم تتوقف؛ إذ كيف أن يكون للفضيلة معنى وهي مفروضة بالجبر والتعسف؟

اقرأ أيضاً: نيويورك: تعويض 3 مسلمات أجبرن على خلع الحجاب

وخفتت جذوة السجال إلى أن اشتعلت مرة أخرى العام 1915، غداة قيام الحرب العالمية الأولى، حينما فتحت جريدة "الأهرام" أبوابها الصحفية تحت وطأة الأحكام العرفية لمجال الكتابة الاجتماعية، ودارت إثر ذلك معركة فكرية ودينية سُميت بـــ"معركة السفوريين والحجابيين"! شاركت فيها النساء في بادئ الأمر بأسماء مستعارة، ولأن متغيرات الزمن الاجتماعي كانت في صف السفوريين، تحمّست النساء أكثر وبدأن في المشاركة بأسمائهن الحقيقية، ما بين معارضات ومؤيدات، وأبرزهن كانت الفتاة العشرينية "منيرة ثابت"، مما فتح المجال لاتساع رقعة الحوار، إلى أن ضمّ عدة مسائل أخرى كانت تدخل في حيز "التابوه"، مثل مشاركة المرأة السياسية، واستقلالها الاقتصادي، وحق الاختيار في الزواج والطلاق.

بعد "الربيع العربي" تخلّت بعض الفتيات عن حجابهن كرمز لتمردهن ضد السلطة الأبوية باختلاف تمثلاتها

وعلى إثره تأسست مجلة السفور، العام 1915، التي جاء في كلمتها الافتتاحية: "ليست المرأة وحدها هي المحجبة في مصر، لكنّها محجبة نزعاتنا وفضائلنا وكفاءاتنا ومعارفنا وأمانينا، كل شيء عندنا يبدو على غير حقيقته، فنحن أمة محجبة، حقيقتها بادية، منها ظواهر كاذبة لا تتفق مع ما فطرت عليه الأمة في شيء".

في الوقت ذاته، كانت المرأة تقتحم على استحياء مجالات الأدب والفن والصحافة والعمل الخيري، والأخير كان بتشجيع أميرات الأسرة الملكية، كما تموضعت الكثير من الروايات والأعمال المسرحية حول قضية السفور، منها "بنات الشوارع وبنات الخدور" لفرح أنطون.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة ارتداء رئيسة وزراء بريطانيا الحجاب؟

إذاً، لم تكن مشاركة النساء في مظاهرات ثورة 1919، وخروجهن من الخدور والحرملك مفاجأة صادمة؛ إنما نتيجة طبيعية تولدت عن مخاض حراك اجتماعي تراكمي، ولم يحمِ السيدة هدى شعراوي ورفيقاتها عندما رفعن النقاب، وظهرن سافرات الوجوه عقب عودتهن من المؤتمر النسائي الدولي بروما العام 1923، سوى هذا المزاج العام الجمعي، الذي باركته السلطة السياسية والزعامة الوطنية وقتئذ، ولم تُجدِ معه صرخات التيارات الإسلامية المحافظة التي تزعمها بعض الكتّاب، مثل محمد فريد وجدي وغيره.

وكي ندرك أنّ الحجاب حمِّل على مرّ تاريخه، كرمز، دلالات الاجتماعي أكثر من الديني، وفي وضع مشابه يذكرنا بمغزى قصة الجارية التي نهاها الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عن ارتداء الحجاب المتعارف عليه وقتئذ، للتمييز بينها وبين الحرائر، نذكر أنّ اللواتي أقبلن على المدارس والجمعيات الأهلية الخيرية التي أُسست عقب دعوة الطهطاوي، كُنّ سافرات الوجوه من الطبقات الدنيا، على أمل أن يجدن فرصة للعمل كخادمات وممرضات لدى الشرائح الاجتماعية العليا، ومنها التركية التي فرضت على نسائها الحجاب، منعاً لاختلاطهن بالمجال العام، الذي يهيمن عليه المصريون الأدنى، من وجهة نظرهم.

