جورج طرابيشي.. عقلانية البحث عن الحقيقة

جورج طرابيشي.. عقلانية البحث عن الحقيقة

مشاهدة

16/03/2022

"ليست الكثرة من أمارات الحق ولا القلة من أمارات الباطل"، بهذه المقولة للقاضي عبدالجبار المعتزلي، اختار جورج طرابيشي أن يصدِّر الجزء الأول من كتابه "هرطقات"، لأنّ الكاتب كما يقول: "في لحظة بعينها من الحياة، وتوقّعاً للرحيل، يجد نفسه منساقاً إلى الرجوع إلى "دفاتره العتيقة"... ليعدم منها ما يعتقد أنّه لا خسارة بإعدامه، ويستبقي منها ما هو جدير بأن يبقى من بعده، ولو لأجل معلوم بدوره".

كتب طرابيشي هذه الكلمات قبل عشر سنوات من رحيله، الذي يصادف اليوم ذكراه السادسة، مدركاً أنّ حياة المفكّر ستظل مجموعة محطات من السعي الدائم للبحث عن الحقيقة، تحكمها دوماً تغيرات الوعي والاعتراف بالنقص، وأنّ المعرفة البشرية مهما علتْ لا يمكن أن تصل إلى غايتها، وأن لا ثابت إلا ممارسة النقد الدائم تجاه الذات قبل الآخر، وإعادة النظر في جميع المقولات مهما حاول البعض إعطاءها صفة التقديس، ناذراً حياته لتحطيم أصنام العقل التي تعيقه عن المضيّ إلى الأمام.

كان طرابيشي يدرك أنّ حياة المفكّر ستظل مجموعة محطات من السعي الدائم للبحث عن الحقيقة

ثلاث محطات من الصدمة

يعدّ هذا المفكّر والناقد والمترجم المولود في حلب عام 1939 من القلة الذين وثّقوا "تحقيب" حياتهم الفكرية، وذلك في آخر ما سطّره في مقاله الأشهر الذي حمل عنوان: "ست محطات في حياتي"، ونشره في صحيفة أثير الإلكترونية بتاريخ 23 شباط (فبراير) 2015، وهي محطات "كان لها دور حاسم في أن أكتب كل ما كتبته وفي تحديد الاتجاه الذي كتبت فيه ما كتبته، وحتى ما ترجمته".

كانت المحطة الأولى خلال طفولته المبكرة، إذ وُلد في أسرة مسيحيّة ضمن بيئة جعلته فــي الطور الأوّل من مراهقته "يؤدي كلّ واجباته الدينية بحساسية مفرطة كانت تثير حتّى سخرية أخيه الأصغر منه"، وخرج من هذه المرحلة بعد قصة صراع عاصف مع صورة الإله الذي ينبش في خطايا الناس بهدف تعذيبهم في النهاية، مقتنعاً أنّ الله الّذي حدّثـه عنه الكاهن لا يمكن أن يوجد ولا يمكن أن يكون ظالماً إلى هذا الحدّ، ومن ذلك اليوم كفّ عن أن يكون مسيحياً.

أما المحطة الثانية الّتي حددّت اتجاهه النهائي في الحياة، كما يقول، كانت عند انتقاله في المرحلة الثانويّة إلى مدرسة رسميّة تابعة للدولة، وصدمته حين أراد أن يعلم المزيد عن الإسلام، وهو الذي لم يتلقّ قبل ذلك سوى التعليم الديني المسيحي، ليفاجأ أنّ عقلية الشيخ لم تختلف كثيراً عن عقلية الكاهن، "ابتداء من تلك اللّحظة، وعيتُ أنّ مهمّة كبيرة جدّاً لا تزال تنتظرنا في مجتمعاتنا، وأنّ القضية ليست قضية تغيير سياسة ولا وزارة، بل هي أولاً وربما أخيراً قضية تغيير على صعيد العقليات".

غلاف كتاب "هرطقات" للطرابيشي

في طوره الأول ككاتب، اختار "موسم هجرة إلى الأيديولوجيا" قبل أن يهجرها إلى غير رجعة، إذ أخذت تتهافت عنده كلما زاد اطلاعه وثقافته بعد أن أدرك أنّها مجرد نفي للواقع وإحلال بديل طوباوي محله، وفي تلك المرحلة أصدر أول كتبه "سارتر والماركسية" عام 1963، ثم أتبعه بخمسة أخرى: "النزاع الصيني السوفياتي"، "الماركسية والمسألة القومية" (1969)، "الماركسية والأيديولوجيا" (1971)، وكان أكثرها إيغالاً في المثالية "الاستراتيجية الطبقية للثورة" (1970)، وأقربها إلى الواقع "الدولة القطرية والنظرية القومية" (1982) كما يذكر في تقديمه لأعماله النقدية الكاملة التي صدرت عام 2013.

في هذه المرحلة عمل، وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، مديراً عاماً للبرامج في إذاعة دمشق (1963-1964) بعد أن حصل على الإجازة باللغة العربية عام 1961، ثم الماجستير في التربية من جامعة دمشق، وبدأ بممارسة الترجمة من الفرنسية، إلى جانب عمله في تعليم اللغة العربية في ثانويتي حلب ودمشق.

لم يطلْ به المقام في بلده، لينتقل إلى لبنان عام 1966 ويتفرّغ للتأليف والترجمة اللذين نذر لهما عمره دون توقف، ثم تولّى منصب رئيس تحرير مجلة "دراسات عربية" بين عامي 1972 و1984، ثم محرّراً رئيساً لمجلة الوحدة (1984-1989)، وبعد أن أوشكت الحرب الأهلية اللبنانية أن تضع أوزارها، هاجر إلى فرنسا التي ظلّ يقيم فيها متفرغاً للكتابة، حتى وافاه الأجل عام 2016.

أما المحطّة الثــالثة، فكانت خلال مرحلته القوميـة واليسـارية هذه، وكانت سبباً أساسياً في تحوّله إلى كاتب، حين شعر أنّ الكتابة "فعل هجرة عن الواقع"، ولكنها الطريقة الوحيدة التي بمستطاعه أن يسلكها لكي يغيّر العقليّة في المجتمع، وذلك إبّان دخوله السّجن كمعارض سياسي ضد نظام حزب البعث بعد أن اعتنق أفكاره في البداية، وذلك عقب زواجه من الكاتبة "هنرييت عــبودي"، وإنجابه طفلته الأولى "مي"، حيث صُدم هذه المرة بالعقلية الشرقية لرفاقه "التقدّميين" تجاه المرأة؛ "من يومها أيضاً تعلّمت درساً جديداً، وهو أنّ القضيّة ليست فقط قضية مسلمين وغير مسلمين، ومسيحيين وغير مسيحيّين، من حيث الوعي الاجتماعي حتى ولو كانوا ينتمون إلى أيديولوجيا واحدة، فالقضية أعمق من ذلك بكثير... قضية بنى عقليّة في المقام الأول"، فتوطّد لديه الاقتناع بأنّ الموقف من المرأة في مجتمعاتنا يحدّد الموقف من العالم بأسره.

عمل وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره مديراً عاماً للبرامج في إذاعة دمشق

فرويد وبوابة الترجمة

يكاد جورج طرابيشي "المترجم" يحتكر نقل فرويد إلى القارئ العربي، حيث كان له الفضل في تعريفه برائد علم النفس ومذهبه في التحليل النفسي، الذي يقول إنّه جعله يستعيد نسبة كبيرة من الهدوء النفسي، وينظر إلى الحياة نظرة جديدة إلى حدّ ما، فترجم لصاحب "تفسير الأحلام" قرابة ثلاثين كتاباً من خلال لغة وسيطة هي الفرنسية، وكم كان يتمنّى لو كان متقناً للألمانية حتى "لا يرتكب خيـــانة مزدوجة بالترجمة من لغة إلى لغة"، وقد انصرف طرابيشي في عامه الأخير مسكوناً بهذا الهاجس إلى إعادة النظر في ترجماته الفرويــدية، مستفيداً من صدور ترجمات جديدة لفرويد باللغة الفرنسية، استعداداً لإعادة طبعها منقّحة وأكثر مطابَقة للنص الأصلي، ولكن الموت لم يمهله في استكمال هذا المشروع.

تضمنّت ترجمات طرابيشي في هذا المجال أشهر كتب فرويد، مثل: مدخل إلى التحليل النفسي، نظرية الأحلام، الطوطم والحرام، قلق في الحضارة، علم نفس الجماهير، التحليل النفسي لرهاب الأطفال، التحليل النفسي للهستيريا، موسى والتوحيد، مستقبل وهم، إبليس في التحليل النفسي، ثلاثة مباحث في نظرية الجنس.

لم تقتصر علاقة طرابيشي بمدرسة التحليل النفسي على مجال الترجمة؛ ولكن قام بتطبيق هذا المنهج في كثير من أعماله، خاصة في مشروعه الضخم لنقد الرواية العربية الذي زاد على ألفي صفحة، مثل: شرق وغرب، رجولة وأنوثة: دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية (1977)، الأدب من الداخل (1978)، عقدة أوديب في الرواية العربية (1982)، أنثى ضد الأنوثة: دراسة في أدب نوال السعداوي على ضوء التحليل النفسي (1984).

اقرأ أيضاً: أبو القاسم حاج حمد.. مُداوي عِلل الفِكر الإسلاموي ومُعالج أعطابه

ولكن رغم إعجاب طرابيشي بهذا المنهج، إلا أنّه لم يقع أسيره، بل وجد نفسه مدفوعاً إلى تجاوز مسلّمات المدرسة الفرويدية، كما فعل عند نقده مثلاً لرواية المغربي مبارك ربيع "بدر زمانه" التي صدرت عام 1984.

لم يتوقف اهتمام طرابيشي بالترجمة عند حدود فرويد، إذ نقل إلى العربية مجموعة كبيرة من المؤلفات التي أغنت المكتبة العربية في مجالاتها، لعل أهمها: تاريخ الفلسفة لإميل برهييه في ثمانية مجلدات، ومعظم الأدب الوجودي الذي راج في الستينيات كالفوضى والعبقرية لجان بول سارتر، ورواية الجحيم لهنري باربوس، و"المثقفون" لسيمون دي بوفوار التي تقع في ألفي صفحة.

كما ترجم موسوعة علم الجمال لهيغل التي تتضمن اثنيْ عشر جزءاً، والإنسان ذو البعد الواحد لهربرت ماركوزه، ومحاضرات في تاريخ الماركسية لريازانوف، إضافة إلى كونه أول من ترجم إلى العربية رواية "زوربا" لليوناني نيكوس كازانتزاكيس عن الفرنسية، ونشرتها دار الآداب اللبنانية عام 1965، وهي من أكثر الروايات التي يعتز بها، كونه عرّف القارئ العربي من خلالها بـ "زوربا" قبل ظهور فيلم أنتوني كوين الشهير الذي جسّد فيه هذه الشخصية.

ومن الطريف، أنّ طرابيشي الذي ترجم أكثر من مائتي كتاب، يعترف بفشله الثقافي في علاقته باللغات الأجنبية، فرغم أنّه أتقن الفرنسية قراءةً وكتابةً وترجمةً، فإنّه لم ينجح قط في أن يتقنها نطقاً، وحتى بعد أن انقضت على إقامته في مغتربه بفرنسا سنوات طويلة، ظل يتلعثم بالنطق بالفرنسية والرطن بها!

يكاد طرابيشي "المترجم" يحتكر نقل فرويد إلى القارئ العربي حيث كان له الفضل في تعريفه بمذهبه

هواجس الردة والنهضة

ضمن مؤلفاته التي زادت على ثلاثين كتاباً، شكّلت طروحاته في العقلانية، ونقد ومراجعة التراث والمشاريع الفكرية العربية المعاصرة على السواء، واحدة من العلامات الأبرز في الثقافة العربية النهضوية، مما دفع الدكتور وليد خالص في مفتتح كتابه "لو كان فولتير عربياً؟" إلى القول: "رسالة مفتوحة إلى جورج طرابيشي على هيئة السؤال، لو كان فولتير عربياً أفما كنت ستكونه؟".

في هذا الدرب الذي نذر له سنواته الأخيرة، قدّم طرابيشي مجموعة من المؤلفات في محاولة الإجابة عن أسئلة النهضة وأسباب الانتكاس الفكري والسياسي العربي بشكل خاص، من أبرزها: المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي (1991)، مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة (1993)، مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام (1998)، من النهضة إلى الردّة (2000)، هرطقات 1: عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية (2006)، هرطقات 2: العلمانية كإشكالية إسلامية- إسلامية، المعجزة أو سبات العقل في الإسلام (2008).

اقرأ ايضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع

سعى طرابيشي في هذه الأعمال، إلى كشف تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة بوصفه ينتمي إلى جيل "الرهانات الخاسرة" الذي راهن على القومية وعلى الثورة والاشتراكية، ثم الديمقراطية المتعجلة التي تحرق المراحل بهدف تجاوز الفوات الحضاري والوصول إلى النهضة المرجوة بعد سبات طال أمده، دون امتلاك "إرادة النهضة" ذاتها. وهنا كما يقول، تبرز خطورة دور المثقف "بحسب اختياره الأيديولوجي" الذي يحدّد فيما إذا كان سيغدو عاملاً لهذه الإرادة أو عامل نقيضها: الردة.

وفي هذا السياق، قدّم فرضيته عمّا أسماه "الجرح النرجسي الأنثروبولوجي" العربي الناجم في الأساس عن السبق الحضاري غير المتفرد في التاريخ الإنساني الذي حقّقه الغرب مقارنة بالشرق، ومما ضاعف هذا الجرح الهزائم المتتالية أمام المشروع الصهيوني، خاصة هزيمة حزيران (يونيو) 1967 التي يصفها بأنّها كانت الأكثر عريّاً من بين سائر الهزائم العربية، وبالتالي الأكثر إذلالاً وجارحية؛ لأن الذي هُزم فيها لم يكن جيشاً أو طبقة، بل مجتمعاً كاملاً وطريقة تفكير جمعية، "وهي بذلك هزيمة متجددة وغير قابلة للتصريف... حرّرت على صعيد اللاشعور الجمعي كمية من الحصر النفسي لا تقلّ شأناً على صعيد الشعور".

في طوره الأول ككاتب اختار "موسم هجرة إلى الأيديولوجيا" قبل أن يهجرها إلى غير رجعة

ومن هذا المنطلق، يرى طرابيشي أنّ هذه العقدة النفسية طال مفعولها الناخر للأسس الأيديولوجية والتاريخية التي قامت عليها عمارة عصر النهضة، وانعكس ذلك بتأثيم هذه المرحلة وتمجيد ما سبقها، ولم تقف هذه النظرة عند حدود السعي إلى إعادة الاعتبار إلى الدولة العثمانية، وإعادة تقييم دورها التاريخي، بل وصل الأمر حدّ تمجيد الماضوية ومحاولة التماهي معها بدعوى أنّ الإسلام ما انحطّ إلا بقدر ما كفّ عن أن يكون إسلامياً... مما يعني ضرورة تطهيره من كل "الجراثيم" التي لحقته من جراء تماسّه مع الآخر في محاولة هروب إلى الوراء، ويذهب إلى أنّ الأصولية الإسلامية الراهنة هي، جزئياً على الأقل، من إفراز الجرح النرجسي الذي نكأته "النكسة" في الطور الجديد من نزفه، مما أدّى إلى "نقل الصراع الأيديولوجي إلى ساحة التراث، وكذلك إلى تبلور أيديولوجيا تراثية خالصة تنزل التراث منزلة الأيديولوجيا" في جناحي الإسلام: السنّي والشيعي.

ويرى طرابيشي أنّ هذا التصور الانفصالي والانغلاقي للواقعة الإسلامية الذي "يتعارض مع الواقع التاريخي للإسلام وللحضارة الإسلامية بنية وتفكيراً"، ابتدعه الإسلاميون المعاصرون، ولم يعهده المسلمون القدامى، بل ذهب إلى ضرورة التمييز بين "الإسلاميين" و"المسلمين" الذي يكفي، وفقه، لينطق بمدى الابتداع و"اللاأصولية" في ظاهرة "الأصولية" الإسلامية المعاصرة.

وعلى الجانب الآخر، يرى صاحب "مذبحة التراث" أنّ "الديمقراطيين العرب الجدد" لا يقلّون حالمية عن الأصوليين، في نظرتهم إلى الديمقراطية بوصفها الحل السحري لجميع المشاكل العربية بإهمالهم شرط الحامل الاجتماعي لها، "عندما تجاهلوا أنّ جميع المحاولات لبناء ديمقراطية في ظل تغييب البرجوازية قد باءت بالفشل"، وذهب إلى أنّ المجتمعات العربية تدفع اليوم غالياً ثمن تغييب البورجوازية وإفقادها اعتبارها الأيديولوجي.

غلاف كتاب "نقد نقد العقل العربي" للطرابيشي

ويظهر طرابيشي عبقريته التحليلية، عندما يتنبأ بمآلات "الربيع العربي" في كتابه "هرطقات1" الذي أصدره العام 2006؛ أي قبل خمس سنوات من تفجر "الثورات العربية"، إذ يقول حرفياً: "في ظل غياب البديل البرجوازي، فإنّ المعارضة الشعبية للدكتاتوريات القائمة، لا بد أن تأخذ شكل صعود محتوم لمدّ الأصولية، ولا سيما في الشروط العينية للعالم العربي الذي يتحكم في مقاديره، منذ ما لا يقل عن ثلاثة عقود، التوظيف الأيديولوجي والثقافي.. لصالح الأصولية الإسلامية".

ويخلص في هذا الجانب، إلى أنّ الديمقراطية في جوهرها ثقافة ومنظومة قيم متضامنة، والموضع الأول لتمظهرها ليس في صناديق الاقتراع وحدها، بل أساساً في الرؤوس "فالديمقراطية لا يمكن أن تكون نظاماً فصامياً، فهي لا يمكن أن تكون نظاماً للحكم بدون أن تكون نظاماً للمجتمع، وليس لها أن تسيِّر العلاقات بين الحكّام بدون أن تسيّر العلاقات بين المحكومين أنفسهم".

اقرأ أيضاً: أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية

ويخصّص طرابيشي شطراً مهمّاً من مشروعه الفكري لقضية العولمة التي يرى أنّها - استعارةً من المفهوم الفقهي - "مسألة خلافية" بوصفها قابلة، لأن تكون موضوع أخذ ورد، قبول أو رفض "بدون أن يستتبع الموقف منها، إيجاباً أو سلباً، إدانة ودمغاً بالهرطقة" وذهب أبعد من ذلك، عندما قال إن الموقف من العولمة لا يحدد الهوية الأيديولوجية للمنتصرين لها أو للمشنّعين عليها "فليس نصير العولمة ليبرالياً بالضرورة وليس خصيمها محافظاً بالضرورة".

استمراراً لما دأبوا عليه منذ عصر النهضة، كما يقول، يصف طرابيشي موقف المثقفين العرب من العولمة بأنّه أقرب لتقمّص دور الفقهاء الذين كانوا أول القيّمين على الوقائع الجديدة، وأول المتصدِّرين لاستقبال كل ما هو طارئ أو وافد تحليلاً أو تحريماً، ندباً أو تكريهاً، منعاً "فأكثر ما يقال اليوم عن العولمة يكاد يكون تكراراً لما قيل من قبل عن "الغزو الثقافي" أو "الإمبريالية" أو "التبعية" أو حتى عن الحداثة بوصفها "غربية" و"غازية"".

مع الجابري... حوار بلا حوار

يبقى المشروع الأهم لجورج طرابيشي "نقد نقد العقل العربي" الذي بدأه عام 1984، وردّ فيه على "نقد العقل العربي" لمحمد عابد الجابري، وصدر هذا العمل المضني الذي استغرق منه أكثر من ربع قرن في خمسة أجزاء: نظرية العقل (1996)، إشكاليات العقل العربي (1998)، وحدة العقل العربي والإسلامي (2002)، العقل المستقيل في الإسلام (2004)، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث (2010).

لم يطلْ به المقام في بلده لينتقل إلى لبنان العام 1966 ويتفرّغ للتأليف والترجمة اللذين نذر لهما عمره

وكان يردّ على من لاموه، بأن هل كان الأمر يستحق كل هذا العناء؟ بأنّ الجابري بالقوة التي يتبدّى عليها خطابه وبإحكام الإشكاليات التي اعتقل فيها العقل والتراث العربيين، بات يشكل عقبة إبستمولوجية، "فالجابري قد نجح - لنعترف له بذلك - في إغلاق العديد من أبواب التأويل والاجتهاد".

تعود علاقة طرابيشي بالجابري إلى عام 1959 حين تزاملا طالبين في جامعة دمشق في درس مشترك كان يعطيه سعيد الأفغاني، لتنقطع بعد ذلك لعشرين عاماً قبل أن تعود مع بداية الثمانينيات، عندما نشر له بعض المقالات في مجلة "دراسات عربية"، وما لبث أن وقع بين يديه مخطوطة "تكوين العقل العربــي"؛ الجزء الأوّل من مشروع "نقد العقل العربي"، وبعد أن قرأه شجّع صاحب دار الطليعة على نشره فوراً، بل إنّ أول مقال كتبه طرابيشي في مجلّة "الوحــدة" كان عن هذا الكتاب، وقال فيه: "هذا الكتاب من يقرؤه لا يعود بعد أن يقرأه كما كان قبل أن يقرأه".

لكن بمجرد أن أخذ طرابيشي يراجع مصادر الجابري بعد أن أصابه الشك فيما نسبه الجابري إلى إخوان الصفا من معاداتهم للمنطق، أصيب بصدمة كبــيرة وبطعنة في كبريائه كمثقف، كما يقول، لأنّه تعجّل في الحكم عليه.

اقرأ أيضاً: علي الوردي: التمرد على اليقينيات الثقافية والدينية

في تقديمه للجزء الأول يبيّن طرابيشي أنّ مشروعه اتجه في البداية إلى أن يكون محض نقد للجابري وتفنيداً لأحكامه وتمحيصاً لشواهده التي بنى عليها تأكيد فرضياته؛ لكنه وجد نفسه منساقاً لعدم الاكتفاء بالتفكيك "بل كان عليه أيضاً، كأيّ مشروع نقدي طالب للمشروعية الإبستمولوجية، فضلاً عن الجدوى الإيديولوجية، أن يعيد البناء"، ويضيف أنّ مكمن القوة والخطورة معاً في خطاب الجابري، أنّه يعرض نفسه على متلقيه من خلال شبكة من الإشكاليات، "والحال أنّ كل نقد يكتفي بمناقشة نتائج الإشكاليات يبقى أسيراً لها، فالمطلوب قبل دحض النتائج تفكيك الإشكاليات نفسها؛ فأسئلة الجابري، لا أجوبته، هي الملغومة".

ومن أهم الإشكاليات والأسئلة التي طرحها في هذا المشروع النقدي: إشكالية العقل المكوِّن والعقل المكوَّن، التفكير بالعقل والتفكير في العقل، توزيع الثلاثي لأنظمة المعرفة إلى برهان وبيان وعرفان، إشكالية التكوين والتدوين، وعقلانية التراث المغربي بوصفه برهانياً، وعدم عقلانية التراث المشرقي بوصفه بيانياً وعرفانياً، إضافة إلى إشكالية الضدية الإبستمولوجية ما بين العقل العربي والعقل "اليوناني ـ الأوروبي".

يعد الجزء المعنون بـ "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث"، مختلفاً عن الأجزاء السابقة، حتى أنّ طرابيشي لم يشر إليه، باعتباره متمّماً لها على غلافه؛ إذ إنّ حضور الجابري فيه أتى على نحو عارض؛ إذ يتناول آليات أفول العقل العربي الإسلامي و"استقالته" من الداخل، ويخلص فيه طرابيشي إلى التأكيد أنّ تغييب القرآن الكريم والعقل والتعددية في الأيديولوجيا الحديثية المنتصرة هو المسؤول الأول عن أفول العقلانية العربية الإسلامية، ويجزم أنّه ما لم يتم تفتيح ما أغلقته هذه الأيديولوجيا من مسامّ العقل، وفي المقدمة منه العقل الديني، فسيبقى الأمل في كسب "رهان تجديد النهضة معدوماً"، وستبقى الاحتمالات جميعها قائمة للارتداد نحو ما أسماه "قروناً وسطى جديدة".

مشروعه الأهم هو "نقد نقد العقل العربي" الذي بدأه العام 1984 وردّ فيه على "نقد العقل العربي" للجابري

وعلى الرغم من النقد الشديد الذي وجهه للمفكر المغربي الراحل، إلا أنّ طرابيشي يعترف في مقاله الأخير أنّ الجابري أجبره على أن يقرأه ويقرأ مراجعه ومئات المراجع في التراث الإسلامي، ومن قبله المسيحي ومن قبلهما التراث اليوناني، وكل ما يستوجبه الحوار مع مشروعه.

يقول طرابيشي في "ربع قرن من حوار بلا حوار" الكلمة التي كتبها في رثاء الجابري عام 2010: "واليوم، إذ يسبقني إلى الرحيل، فإنّي لا أملك إلا أن أعترف بمديونيتي له؛ فهو لم يساعدني فقط على الانعتاق من الأيديولوجي الذي كنته، بل كانت له اليد الطولى، ولو من خلال المناقضة ونقد النقد، على إعادة بناء ثقافتي التراثية. والتراث هو المحلّ الهندسي لكلّ معركتنا اليوم. فالموقف من التراث ومن نقد التراث وإعادة بناء التراث - ونحن أمّة تراثية بامتياز - هو ما سيحدّد موقعنا في التاريخ والجغرافية البشريين: أاندفاعة نحو الحداثة أم الانكفاء نحو قرون وسطى جديدة؟".

وعلى الرغم من هذا العطاء الفكري الذي لم ينقطع، وجد طرابيشي نفسه (توفي في 16 آذار /مارس 2016 بفرنسا) في سنواته الست الأخيرة في حالة شلل تام عن الكتابة، باستثناء ثلاث مقالات يتيمة، وهو الذي لم يتقن غير الإمساك بالقلم لأكثر من خمسين عاماً، بعد أن شعر بالعجز، وهو ينظر إلى وطنه وهو يذبح تحت راية "الربيع العربي": "هو بمثابة موت... ولكنه يبقى على كلّ حال موتاً صغيراً على هامش ما قد يكونه الموت الكبير الذي هو موت الوطن"، وكأنّه بهذه الكلمات التي كانت آخر ما خطّه يسترجع شريط رحلته في عالم الكتاب التي بدأها مع جان بول سارتر، فيتمثّله عام 1969، وهو يشكو أمام حشد من المثقفين: "ماذا بوسع كتاب ما أن يفعل إزاء موت طفل؟".

الصفحة الرئيسية