كانت مشاركة النساء في مظاهرات ثورة 1919 نتيجة طبيعية تولدت عن مخاض حراك اجتماعي تراكمي

استند كل من السفوريين والحجابيين على تلك الحجة الطبقية في معركتهم، إذ إنّ السفوريين، ومنهم قاسم أمين، رؤوا أنّ نساء القرى المصرية سافرات الوجوه ومختلطات مع الرجال في الحقل والسوق، ورغم ذلك يلتزمن الحشمة، ويتمتعن بالعفة والإخلاص لأزواجهن، أما الحجابيون، ومنهم فريد وجدي، فرؤوا أنّ الحجاب علامة تمدين وتمايز طبقي يفصل بين المقهورات بالعمل، والمُنَعمّات في القصور.

ثم تتساءل نبوية موسى باندهاش، العام 1926، في مقالها المعنون بـ "الكمال أم الحجاب": ألم تملوا هذا الجدل العقيم؟ ولمن يدافع عن الحجاب أقول له: عمن تدافع بأقوالك، ياسيدي، وجميع خالاتك وعماتك وأخواتك في قريتك سافرات؟ "نحن في حاجة شديدة إلى نساء عاملات كاملات، يرفعن من شأن مصر، لا إلى تلك التماثيل التي يلهو بها الرجال".

اقرأ أيضاً: خلع الإيرانيات حجابهن يهدّد بخلع نظام الولي الفقيه

في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، كان المجتمع ما يزال يجني ثمار متغيراته المتراكمة، متجاهلاً أيّة دعوة دينية أو فكرية تعود به إلى الخلف، آملاً في تحقيق مزيد من التقدم الاقتصادي والسياسي، في ظل قيادته المستقلة التقدمية، إلا أنّه تحت وطأة الهزائم العسكرية والاقتصادية المتوالية، عاد فاعتصم بالدين في إطاره السياسي المؤدلج المتثاقف بثقافات اجتماعية متأخرة في ذيل التاريخ، وكانت فرصة التيار الأصولي السانحة، لاستغلال هذه السيكولوجية الإنسانية المنهزمة، لإعادة ترتيب أوراق معركته الخاسرة، مستنداً على تأويلات رجعية لبعض النصوص التأسيسية، مع تقزيم وتشويه كافة المكتسبات القديمة، تحت عنوان استرجاع الهوية المستلبة، ومحاربة التغريب والاستعمار في قالبه الثقافي الديني، وكانت المرأة "ككائن أدنى"، في اللاوعي الجمعي المتوارث، هي الموضوع المعياري، للإجابة عن سؤال: منْ المهيمن؟

كما أدرك هذا التيار كيفية اختراق ثغرات المجتمع الظاهرية، التي بُنيت على أساس هشّ تحت وطأة "طغيان الموضة"؛ إذ لا يمكننا إنكار أنّ عادة خلع الحجاب مثلاً، انتشرت بين بعض الشرائح الاجتماعية الوسطى على سبيل المحاكاة والتقليد، وليس عن اقتناع أو إرادة تامة.

أمين لم يختزل الحجاب في شكله الظاهري فقط وإنما قصد الحجاب بمعناه الدلالي الباطني

وهنا الإشكالية، أن تطمح إلى محاكاة المنتج النهائي في إطاره الخارجي، دون إدراك أو بلوغ لب محتواه المؤسس، وبالتالي يسهل هدمه، غير أن ذلك التيار نجح في تحميل الحجاب بدلالات مقدسة وقومية مبالغ فيها، وجعله أيقونة حصرية للأخلاق والعفة، وصاغ أفكاره داخل قوالب لغوية مركزة سهل ترديدها، ومزودة بياء الملكية للإيهام بحرية الفعل وتأصيل الانتماء إليه، مثل:"حجابي عفتي /حيائي/ نقائي ...إلخ "، منادياً الفاعلات بـ "أختاه"، لتقريب مسافات الألفة.

اقرأ أيضاً: مصافحة النساء إذ تكشف أزمة التجديد الديني

في التسعينيات، بزغ نجم تيار الدعاة الجدد، الذي اجتذب الجزء المتبقي من الشرائح الاجتماعية العليا (فئتي النساء والشباب) من خلال تقديم خطاب ديني جذاب وأنيق، على الطريقة الحداثية الأمريكية، فظهرت الممثلات المعتزلات والمذيعات وبنات الذوات المحتجبات.

بعد ثورات "الربيع العربي"، في مطلع العام 2011، التي اقتسمت فيها المرأة مع الرجل الميدان والهتاف، تخلّت بعض الفتيات عن حجابهن، كرمز لتمردهن ضد السلطة الأبوية باختلاف تمثلاتها، الدينية والسياسية والاجتماعية، واختلفت انتماءاتهن الطبقية التي جمعت بين الريف والحضر، إلا أنهن لم يخضن التجربة بشكل ممنهج ومنظم، مثلما فعلت الحركة النسائية عقب ثورة 1919، وإنما تولدت اختياراتهن من فورة الزخم الثوري، ثم حاكاتهن بعض الفتيات المراهقات والجامعيات، من خلال كتابة تجاربهن عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وترتّب على ذلك اضطرار بعضهن إلى ترك أسرهن، والاستقلال بأنفسهن مادياً بعد مواجهتهن بالعنف.

وفي ظلّ المآل السياسي الذي آلت إليه الثورات العربية، من استئثار التيار الأصولي بالسلطة، ثم الصراعات السياسية التي أخذت منحى العنف، ثم انكشاف الستار عن رخاوة وهشاشة القوى التقدمية باختلافاتها، والتي لا تختلف منهجياً في أسلوب التفكير عن خصمها الأصولي، تم تسطيح قضايا المرأة واتخاذها معيارية رمزية، لمن سيكسب المعركة (من سيغطيها/ من سيعريها؟).

إذا كنا نرفض تحميل الحجاب بدلالات المقدس والعفة فعلينا أن نرفض تحميله أيضاً بدلالات الرجعية والتخلف

ولا يفوتنا أنّ ارتداء الحجاب تتوارى خلفه العديد من الإشكاليات الاجتماعية المعقدة، خارج إرادة المرأة؛ إذ يمثل الحجاب لبعضهن رمزاً للأمان الاجتماعي، في ظل الانفلات الأمني والقيمي في المجال العام، ومواجهتهن شتى أشكال العنف الرمزي والمادي، من تحرش لفظي وجسدي وخلافه.

ولا نغض الطرف عن أنّ الأزمات الاقتصادية، وغياب العدالة الاجتماعية، بالتوازي مع انعدام فلسفة الجمال والذوق وتضخّم الكبت، وتدنّي مستويات التعليم والتفكير، التي تراكمت عبر عقود، تخيم على المزاج العام الذي يحكم ذهنية كل من الرجل والمرأة، بشكل لا يسمح لاستقلال الأخيرة مادياً أو معنوياً، وبالتالي استمرارية خضوعها للسلطة الأبوية، والتكيف من أجل قضايا حيوية تمثل لها أكثر أهمية من الحجاب، مثل: استكمال مشوارها الدراسي، أو تماسك المنظومة الأسرية في حال إذا كانت متزوجة، أو على الأقل عدم جاهزيتها النفسية لكسر قانون العيب الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: متلازمة المرأة والغواية: من الموروث الديني إلى الثقافة العامة

وبحسب كانط؛ فإنّ فرض أيّ فعل مناقض للإرادة هو فعل جبر، يعامل النفس على أنها وسيلة لتحقيق غاية أو بناء سلطة جديدة متعالية، وسينتج عن ذلك فعل حرية ظاهري، وليس فعلاً حراً يمكن البناء عليه على المدى البعيد، وبالتالي، إذا كنا نرفض تحميل الحجاب بدلالات المقدس واحتكاره لمفهوم العفة، فعلينا أن نرفض تحميله أيضاً بدلالات الرجعية والتخلف، ومطالبة الطرفين (المتدين والعلماني) التخلي عن أساليب الإرهاب النفسي ومنهجية الوصاية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: