أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية

أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية
3042
عدد القراءات

2019-12-02

يقول المفكر المصري أنور عبد الملك (1924-2012) : "سميت بهذا الاسم تيّمناً بالفريق أول أنور باشا رئيس هيئة الأركان العامة للجيش العثماني، ورائد حركة "الأتراك الشباب" ثم جمعية "الاتحاد والترقي" التي كان لها أبلغ الأثر على شباب الحركة الوطنية المصرية في مطلع هذا القرن".

أدرك أنّ مع كل أزمة دولية تمسك بتلابيب الدول العظمى كالحروب لابد أن تتغير معها أوضاع المستعمرات والدول الخاضعة لهيمنتها

ويستأنف عبد الملك، المولود في أسرة سياسية قبطية عريقة، حديثه عن المؤثرات التكوينية في شخصيته في مجلة المصور، والتي جمعته بعد ذلك في كتاب "التكوين..حياة المفكرين والأدباء والفنانين..بأقلامهم" الصادر عن دار الهلال في شباط (فبراير) 1998 العدد 566، فيرى أنّ هذا الأب الوطني الذي قضى كل يوم بين الثالثة والثامنة من عمر المفكر أنور عبد الملك، يعلمه التاريخ والجغرافيا وحضارة مصر والاكتشافات البحرية وتاريخ المعارك الكبرى، وكثيراً ما ردد على مسامع الفتى الصغير: "عندما تصبح رجلاً تتولى هذه الأمور مع زملائك، مثلنا اليوم" ليصبح الانضمام للحركة الوطنية هو المؤثر الأول في تكوينه، والمؤثر التكويني الثاني "مدرسة العائلة المقدسة" لهيئة اليسوعيين (1929-1940) في القسم العربي منها، وهي المدرسة المرموقة لمن أراد أن يجمع بين التكوين الفكري والروحي والأخلاقي، والوطنية الجارفة وحب مصر، كما فتحت أمامه أبواب التعمق في آداب اللغة العربية.

توفي الأب عن عمر يناهز التاسعة والثلاثين عاماً في العام 1932، لتضطرب أحوال الفتى؛ حيث كانت الظروف الاقتصادية غاية القسوة، وسعى أصدقاء والده إلى سد الفراغ المعنوي الذي تركه الوالد، فيذكر منهم عبد الملك عمه فؤاد بيك عبد الملك مؤسس "جمعية أصدقاء الفنون الجميلة"، والمشارك في توجيه العديد من المؤسسات، مثل: "الجمعية الزراعية الملكية" و"الجمعية الجغرافية الملكية"، ومستشار الملك فؤاد ثم الملك فاروق، وعبد الحليم البيلي بيك قائد جماعة "اليد السوداء" التي شارك فيها الأب.

في القاهرة يقابل عبد الملك المفكر الجزائري مالك بن نبي ليعي معه مفاهيم الحركة الأفريقية-الآسيوية وخاصة الإسلام الحضاري العصري

انجذب عبد الملك إلى القراءة، فكان يقرأ كتاباً كل يوم خلال وبعد ساعات الدراسة، ونتيجة لتدهور أوضاع الأسرة الاقتصادية عمل الفتى في "البنك الأهلي المصري" من خريف العام 1940 حتى ربيع العام 1943، ثم انتقل موظفاً في البنك العقاري المصري ثلاثة أعوام بالقسم القانوني (1943- 1946)، وبعد الانتهاء من العمل اليومي درس اللغة الإنجليزية لأربعة أعوام في المعهد البريطاني، ليحصل على الثانوية العامة البريطانية والتوجيهية المصرية في العام 1944.

اقرأ أيضاً: جاد الكريم الجباعي: مولع بالاستنارة لم يفقد دهشة المعرفة
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، بدأ عبد الملك في البحث يميناً ويساراً عن حل ومخرج لأزمة مصر التاريخية، كدولة خاضعة للاحتلال البريطاني، ملتهماً الكتب السياسية والفلسفية؛ حيث أدرك أنّ مع كل أزمة دولية تمسك بتلابيب الدول العظمى كالحروب العالمية، لابد أن تتغير معها أوضاع المستعمرات والدول الخاضعة لهيمنتها، وقد حدث هذا بعيد الحرب العالمية الأولى، فلِمَ لا يتكرر بعيد الحرب العالمية الثانية؟!

كتاب "التكوين..حياة المفكرين والأدباء والفنانين..بأقلامهم"
تساؤلات تلو تساؤلات تعصف بعقل أنور عبد الملك حول معنى التحرير، أو الاستقلال الحقيقي بعد أن ثبت أنّ معاهدة 1923 لم تمنع مصر من أن تصبح دولة تابعة للاحتلال الغربي والسيطرة الاقتصادية والسياسية للحليف البريطاني؟ ما العلاقة بين الاستقلال الحقيقي والنظام الداخلي السياسي؟ كيف يمكن تأمين سيادة القانون وتمثيل إرادة الشعب في البرلمان والحكم وكذا دعم الاقتصاد المصري زراعة وصناعة ومالاً؟ ثم ما العلاقة بين هذا كله والمعاني الكبرى التي أحاطت بتحرك مصر منذ منتصف القرن الثامن عشر وخاصة منذ محمد علي وثورة العام 1881 وكذلك ثورة العام 1919، وما تلاها من وثبات ثورية شعبية حادة؟ وما العلاقة بين الثورة والنهضة؟

كل تلك الشخصيات والتجارب جعلت البعد الحضاري هو المحور الرئيس لأفكاره واجتهاداته ليصدر العديد من الكتب عن الخصوصية الحضارية

ومع تلك القراءات العريضة اكتشف الفلسفة؛ فأحب محاورات أفلاطون، والفلسفة التساؤلية وأشعار أبي العلاء المعري والفارابي وابن سينا، واكتشف مقدمة ابن خلدون وفلسفة التاريخ الهيجيلية، وكتب الموسوعيين الفرنسيين، وبعد المقاومة البطولية للاتحاد السوفييتي والتضحيات التي قدمها الشعب السوفييتي وانتصاره على النازية، بدأ جيل كامل في الالتفات إلى تلك التجربة التنموية والعسكرية الجبارة، فبدأ عبد الملك يقرأ في التراث الاشتراكي الماركسي، ومدارسه المتنوعة التي حققت على أرض الواقع انتصارات هائلة، مثل: الماوية التى كتب عنها الصحفي الأمريكي "ادجار سنو"  كتابه: "النجم الأحمر فوق الصين"، والذي كشف حقيقة ثورة الصين التحررية.

اقرأ أيضاً: إحسان عبّاس المثقف الموسوعي إذ يستشعر "غربة الراعي"
بدأ عبد الملك يجمع أصدقاءه لعقد حلقة لدراسة الاشتراكية وسبل تحرير مصر، حوارات وسجالات ساخنة جمعت الفتى وأصدقاءه حول تلك التساؤلات التي كانت عبئاً حقيقيّاً على هذا الجيل، الذي كان على موعد مع القدر والصراع ضد الدولة، والدخول معها في معركة تكسير عظام.

جلس الشاب أنور عبد الملك إلى المرشد العام حسن البنا يستمع لخطبته الأسبوعية، ويتحسس معها استجابات الجمهور ليتعرف على مشاعر وتوجهات إخوانه في الوطن.

ومع تجربته السياسية يعود إلى عالم الفلسفة، ليعيد اكتشاف هيجل ويربط مقولاته بمقولات "كتاب الموتى" المصري القديم، ومنه إلى ماركس:"لقد اكتفى الفلاسفة حتى الآن بتفسير العالم، وقد آن الآوان لتغييره"، وربط تلك المقولة بقول الله في كتابه الكريم:"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم" الصلة التي لا تنفصم بين الفكر والعمل.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني

وتأخذ التجربة منعطفاً جديداً حينما قابل أنور عبد الملك مفتش اللغة الإنجليزية شهدي عطية الشافعي في دار الأبحاث العلمية، ليصبح انضمامه إلى الحركة الاشتراكية واقعاً لا لبس فيه، وتدور ماكينة الاعتقال في عهد رئيس الوزراء إسماعيل صدقي، فيهرب حتى يتم الإفراج عمن تم اعتقالهم.
ويصر نسيبه الأستاذ الدكتور جرجس متى، على الاستمرار في التعليم الجامعي، فيستثنيه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين من الروتين، ويلتحق بقسم الفلسفة جامعة عين شمس، ويلتقي بالدكتور عبد الرحمن بدوي في قاعة المحاضرات، ويصبح من حوارييه برغم اختلافهما، فأستاذ الفلسفة وجودي النزعة يعلي من الذاتية والفردية، والطالب ماركسي شديد الإيمان بحتمية تثوير الواقع، يقول أنور عبد الملك: "تعلمت منه، على وجه التخصيص، أنّ واجب المفكر المصري أن ينكب على أصول الفكر والثقافة الوطنية ليطورهما". وكان لبدوي الفضل في اختيار عنوان لموضوع رسالة دكتوراه الدولة في الآداب التي تمت بين (1955-1969) عن "تكون الأيديولوجيا في نهضة مصر القومية (1805-1892) بعيداً عن فلسفة التاريخ عند هيجل، الموضوع الذي استوقفه قبل أن يرى أستاذه بدوي، وينجح في فرنسا، وينضم للمركز القومي للبحث العلمي بباريس في العام 1960م، ليصبح مدرساً ثم أستاذاً للأبحاث، ثم مديراً للبحوث عام 1970.

اقرأ أيضاً: أكاديمي فلسطيني متخصص في حل النزاعات من دون إحراق المراكب
كان هدف عبد الملك من وراء أطروحته الجامعية أن يعي لماذا أقصى جمال عبد الناصر اليساريين، وأودعهم المعتقلات التي دمرت الأغلبية منهم في "أبي زعبل" ثم "الواحات"، فخرجت تلك الأفكار في كتابه "نهضة مصر".
وتتكرر نصائح عبد الرحمن بدوي لتلميذه النجيب، وينصحه أن يقرأ لمارتن هيدجر صاحب "الزمن والكينونة"، فتجذبه دراسته "ما الميتافزيقا"، ويكتشف مع هيدجر أنّ العقل أعدى أعداء الفكر، فالفكر مقولة تستوعب العقل والتحليل والتركيب والعيان الوجداني والإيمان ومنهج واقعية الإنجاز العلمي.

 كتاب "نهضة مصر"
وفي العام 1943، يجد بالصدفة كتاب "الزمان، النهر المنعش" في مكتبة الأنجلو المصرية لجوزيف نيدهام، ليجد فيه مزيجاً من التنقيب في الاشتراكية، وفي الأديان، وحضارات الشرق، والعلاقة بين التحليل الفلسفي وعلم الفيزيولوجيا والطب، ويراسل عبد الملك الكاتب، ويدعو نيدهام الشاب إلى زيارته بجامعة كامبريدج، ليكتشف معه معنى الشرق الحضاري .
وفي القاهرة يقابل عبد الملك المفكر الجزائري مالك بن نبي، ليعي معه مفاهيم الحركة الأفريقية-الآسيوية وخاصة الإسلام الحضاري العصري، ويتزامن مع الحديث عن الإسلام الحضاري موجة تجديد لاهوتي وحضاري في الكنيسة الكاثوليكية، تحت عنوان لاهوت التحرير على يد الرئيس الأعلى السابق لهيئة اليسوعيين "بيدرو أروبيه"، الذي آمن بالحوار بين الحضارات والتثاقف بينهم.

اقرأ أيضاً: حبيب الصايغ.. شراع لم يتعب في رحلة بين ضفتي التسامح والحلم الإنساني
في العام 1963 نشر أنور عبد الملك مقالة بعنوان "الاستشراق في أزمة" في مجلّة "Diogène" (ديوجين). ألقت المقالة حجراً في بحيرة راكدة، وقوبلت بهجوم حادّ بعدما عدّها كثيرون "تصفية حساب مع الغرب". لكنّ عبد الملك التزم الصمت تجاه منتقديه حتى جاء إدوارد سعيد وأخذ الفكرة إلى آفاق أوسع. أحدثت المقالة ضجة واسعة في صفوف علماء الاستشراق الغربيين حتى أنّها أخرجت بعض العلماء عن صمتهم الذي اعتادوا عليه، فنشروا ردوداً على هذه المقالة التي تصف الاستشراق بأنّه في أزمة أخلاقية؛ بسبب صلة هذا العلم بالحملات الاستعمارية التي قام بها الغرب في دول الشرق، فكان رائداً في مجال نقد الدراسات الاستشراقية؛ وقد سببت له هذه الدراسة عزلة عميقة في الوسط الأكاديمي الغربي، لم يخرج منها سوى بالعودة إلى القاهرة.

اقرأ أيضاً: روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد
كل تلك الشخصيات والتجارب جعلت البعد الحضاري هو المحور الرئيس لأفكاره واجتهاداته، ليصدر العديد من الكتب عن الخصوصية الحضارية، مثل: ريح الشرق، في أصول المسألة الحضارية، تغيير العالم؛ رافضاً وجود قالب غربي واحد ثابت تتشكل داخله الحضارة، دون مراعاة للخصوصيات الثقافية.
توفي عبد الملك في 17 حزيرا (يونيو) العام 2012 بباريس؛ حيث كان يقيم عن ثمانية وثمانين عاماً، ليترك للأجيال من بعده تراثا فكريّاً، واجتهاداً أصيلا في معنى وشروط تقديم نموذج حضاري مختلف.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الحاجب المنصور.. كيف أنهى أحد العامّة حكم الأمويين في الأندلس؟

2020-03-30

أوشكت شمس عبد الرحمن الناصر؛ ثامن أمراء بني أمية في الأندلس وأقواهم، على المغيب، تاركاً خلفه دولة قوية ومهابة من الممالك الإسلامية والمسيحية على حد سواء، حيث استمر حكمه 50 عاماً، تمكّن خلالها من توحيد الدولة وإنهاء كل أشكال التمرد والعصيان، فضلاً عن لجم جيوش الصليبيين في الشمال.

أولى خطوات المنصور إلى القصر كانت رسالة كتبها لأحد العامة استرعت انتباه والدة الخليفة بأسلوبها

وقد وصل الناصر إلى الحكم في سابقة بالتاريخ الإسلامي؛ إذ تولى السلطة من جده، رغم أنّ أعمامه كانوا على قيد الحياة، وقد تخلوا له عن الحكم طواعية، خوفاً من تحوّل الأندلس إلى إقليم مُفكّك تعصف به النزاعات والتمرد، وهو الهاجس الذي رافق كُل خلفاء بني أميّة بعد سقوط الدولة الأموية في دمشق وفرار عبد الرحمن الداخل إلى الغرب، حيث جمع شتات المسلمين هُناك ونجح في تأسيس الدولة الأموية في الغرب بعد سقوطها في الشرق، حتّى جاء طالب فقير من الجزيرة الخضراء وأطاح، بدهائه، بحكم بني أمية في الأندلس، والذي كان إحدى مقدمات التفكّك الذي عصف في الإقليم فيما بعد، وما تلاه من سقوط الحكم هناك.

جذب أنظار الشيوخ والفقهاء بمعرفته وكتاباته الرشيقة

الصعود إلى القمة
بعد وفاة الناصر، انتقل الحكم لابنه؛ الحَكَم المستنصر بالله، الذي عُرف عنه حبّه للعلم والمعرفة وجمع الكتب، وقيل إنّ مكتبته تجاوزت الربع مليون كتاب، وفي هذه الأجواء ظهر رجل من العامة يدعى ابن أبي عامر (سيعرف لاحقاً بالحاجب المنصور)، جذب أنظار الشيوخ والفقهاء بمعرفته وكتاباته الرشيقة، قد جاء من ريف الجزيرة الخضراء طلباً للعلم، حاملاً طموحاً بعيداً كُل البعد عن ظروفه وإمكاناته آنذاك؛ وهو الوصول إلى رأس الدولة الأموية، ويقول المؤرخ الإسلامي ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ" واصفاً المنصور؛ "كان عالماً، محباً للعلماء، يكثر مجالستهم ويناظرهم، وأكثر العلماء ذكر مناقبه، وصنفوا لها تصانيف كثيرة".

من أسرار قوة المنصور أنّه كان يخشى المؤامرات والدسائس ما دفعه لنشر "العيون" في كُل مكان

وبدأ المنصور مسيرته في قرطبة؛ حيث افتتح دكاناً صغيراً أمام قصر الزهراء، مقر الحكم في الأندلس، ونظراً لإبداعه في الكتابة، امتهن كتابة الرسائل للناس، ونجح في الوصول إلى "الزهراء"، من خلال رسالة كتبها لأحد العامة ووصلت إلى "صبح البشكنجية"، جارية الخليفة الحَكَم ووالدة وليّ عهده، وقد استرعت الرسالة انتباهها، وكانت أولى خطوات المنصور إلى القصر.
ومع حصوله على مباركة والدة الخليفة، وبعد أن ذاع سيطه في دوائر السلطة، قام الحاجب جعفرالمصحفيّ، بترشيح المنصور للخليفة ليصبح راعياً ووكيلاً لولي العهد؛ عبد الرحمن بن الحَكَم، وفق المؤرخ وليد سيف، الذي أفرد له مسلسلاً معروفاً تحت اسم "الصعود إلى القمة".

اقرأ أيضاً: زِرْياب.. عَمَرَ الأندلس ولم يُسقطها
وتمكّن المنصور فيما بعد، من إثبات جدارته، فقلّده "الحَكَم" العديد من المناصب؛ منها دار السكة، وقضاء إشبيلية، وقيادة الشرطة الوسطى، وغيرها من المناصب التي زادت المنصور قوةً وسلطاناً، مع حفاظه على سلطاته بالقصر، من خلال رعاية وليّ العهد، صغير السن، وتوطيد علاقته بوالدته.

اقرأ أيضاً: في ذكرى سقوطها.. كيف فقد العرب الأندلس؟
وفي العام 366 هـ؛ توفي الخليفة الحَكَم ولم يكن ابنه هشام قد بلغ الثانية عشرة بعد، ما أدى إلى ظهور صراعات على السلطة، حيث خاف الأمويون من سيطرة والدة وليّ العهد، التي ذاع سيط حبها للمنصور، على ابنها نظراً لصغر سنّه وعدم معرفته بأصول الحكم، وهو ما تحقّق بالفعل؛ إذ نجحت "صُبح" بالتعاون مع المنصور و"المُصحفيّ"؛ حاجب الخليفة، بتثبيت حكم هشام، من خلال القضاء على عمّ هشام ومنافسه على الخلافة؛ المغيرة بن عبد الرحمن الناصر، وعلى فتيان الصقالبة؛ وهم فتيان متنفّذون في القصر كانوا يدعمون المغيرة.

بات يُدعى له على المنابر وصُكّت النقود باسمه إلى جانب اسم الخليفة الذي حبسه لاحقاً في قصر "الزهراء"

بعد وفاة الحَكم المستنصر بالله، وتولي ابنه هشام المؤيد بالله الحُكم، حاول ملوك النصارى في الشمال مهاجمة ثغور الدولة وإضعافها، مستغلين ضعف الخليفة وصغر سنّه، الذي انسحب على جميع رجالات الدولة، إلّا أنّ المنصور، والذي بدأ يغدو حاكماً فعلياً في الأندلس منذ ذلك الحين، عمل على تجهيز جيش عظيم، وخرج على رأسه لملاقاة الصليبيين في الشمال، حيث هزم الجيش الصليبي واستولى على حصن الحامة وحصن ربضة، ليعود بعد 52 يوماً محملاً بالسبي والغنائم، فاستقبله الأهالي استقبال الأبطال الفاتحين، ليبدأ المنصور حقبة جديدة من الصعود والاستحواذ على السلطة وعلى مفاصل الدولة شيئاً فشيئاً.
عمل على تجهيز جيش عظيم، وخرج على رأسه لملاقاة الصليبيين في الشمال

السيطرة على مفاصل الدولة
رغم سلطان ابن أبي عامر على الخليفة ووالدته، ما يعني قدرته على السيطرة على الأندلس بأكملها، إلّا أنّه كان يخشى المؤامرات والدسائس، ما دفعه لنشر "العيون" في كُل مكان، خاصة في القصر، بحثاً عن أيّ صراع بإمكانه استغلاله لتوسيع رقعة سلطانه، وقد استغلّ "المنصور" صراعاً دار بين الحاجب جعفر المُصحفيّ وقائد الجيش غالب الناصريّ، نتيجة اتهام الأول للثاني بالتقصير في حماية حدود الدولة، فتحالف المنصور مع الناصري، ضد المصحفي الذي كان حليفه السابق، ونتج عن هذا التحالف تنحية الأخير عن الحجابة وتسليمها للمنصور؛ الذي أصبح حاكماً لقرطبة وقائداً لجيش المدينة، فضلاً عن وكالته للخليفة.

تم عزل المصحفي من الحجابة وتسليمها للمنصور الذي أصبح حاكماً لقرطبة وقائداً لجيش المدينة ووكيلاً للخليفة

إلا أنّ المنصور ما لبث أنّ انقلب فيما بعد على الناصري، خوفاً من أن يتحالف ضده، خاصة مع مكانته القوية في الدولة بوصفه قائد جيشها، ليحيط ابن أبي عامر نفسه بالموالين أو الضعفاء.
وقد نجح المنصور في كسب ودّ العامة، حيث حصد الانتصارات وأقام الغزوات، ويقال إنّ معاركه زادت على الخمسين، لم يهزم في واحدة منها قط، ما زاد من شعبيته بين الناس على حساب شعبية الخليفة، وبات يُدعى له على المنابر بعد الخليفة، كما صُكّت النقود باسمه إلى جانب اسم الخليفة، الذي قام "المنصور" بحبسه لاحقاً في قصر "الزهراء" وتشديد الحراسة عليه، مشيعاً بين الناس أنّه تفرّغ للزهد والعبادة، فيما مضى هو مستفرداً في الحكم، في قصر بناه لنفسه وأسماه "الزاهرة"، الذي بات مركز الحكم الفعلي للأندلس.

اقرأ أيضاً: التطهير الديني والعرقي لإسبانيا المقدسة: إبادة شعب الأندلس
ورغم تحالف والدة الخليفة "صبح" مع ابن أبي عامر بداية صعوده، وما شاع عن حُبها له، إلّا أنّ إقصاءه لابنها عن مقاليد الحُكم ونفيه إلى جانبها في "الزهراء"، ورؤيتها له يقضى على خصومه واحداً تلو الآخر مُثبتاً سلطانه، مُستفرداً بالحكم، دفعها لمحاولة التخلّص منه في مناسبات عديدة؛ فحاولت التواصل مع من يؤيدون حكم بني أمية بهدف الانقلاب على المنصور، دون أن تلقى آذاناً صاغية، فحقيقة تحالفها السابق المنصور، وكثرة "العيون" والقبضة الأمنية التي أحكمها الأخير على الإقليم خلقت الرعب، حتّى قيل إنّ "الناصري" والذي كان قائداً للجيش قُتل لمجرد محاولة "صُبح" إقناعه بالانقلاب على المنصور.

اقرأ أيضاً: ملوك الطوائف في الأندلس: ما أشبه الليلة بالبارحة!
وفي محاولة بائسة أخيرة؛ اتفقت والدة الخليفة مع واحد من حكام المغرب الداعمين لحكم بني أمية، وحاولت تهريب الأموال من القصر لدعم انقلاب على المنصور، الذي علم بالخطة واستولى على ما تبقى من أموال في قصر "الزهراء"، ليقضي بذلك على آخر ندّ له ويُلقّبَ نفسه بـ"الملك المنصور".

بدأ بتنصيب أبنائه في المناصب الحساسة

بداية عصر "ملوك الطوائف"
بعد نسيان العامة لأمر الخليفة المعزول في "الزهراء" ووفاة والدته، ثبت حكم المُلك المنصور في الأندلس، وبدأ بتنصيب أبنائه في المناصب الحساسة، وأورث ابنه؛ عبد الملك، الحُكم من بعد وفاته في 27 رمضان العام 392هـ، تاركاً له مملكة قويّة، وفي ذلك يقول ابن الأثير "كان المنصور حسن الاعتقاد والسيرة، عادلاً، وكانت أيامه أعياداً لنضارتها، وأمن الناس فيها".

كسب المنصور ودّ العامة بانتصاراته في جميع معاركه التي قيل إنّها زادت على الخمسين

ورغم أنّ عبد الملك سار على نهج أبيه  في السيطرة على أمور الدولة كافة، وحافظ على الأندلس قوية، إلّا أنّه عهده لم يدم سوى 7 أعوام فقط، ليورّث الحكم لأخيه عبد الرحمن، الذي قُتل بعد فترة قصيرة بسبب التمردات التي قامت ضده، بعد قراره عزل الخليفة نهائياً وتنصيب نفسه خليفة بدلاً عنه، والذي أثار غضب العامة؛ فدمروا مدينة الزهراء، لتدخل الأندلس عصر الخلافات والصراع على السلطة مجدداً، ما أدى إلى تقسيمها إلى 22 دويلة، وبداية عصر ملوك الطوائف، الذي مثّل ذروة تفكّك الأندلس وضعفها، حتّى بات "ملوك الطوائف" عاجزين عن حمايتها من هجمات الصليبيين، بل إنّ بعضهم لجأ إلى الاستسلام، قبل أن يطلبوا عون المرابطين لحمايتهم، والذين استقروا هناك فيما بعد.

للمشاركة:

شفيق الغبرا صاحب "حياة غير آمنة": لا رجعة عن صناعة الأمل

2020-03-26

يحدث ألا يحظى المحارب باستراحة، ولو خلسة، ولعلّ شفيق الغبرا أحد المحاربين الذين لم يستريحوا يوماً؛ منذ خوضه معارك مدرسيّة خلال المرحلة الابتدائية في لندن، حين كان يناكف الطلبة البريطانيين قائلاً إنّ بلادهم حرمته بلاده، ومنذ سجالاته في المدرسة الداخلية في برمانا اللبنانية مع الطلبة المنتقدين للثورة الفلسطينية، مروراً بانخراطه في صفوف الفدائيين الفلسطينيين، بعد تخرّجه من جامعة "جورج تاون" الأمريكية، ومن ثم انخراطه في المقاومة الفكرية والإعلامية خلال الغزو العراقي للكويت، وصولاً لخوضه غمار معركة السرطان، حالياً.

صناعة الأمل، هي حرفة الغبرا الحقيقية، لمن يعرفه عن قرب

الفلسطيني- الكويتي
بين تلك المفاصل الرئيسية في معارك الغبرا، الفلسطيني- الكويتي، كانت ثمة معارك صغيرة، ليست صغيرة على أية حال، تطلّ برأسها كلّ حين، مثل معاركه ضدّ المنتقدين الذين يوجّهون سهامهم بإصرار لنتاجه الفكري الذي يرونه جدلياً، ولعلّ أحدث تلك النزالات ما شهدتها ساحات القضاء الكويتي، إثر نشر كتابه "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت"، في أواخر عام 2018، وحتى حين كسب الجولة الأولى، ثمة من حاول منازلته مجدداً، غير أنّ القضاء انتصر له للمرة الثانية.

مطلاً من واجهة زجاجية ومستغرقاً في رحلته العلاجية في واشنطن يرتب شفيق الغبرا الخطوط العريضة لكتابه الجديد

يُنازِل الغبرا، المولود في الكويت لأب حيفاوي حصل على الجنسية لإسهاماته الطبية في الكويت ومع الأسرة الحاكمة، الحياة بأشكال عدة، يصرّ عليها حتى اللحظة رغم ما يعتريه من آلام في رحلة العلاج؛ إذ يكتب مقال التحليل السياسي أسبوعياً، ويُسجّل الحلقات المرئية والمسموعة تباعاً، وينقّحها ويُحرّرها، ويتابع الشؤون السياسية عن كثب، كذلك الأكاديمية، بحكم موقعه كأستاذ للعلوم السياسية في جامعة الكويت منذ إحرازه درجة الدكتوراة في جامعة تكساس في أوستن، عام ١٩٨٧، كما يعكف بتجلّ، على صناعة الأمل.

اقرأ أيضاً: شفيق الغبرا: القيادة الفلسطينية مارست السلطة قبل اكتمال التحرّر الوطني

وصناعة الأمل، هي حرفة الغبرا الحقيقية، لمن يعرفه عن قرب؛ إذ يحدوه ليلاً نهاراً، على الصعد كافة: السياسية والصحية وتلك المرتبطة بشؤون من يحبهم. ينتقي في هذه الحرفة كلماته بعناية، بالعربية والإنجليزية، وينتقي حتى نبرة الصوت التي يبشّر خلالها بالأمل، ويعرف جيداً كيف يخرج بمزيج يجمع فيه أمرين: صناعة الأمل والإبقاء على قدميّ من أمامه على أرض الواقع، بالوسع قول إنّ هذا المزيج هو من صناعة شفيق الغبرا، بامتياز.
نقاط الفرادة
كثيرة هي نقاط الفرادة التي يلمسها من يصغي إلى حديث شفيق الغبرا؛ إذ في وقت كان فيه رئيساً مؤسساً للجامعة الأمريكية في الكويت، بين 2003 و2006، ومديراً للمكتب الإعلامي الكويتي في العاصمة الأمريكية، واشنطن، بين عامَي 1998 و2002؛ فإنّه ثوريّ مناكِف حتى الثمالة حين يتعلق الأمر بالحقوق المسلوبة، أية حقوق، قد تتبادر لذهن من يتحدث إليه، بدءاً من حقوق المرأة، مروراً بحقوق الشعوب العربية المنتفضة في وجه الأنظمة الطاغية في ٢٠١١، وليس انتهاءً بالثورة الفلسطينية، التي وإن انتقد الغبرا أشياء كثيرة فيها، فإنّه أبداً لا يلوّث بئرها الذي شرب منه، حين خاض معارك ضارية خلالها كمارون الراس والشقيف.

اقرأ أيضاً: محمود محمد طه.. رؤية حيّة للسودان بعد 35 عاماً
يصرّ الغبرا، في الشأن الفلسطيني تحديداً، على المكاشفة بأخطاء حدثت سابقاً وما تزال تحدث، لكنّه لا ينزلق البتة نحو التحامل وشيطنة الآخر، مهما كانت درجة انتقاده واستيائه من القيادة الفلسطينية.

يصرّ الغبرا في الشأن الفلسطيني على المكاشفة بأخطاء حدثت سابقاً لكنّه لا ينزلق نحو التحامل وشيطنة الآخر

وحين يسرد الغبرا، المؤلف لكتب عدة من بينها: "الكويت: دراسة في آليات الدولة والسلطة والمجتمع"، و"الثورات العربية وأعداؤها"، تفاصيل أكثر عمقاً وخصوصية حول الوسط الفلسطيني في الكويت، يحار من يستمع إليه في حجم المقدرة التي امتلكها ولا يزال في إمساكه خيوط الحكاية بالكامل، ويحار أكثر في مقدرته الذهنية والعصبية، وقتذاك وحتى اللحظة، على الجمع بين كلّ هذه الأطراف: الجالية الفلسطينية، بطبقاتها الشعبية والوسطى والنخبوية والمتنفذة، والقيادة الفلسطينية، بدءاً بصفّها الأول، وليس انتهاءً بأكثر العناصر المغمورة فيها، والمقاومة الكويتية للغزو العراقي، على اختلاف سبل مقاومتها من كلمة ومنشور وأغنية وقتال وعمل منظم.

كتابه "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت"

كما يفعل مريدو الزوايا الصوفية
يُطوّق طلبة شفيق الغبرا أستاذهم، تماماً كما يفعل مريدو الزوايا الصوفية بشيخ الطريقة، ينهلون منه خلال المحاضرات، ويلحقون به عقب انتهاء المساق الجامعي؛ ليسجّل محاضراته ويؤرشفها مرئياً، لا سيما تلك التي تؤرخ للقضية الفلسطينية، وللصراع العربي الإسرائيلي، وبقدر ما أمسك شفيق الغبرا بالتحليل السياسي بمهارة لافتة، والعمل الحربي ومن ثم الدبلوماسي بكفاءة مشهود لها، فإنّه برعَ في الشقّ الأكاديمي على مدار عقود.
وستستضيف، لاحقاً، كبريات الجامعات العالمية الفدائي الفلسطيني - الكويتي الذي بات أستاذاً جامعياً، والذي تحدّث عن تجربته النضالية بالتفصيل في كتابه "حياة غير آمنة"، بخلاف رفاق كثر أبقوا سيرتهم القتالية طيّ الكتمان؛ مخافة أن تؤثر على المراكز التي يشغلون حالياً.

اقرأ أيضاً: صلاح حافظ.. انتفاضة بقلم "بقايا إنسان"
شفيق الغبرا حالة مختلفة عن أولئك؛ إذ يضع مراحل حياته كاملة على الطاولة، يعرضها بتصالح تام، حتى وإن اعترتها تناقضات أو جدليات، يقدمها بثقة لافتة، ويجيب عن أيّ تساؤل حولها، ويمسك بمهارة بتلابيب السرد وفنونه، حين ينتقل بك من الطفولة المرفهة، للعمل الفدائي الكادح، للأكاديميا ونخبويتها، لعالم الرياضة واللياقة، وحبه للموسيقى العالمية، ويحملك بنبرة صوته الحازمة للسياسة والثورة الفلسطينية ورصانة الأجواء الجامعية، فيمضي معك بنبرة مختلفة مترعة بالشجن حين يتحدث عن صوت المغني ليونارد كوهين وشِعره.

اقرأ أيضاً: أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية

يتكئ شفيق الغبرا على أريكته الرمادية في واشنطن، مستغرقاً في رحلته العلاجية، ومطلاً من واجهة زجاجية، ليس على المشهد الأمريكي فحسب، بل العالمي أيضاً، والشخصي، الحالي والسابق؛ ليرتب في ذهنه الخطوط العريضة لكتابه الجديد، تاركاً للتفاصيل حرية الانثيال، التفاصيل التي لطالما برعَ الغبرا في نقشها، كأيّ نحّات محترف.

للمشاركة:

مدينة ووهان تخترق التاريخ من بوابة الذعر والموت

2020-03-18

قبل الحادي والثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي، لم يسمع غالبية البشر بمدينة ووهان، ومَن سمعوا بها قبل ذلك التاريخ، كانت تلك المدينة الصينية ترد على مسامعهم، باعتبارها أعرق المدن في الصين، والمدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في وسط الصين؛ إذ يبلغ عدد سكانها أكثر من 11 مليون نسمة، لتكون بذلك تاسع أكبر مدينة صينية من حيث عدد السكان.

اقرأ أيضاً: مبادرة إنسانية جديدة.. الإمارات تجلي الطلبة السودانيين من ووهان
لكنّ للتاريخ ذاكرة مختلفة، فهو سيكتب عن ووهان باعتبارها المدينة التي نشرت الذعر في سائر أرجاء المعمورة، وسيقترن اسمها بالأوبئة التي أهلكت البشر، ودمرت الاقتصادات العالمية، وأغلقت الحدود بين الدول، ومنعت الطائرات من أن تحلق في الأجواء، وحبست الناس في منازلهم، وقتلت العديد منهم، لمجرد أنّ فيروساً انبثق من سوق ووهان للمأكولات البحرية في مقاطعة جيانغهان، أهلكَ أقواماً كثيرين، وحبس أنفاس الكون.

يبلغ عدد سكانها أكثر من 11 مليون نسمة

ووهان قبل أن ينبعث الوباء
تلك هي حكاية ووهان. وهذا ما سيذكره التاريخ. وبعد آلاف الصفحات، ربما يتذكّر أنها كانت، قبل أن ينبعث منها الوباء، تزخر بسلسلة من المناطق الصناعية و52 معهداً للدراسات العليا ويسكنها أكثر من 700 ألف طالب وطالبة، وهو أكبر عدد للطلبة في أيّ من المدن الصينية.

سيتذكّر التاريخ ووهان، باعتبارها منشأ الفيروس الذي فتك بالبشر وحبس سكان الأرض في بيوتهم أو في أقفاص مخاوفهم

وبحسب تقييم فورتشون العالمي، تستثمر في ووهان 230 من أكبر 500 شركة في العالم. وتعد فرنسا (التي كانت تتمتع بامتياز في هانكو، التي ضُمت إلى ووهان، بين عامي 1886 و1943) من الدول التي لديها استثمارات كبيرة في المدينة؛ إذ تستثمر فيها أكثر من 100 شركة فرنسية، ولشركة بيجو سيتروين للسيارات مصنع في ووهان ضمن شراكة مع إحدى الشركات الصينية.
ومع دخول حمى كورونا التي اجتاحت الصين بداية قبل أن تتفشى في أنحاء العالم، شهرها الرابع، يبدو أنّ بؤرة انطلاق الفيروس المستجد بدأت تتنفس الصعداء، كما أفادت قناة "العربية"؛ إذ جرى استئناف العمل في عدد من المجالات.
وشهدت ووهان حركة خجولة جداً في الشوارع، فيما أعلنت حكومة إقليم هوبي أنّ الصناعات الرئيسية ستستأنف أنشطتها في مدينة ووهان؛ بؤرة تفشي (كوفيد 19) الذي ما زال يحصد أرواح الكثير من الأبرياء حول العالم، وتلك مفارقة أخرى سينتبه إليها التاريخ وهو يكتب فصول هذه المأساة المرعبة التي انبثقت من هذه المدينة التي كانت في عشرينيات القرن الماضي عاصمة لحكومة كوومينتانغ اليسارية بقيادة وانغ جينغواي المعادي لشيانج كاي شيك. وتعد ووهان منطقة مدنية ممتدة لثلاث مدن دمجت في عام 1950 وهي: هانكو في الضفة الشمالية لليانغتزيه، وهانيانغ بجانب الهان، وووتشانغ في الضفة الجنوبية لليانغتزيه. وتحتوي على العديد من مصانع إنتاج الحديد والفولاذ، كما توجد بها، وفق "الويكيبيديا" جامعة ووهان، التي احتلت المرتبة الثالثة على مستوى البلاد في عام 2017، وجامعة ووهان للتكنولوجيا.

اقرأ أيضاً: الوزير المفوض لي دونج لـ"حفريات": الصين في طريقها لاكتشاف لقاح لكورونا
ومن الأحداث الفارقة المسجلة حصرياً باسم ووهان، الانتفاضة التي وقعت فيها، وأدت إلى سقوط أسرة تشينغ وتأسيس جمهورية الصين. وكانت ووهان لفترة وجيزة عاصمة الصين في عام 1927 تحت الجناح الأيسر لحزب الكومينتانغ. كما كانت المدينة، فيما بعد، عاصمة الصين في زمن الحرب في عام 1937 لمدة عشرة أشهر خلال الحرب الصينية اليابانية الثانية.
وما دام الحديث هنا عن التاريخ المفارق للعادة، فقد عانت ووهان من مخاطر الفيضانات، ما دفع الحكومة إلى إدخال آليات امتصاص صديقة للبيئة.
ومن الأحداث السعيدة في ووهان، احتضانها للألعاب الرياضية في بطولة آسيا فيبا 2011 وكانت واحدة من الأماكن لكأس العالم لكرة السلة فيبا 2019. واستضافت، أيضاً، الدورة السابعة للألعاب العسكرية العالمية في الفترة من 18 إلى 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2019. وقبل ذلك بعامين، اختارت اليونسكو مدينة ووهان كمدينة إبداعية في مجال التصميم.

زهر البرقوق شعار المدينة

ويعد زهر البرقوق شعارَ مدينة ووهان، وتم اختياره بسبب التاريخ الطويل لزراعة البرقوق المحلي واستخدامه، والاعتراف بالأهمية الاقتصادية الحالية للبرقوق من حيث الزراعة والبحث. وتم استخدام الخوخ البري المحلي طبياً خلال عهد أسرة تشين وهان.
تضاريس ووهان بسيطة؛ فهي منخفضة ومسطحة في الوسط، وذات منطقة تلال في الجنوب، ويمتد نهرا "اليانغتسي" و"هان" عبرها، فيما يصب نهر "شي" في نهر اليانغتسي في مقاطعة هوانغبي.

اقرأ أيضاً: الإمارات تستقبل العائدين من الصين.. ومغردون: "شكراً محمد بن زايد"
تمتد ووهان على مساحة تبلغ 8,494.41 كيلومتر مربع (3,279.71 ميل مربع)، معظمها سهل رسوبي مزين بالتلال وعدد كبير من البحيرات والبرك، بما في ذلك البحيرة الشرقية وبحيرة تانجكسون، اللتان تُعدّان أكبر البحيرات الواقعة بالكامل داخل مدينة في الصين. وتشمل البحيرات المعروفة الأخرى البحيرة الجنوبية وبحيرة الرمل. تقع بحيرة لينغاتسي، أكبر بحيرة من ناحية المساحة في مقاطعة خوبي، في جنوب شرق مقاطعة جيانكسيا. على ارتفاع 709 أمتار فوق مستوى سطح البحر، في حين تعد أعلى نقطة في ووهان هي القمة الرئيسية لجبل "يون يونو" في شمال غرب مقاطعة هوانغبي.
مناخ ووهان شبه استوائي رطب

مدينة شبيهة بالفرن
مناخ ووهان شبه استوائي رطب، يتميز بهطول الأمطار الوفيرة وأربعة فصول منفصلة. تشتهر ووهان بصيفها الرطب، عندما تصل نقاط الندى إلى 26 درجة مئوية (79 درجة فهرنهايت) أو أكثر.

سيقترن اسم ووهان بالأوبئة التي أهلكت البشر، ودمرت الاقتصادات العالمية، وأغلقت الحدود بين الدول، ومنعت الطائرات من أن تحلق

تاريخياً، وجنباً إلى جنب مع تشونغتشينغ ونانجينغ، يُشار إلى ووهان باعتبارها واحدة من "ثلاث مدن شبيهة بالفرن" على طول نهر اليانغتسي؛ لارتفاع درجات الحرارة في الصيف. ومع ذلك، تشير بيانات المناخ في الأعوام الأخيرة إلى أنّ ووهان لم تعد من بين المدن التي تأتي في مقدمة "أكثر المدن حرارة في الصيف"، والمدن الأربعة الجديدة التي "تشبه الفرن" هي تشونغتشينغ، وفوتشو، وهانغتشو، ونانتشانغ. الربيع والخريف معتدلان بشكل عام في ووهان، بينما يكون الشتاء بارداً مع تساقط الثلوج في بعض الأحيان.

اقرأ أيضاً: "العلاج أسوا من المرض".. الصين كافحت كورونا أم قمعته فقط؟
يتراوح متوسط درجة الحرارة الشهري في ووهان على مدار 24 ساعة من 4.0 درجة مئوية (39.2 درجة فهرنهايت) في كانون الثاني (يناير) إلى 29.1 درجة مئوية (84.4 درجة فهرنهايت) في تموز (يوليو).
يبلغ إجمالي هطول الأمطار السنوي 1,320 مليمتر (52 بوصة)، معظمه في الفترة بين نيسان (أبريل) وتموز (يوليو)؛ ومتوسط درجة الحرارة السنوي هو 17.13 درجة مئوية (62.8 درجة فهرنهايت)، وتدوم فترة غياب الصقيع 211 إلى 272 يوماً. 

الدين في ووهان

وفقاً لمسح نُشر في عام 2017، وأفادت منه "ويكيبيديا" فإنّ 79.2٪ من سكان ووهان هم إما يمارسون عبادة غير دينية، أو يمارسون دين الآلهة والأجداد؛ من بين هؤلاء 0.9 ٪ هم الطاويون. من بين المذاهب الدينية الأخرى، يلتزم 14.7 ٪ من السكان بالبوذية، و2.9 ٪ بالبروتستانتية، و0.3 ٪ بالكاثوليكية و1.6 ٪ بالإسلام، في حين أنّ 1.6 ٪ من السكان يلتزمون بأديان أخرى غير محددة.
سيتذكّر التاريخ ووهان، باعتبارها منشأ الفيروس الذي فتك بالبشر، وحبس سكان الأرض في بيوتهم أو في أقفاص مخاوفهم، ولن يتذكر الكثيرون أنّ ووهان واحدة من المدن الكبرى الأكثر قدماً وتحضراً في الصين، وأنّ عمرها يمتد لأكثر من 3500 عام.

اقرأ أيضاً: الصين وكورونا وأمن منطقة الخليج.. هل يفتح الوباء أفقاً جديداً؟
ولأنّ ووهان شهدت الكثير من المعارك الحربية المحورية طوال تاريخها سواء قبل الميلاد أو بعد الميلاد، فقد كان ذلك دافعاً لبناء أبراج المراقبة والحصون والأسوار المنيعة لحمايتها، علاوة على أنّ المدينة تعد، منذ فترة طويلة، وبخاصة أيام حكم المغول، مركزاً رئيسياً للفنون، لا سيما الشعر والدراسات الفكرية. فماذا سيقول الشعراء الآن ومستقبلاً عنكِ يا ووهان؟!

للمشاركة:



الكورونا يعصف بإيران.. ورئيس السلطة القضائية يرد على روحاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

أعلن المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية، كيانوش جهان بور، أمس، عن أحدث الإحصائيات الرسمية حول عدد المرضى وضحايا فيروس كورونا؛ حيث تم تسجيل 2274 حالة إصابة جديدة، فيما توفي 136 شخصاً في إيران، خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية. وهكذا يكون العدد الإجمالي للأشخاص المصابين بفيروس كوفيد-19 في إيران 60500، فيما بلغ عدد الوفيات 3739.

العدد الإجمالي للأشخاص المصابين بفيروس كورونا في إيران 60500، وعدد الوفيات 3739

وقال المتحدث باسم مركز مكافحة كورونا بوزارة الصحة الإيرانية إنّ 4083 مريضًا في حالة حرجة ويخضعون للعناية، وإنّ إجمالي عدد الأشخاص الذين تماثلوا للشفاء 24236 شخصًا، وفق ما أوردت وكالة "ايران انترناشونال".

وذكر المسؤول عن مكافحة  كورونا في طهران، علي رضا زالي، أمس: "لم نصل بعد إلى مرحلة السيطرة على هذا المرض، ولكنه في ازدياد"، مضيفًا: "وصلت كورونا إلى مرحلة الوباء في طهران، كما أنّ التقلبات في طهران ترجع إلى التحذيرات التي وجهناها في الأيام السابقة".

ومن جهته، قال رئيس السلطة القضائية الإيرانية، إبراهيم رئيسي، في اجتماع لكبار المسؤولين القضائيين، إنّ "الإجراء الاحتياطي هو إعطاء الأولوية لحماية حياة الناس، في الخيار بين الصحة العامة وبدء النشاط الاقتصادي".

ويمكن تفسير تصريحات رئيسي على أنّها رد فعل على تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني، أول من أمس، التي قال فيها إنّه اعتبارًا من يوم 11 نيسان (أبريل) الحالي، يمكن للقطاعات الاقتصادية في إيران أن تبدأ أنشطتها بشكل "محدود".

وأضاف رئيس السلطة القضائية الإيرانية أيضًا: "يجب أن لا يكون هناك أي تناقض في الأخبار المنشورة حول القرارات التنفيذية حتى لا يصبح الناس في حيرة من أمرهم".

رئيسي: إنّ الإجراء الاحتياطي هو إعطاء الأولوية لحماية حياة الناس في الخيار بين الصحة والاقتصاد

هذا وأظهرت نتائج استطلاع رأي تم إجراؤه على الإنترنت في إيران أنّ ثقة الشعب في أداء المسؤولين الإيرانيين وتصريحاتهم حول أزمة فيروس كورونا "أقل من المتوسط"، كما تظهر النتائج أنّ الثقة في تصريحات المسؤولين أقل من ذلك بكثير بين الشرائح الضعيفة في المجتمع.

وبناءً على هذا الاستطلاع الذي تم نشر نتائجه وتفاصيله أمس على قناة "مراقبة السياسة الإيرانية" التلغرامية، فقد منح المشاركون 3.3 درجة من 10 درجات على الأسئلة الخاصة بتصريحات المسؤولين وأدائهم حول فيروس كورونا.

وأشارت التحليلات الجارية على نتائج استطلاع الرأي، إلى أنّ النتائج تظهر مستوى "أقل من المتوسط" من الثقة العامة في تصريحات مسؤولي النظام الإيراني حول فيروس كورونا

للمشاركة:

التحالف العربي يكبد الحوثيين خسائر كبيرة.. تطورات المعارك في اليمن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

كثّفت مقاتلات التحالف العربي، اليوم، قصفها لمواقع وتجمعات حوثية في محافظة البيضاء وسط اليمن.

وقالت مصادر ميدانية نقلت عنهم صحيفة "اليمن العربي"، إنّ المقاتلات الحربية شنّت، اليوم، سلسلة غارات على مواقع وتجمعات الميليشيات في مديرية ناطع، والتي تشهد منذ منتصف ليل أمس، مواجهات عنيفة بين قوات الجيش والميليشيات المدعومة من إيران.

مقاتلات التحالف العربي تشن سلسلة غارات على مواقع وتجمعات ميليشيات الحوثيين في البيضاء

وأكدت المصادر أنّ الغارات أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من مسلّحي ميليشيات الحوثي، إضافة إلى تدمير آليات وأسلحة وذخائر متنوعة.

في سياق متصل، أحبطت القوات المشتركة  هجومين لميليشيات الحوثي الانقلابية في محافظة الحديدة، غربي البلاد.

وقالت ألوية العمالقة المشاركة ضمن القوات المشتركة على حسابها في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، إنّ القوات تصدت لهجومين منفصلين شنتهما ميليشيات الحوثي على مواقعها شرق الدريهمي وشارع الخمسين شرق مدينة الحديدة.

وأفاد مصدر عسكري بأنّ القوات المشتركة أوقعت عدداً من القتلى والجرحى في صفوف الميليشيات، وألحقت بها خسائر فادحة في العتاد.

هذا وأقدمت ميليشيات الحوثي على استحداث مواقع عسكرية جديدة في منازل ومزارع المواطنين شمال غرب مركز مدينة حيس جنوب الحديدة.

القوات اليمنية تصدت لهجومين منفصلين شنتهما ميليشيات الحوثيين على مواقعها شرق الحديدة

ويظهر تصوير للقوات المشتركة قيام الحوثيين بنصب مربض لمدفع هاون بالقرب من منازل المواطنين، واستحداث متارس قتالية داخل المزارع ونشر قناصة في المنازل وبناء خيمة لتسهيل عملية تموين الميليشيات.

وتوزعت مواقع ميليشيات الحوثي المستحدثة في مناطق بيت بيش وبني قوبع ومثلث العدين من جهة الشمال، وفي مناطق الحلة والحمينية وشعب بني زهير شمال غرب حيس.

هذا وقامت الميليشيات مؤخراً بتهجير المواطنين قسراً لتحول منازلهم ومزارعهم إلى ثكنات ومتارس عسكرية لها في ظل تصعيدها العسكري للهدنة الأممية بمحافظة الحديدة.

وتواصل القوات المشتركة اليمنية توجيه ضربات موجعة للحوثيين جراء خروقاتهم المتكررة للهدنة الأممية في مختلف جبهات القتال بالحديدة.

للمشاركة:

فيروس كورونا يفجر العنصرية ضد الأفارقة.. ما القصة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

وصف المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرسوس، تصريحات طبيبين فرنسيين حول ضرورة تجربة علاج ولقاح فيروس كورونا في أفريقيا، بـ "العنصرية المخزية والمرعبة"، وهي من بقايا عهد الاستعمار.

وأضاف أنّ "أفريقيا لن تكون ساحة اختبار لأي لقاح"، وأردف "إذا كانت هناك حاجة للاختبار في مكان ما، فيجب معاملة الناس على قدم المساواة. لقد آن لبقايا العقلية الاستعمارية أن تتوقف، لن تسمح منظمة الصحة العالمية بحدوث ذلك. إنّه لأمر مخز أن نسمع مثل هذه التصريحات من العلماء في القرن الحادي والعشرين. نحن ندين بشدة هذه التصريحات".

غيبرسوس: تصريحات الفرنسيين حول تجربة لقاح كورونا في أفريقيا عنصرية ومخزية ومرعبة

وكان الطبيب الفرنسي، جان بول ميران، دعا في برنامج تلفزيوني، إلى تجريب لقاح لعلاج فيروس كورونا المستجد على سكان أفريقيا.

وأثار برنامج، بثته قناة LCI الفرنسية، غضب ناشطين أفارقة، بعدما عرض أحد ضيوفه تجريب لقاح مفترض ضد كورونا في أفريقيا، على غرار تجربة أدوية للإيدز.

وكان الطبيب جون بول، رئيس قسم الإنعاش بمستشفى "كوشان" في باريس قد طرح سؤالاً على كاميل لوشت، مدير الأبحاث في مؤسسة "باستور" في مدينة ليل، بخصوص تجريب لقاح "بي سي جي"، المحارب للسل، ومدى فاعليته في مقاومة فيروس كورونا المستجد باعتبار أنّ المرضين يهاجمان الجهاز التنفسي.

وبدأ موران حديثه: "إذا كان بإمكاني أن أكون مستفزاً، أليس علينا إجراء هذه الدراسة في أفريقيا، حيث لا توجد أقنعة طبية، ولا علاج، ولا أسرة إنعاش، كما فعلنا من قبل في موجة الإيدز، عندما جربنا الأدوية على المومسات، لأننا نعلم أنهن أكثر عرضة، ولا يستعملن وسائل وقاية"، ورد عليه لوشت: "أنت محق ونحن نفكر بالموازاة بدراسة في أفريقيا، ويجري، حالياً، تقديم عرض، لكن هذا لا يمنع من التفكير في إجراء تجارب في أوروبا، وأستراليا أيضاً".

وأثار الحوار المذكور بين الطبيبين موجة من الغضب بين ناشطين من القارة الأفريقية، إذ اعتبروا ما جاء على لسانيهما غاية في العنصرية.

مجلس الأمن الدولي يعقد بعد غد أول اجتماع له حول فيروس كورونا المستجد

وفي سياق متصل بالوباء العالمي، يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس أول اجتماع له حول فيروس كورونا المستجد، الوباء الذي أثار على مدى الأسابيع الماضية انقسامات شديدة في صفوف الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس.

وكان تسعة من الأعضاء العشرة غير الدائمي العضوية في المجلس طلبوا الأسبوع الماضي، عندما سئموا من النزاعات الدائرة حول كوفيد-19 بين الأعضاء دائمي العضوية، ولا سيّما بين الولايات المتحدة والصين، عقد اجتماع حول الوباء، تتخلّله إحاطة من الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش.

وبحسب مصادر دبلوماسية، فإنّ الغموض ما زال يكتنف ما ستؤول إليه هذه الجلسة وما إذا كانت ستكرّس الانقسامات التي تباعد بين أعضاء المجلس بشأن الوباء، أو ستمثّل مناسبة يبدي خلالها أعضاؤه رغبة في الوحدة والتعاون، على غرار ما حصل في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أصدرت الخميس الماضي قراراً بإجماع أعضائها الـ193 على الرّغم من محاولة روسيا عرقلته.

ويكمن أحد أسباب الخلاف في إصرار واشنطن على تضمين أيّ بيان أو قرار يصدر عن مجلس الأمن، فقرة تشير إلى الأصل الصيني للوباء، وهو ما ترفضه بكين بشدة.

للمشاركة:



دولة الولي الفقيه.. هل تختفي بعد العاصفة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

فاروق يوسف

بعد أن سقط أكثر من ستين ألفا من البشر موتى لا يمكن الاستهانة بالحرب الدفاعية التي تقاوم البشرية من خلالها فايروسا، لا تزال إمكانية القضاء عليه مرهونة بتجارب وبحوث مختبرية لن تعلن نتائجها في وقت قريب.

حرب غير مسبوقة سواء من جهة نوعها أو من جهة رقعتها الجغرافية كشفت عن عيوب خطيرة في تقنيات دفاع الإنسان عن نفسه. لم يكن الاطمئنان القديم في محله. لقد تبين أن جبهة الإنسان بكل تحصيناتها كانت ممكنة الاختراق.

ذلك ما يجعلنا نعيد النظر في مسألة وجودنا على مستويات متعددة.

فإذا كانت القطاعات الصحية في دول متطورة كإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة، تسعى إلى إبعاد شبح الانهيار عنها بصعوبة، فهل يمكن التعويل على دول، قطاعاتها الصحية منهارة ولا تؤدي واجبها اليومي في علاج الأفراد بشكل صحيح؟

إيران تقف في مقدمة تلك الدول، وتليها دول عربية عديدة تعاني أصلا من تخلف وفقر قطاعاتها الصحية. وإذا كان كذب إيران في إحصاءاتها قد صار مفضوحا بالنسبة للعالم بسبب كونها بؤرة وباء، فإن دولة كالعراق تم تطبيع الموت فيها لا يمكن أن تكون أرقامها مصدر ثقة.

فالقطاع الصحي في العراق وفق المعطيات المعروفة لا يمكنه أن يتصدى لأمراض البرد العادية، فكيف به وهو يواجه مرضا يضرب الرئة ويقضي على فريسته في وقت قصير؟

عمليا فإن القطاع الصحي تهاوى في العديد من الدول ولم يعد قادرا على تقديم أقل الخدمات نفعا للمرضى. ليست هناك أسرّة كافية. كما أن غرف الإنعاش تكاد تكون مفقودة. أما أجهزة التنفس فلا يمكن التفكير بوجودها.

لم تكن تلك الدول مستعدة لحماية الأفراد وعلاجهم لذلك اكتفت بالاستعراض الإعلامي وهي تقف مكتوفة الأيدي أمام وباء جعل المجتمع كله مريضا.

ما صار جليا بعد مرور حوالي ثلاثة أشهر على ظهور الوباء العالمي أن المجتمعات تحتاج إلى وجود الدولة القوية بمفهومها الجذري الحقيقي، لا لأن تلك الدولة تدرأ الأخطار الصحية فحسب، بل وأيضا لأنها تكون مستعدة للتعامل مع تداعيات ما بعد الأزمة والتي تتعلق بالاقتصاد بشكل خاص.

ذلك امتحان حقيقي ستجتازه الدول الحقيقية بصعوبة، أما الدول الزائفة وقد سلمت شعوبها للموت المجاني فإنها ستتشبث برجاء الاعتراف الدولي بها باعتبارها دولا على الورق. أما واقعيا فإنها لا تستحق حتى ذلك الاعتراف الذي لا يقدم ولا يؤخر.

أكثر من 190 دولة لها سفراء في الجمعية العامة للأمم المتحدة. ذلك الرقم يجعل اجتماعات تلك المنظمة أشبه بالحفلة التنكرية. أعتقد أن هناك حاجة إلى أن يكون الرقم كبيرا من أجل تسويغ رعاية المنظمة لمشروع السلم العالمي الذي لا تعترف به دول عديدة.

السلم هو آخر ما تفكر فيه دولة مثل إيران.

إيران دولة معترف بها دوليا وهي عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، غير أنها لا تعترف عمليا بميثاق تلك المنظمة الدولية، كما أن طريقتها في التصدي لوباء كورونا كشفت عن أنها الدولة الأقل شعورا بالمسؤولية. لقد صدّرت إيران الفايروس إلى الدول المجاورة لها مستغلة سطوة ميليشياتها على تلك الدول.

ولكن إيران، بالفايروس أو من غيره، ليست دولة حقيقية ولا تستحق أن تكون عضوا في الأمم المتحدة. فهي أولا دولة حرب ولا تحافظ على السلام الدولي، وهي ثانيا تعرض أمن وسلامة مواطنيها لمختلف أنواع الأخطار بحثا عن منافع سياسية. ناهيك عن أنها لا تحترم الأعراف الدبلوماسية.

وفي مواجهة وباء كورونا لا تملك إيران سوى الحرس الثوري.

قد ينقذها العالم من خلال مدّ يد المساعدة إليها ولكن الحقيقة تظل شاخصة. تلك دولة يمكن أن تختفي في سنوات ما بعد العاصفة.

هناك شعوب في إيران تناضل من أجل تقرير المصير. عرب وأكراد وأذريون يجمعون على زوال سلطة الفرس.

من المتوقع أن يؤدي فشل النظام الإيراني في مواجهة الوباء العالمي إلى تفكيك دولة الولي الفقيه وهو ما يعني عمليا نهاية الدولة الزائفة في إيران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

مليونية "كورونا" والسقوط الإنساني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

جبريل العبيدي

«أنا لست فيروساً» الهاشتاغ الذي انتشر على شبكات التواصل بعد رصد حالات تمييز عنصري بسبب انتشار فيروس «كوفيد - 19»، نوع من التمييز ضد الآسيويين عامة والصينيين خاصة في أوروبا، بعد أن نشرت صحيفة «Le Courrier Picard» الفرنسية على صفحتها الأولى صورة لامرأة آسيوية ترتدي قناعاً تحت عنوان «الإنذار الأصفر»، ما أغضب الجاليتين الصينية والآسيوية.
مشاهد تمييز عنصرية انتشرت في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا، وحتى اليابان البلد الآسيوي تصدر الهاشتاغ ChineseDon›tComeToJapan# (أيها الصينيون لا تقدموا إلى اليابان)، حتى أصبح يكتب على أبواب أغلب المحلات والمطاعم «غير مسموح للصينيين»، في موجة بل تسونامي من النعرات العنصرية والتمييز، التي حاول البعض ربطها بالعقاب الإلهي للصين، بل ومحاولات تأويل وتفسير النص الديني بالأهواء من قبل أنصاف المتعلمين.

في ظل هوجة جائحة «كورونا» والإعلان عن تخطي عدد الإصابات المليون، ظهرت معها أنانية عالمية أشبه بحالات النهب العالمي، حيث يتم الاستيلاء على شحنات للمطهرات متجهة إلى بلدان معينة فتحول إلى دول أخرى، صاحَبها تحويلُ شحنة أخرى من الكمامات ومستلزمات الوقاية والسلامة الطبية من فرنسا إلى أميركا بعد أن دفعت أميركا ثلاثة أضعاف ثمنها للمصنع الصيني. كما أكد رينو موسيل رئيس مجلس مدينة بروفانس الفرنسية أن «شركات في الولايات المتحدة اشترت حمولة طائرة من الكمامات الصينية مباشرة على المدرج، كانت معدّة لفرنسا»، مؤكداً أنها كانت عبارة عن 60 مليون كمامة، وقال أيضاً: «إنهم (الأميركيين) يدفعون ضعفاً ونقداً، حتى قبل رؤية البضائع».
أيضاً يشاهد المرء ترحيلاً جماعياً للمقيمين والأجانب ونعرات عنصرية يطلقها البعض لطرد الأجانب في بلدانهم، لكن أن يمارس التمييز السياسي بين أبناء البلد الواحد، فإن هذا لأمر عجاب، فسياسة العقاب الجماعي فعلتها حكومة الوفاق الليبية مع البلديات الموالية للجيش الوطني الليبي، حيث منعت عنها الأموال المخصصة من الميزانية الليبية لمكافحة وباء «كورونا»، في سابقة؛ حيث تقدم مسؤول إخواني الهوى والانتماء في مجلس دعم القرار التابع لحكومة الوفاق بطلب منع وحرمان البلديات المعارضة لحكومة الوفاق في سياسة عقاب جماعي ممنهج، وبعد إعلان نحو 30 بلدية ليبية بياناً أوضحت فيه إمهال حكومة الوفاق لعدم توفير استحقاقات مالية ودعم مكافحة انتشار الفيروس الشرس، في ظل تخبط وضعف ملحوظ في أداء وزارة الصحة وشكوك محلية في أعداد حالات الإصابة المعلن عنها، مع تعتيم المركز الوطني عن ذكر البؤرة الموبوءة في البلاد، وذلك لوقوع المركز تحت سلطة الميليشيات.
ما فعلته الحكومة التي يسيطر عليها الإخوان، من تمييز وعقاب جماعي، لا يختلف عما يفعله النظام الإيراني من تجاهل للوضع الصحي في ظل جائحة «كورونا» مع سكان الأحواز المنطقة العربية المحتلة والمغيبة، وإن اختلفت الأسباب المتمثلة في العرق والمذهب في الحالة الإيرانية على عكسها في الحالة الليبية، حيث هم إخوة وطن فرقتهم آيديولوجيا «الإخوان» الوافدة التي أفسدت حياتهم السياسية والاجتماعية وارتهنت البلاد للمستعمر العثماني.
في ظل هذا المناخ المشبع باللاإنسانية والسقوط الأخلاقي والأنانية العالمية، نرى ونشاهد إنسانية وأخلاق الفرسان التي تمثلت في قرارات شجاعة أصدرها الملك سلمان بن عبد العزيز بعلاج ومداواة كل الناس؛ مواطن ومقيم، وحتى المخالف، مجاناً وتقديم كل الاحتياجات من مأكل ومشرب عبر سلات غذائية للمحتاجين كافة من دون تمييز، بل ودفع رواتب للمتضررين من الحجر الصحي وحظر التجول؛ لمسة ورسالة إنسانية في حرب عالمية ضد فيروس «كورونا» مسترشدة فيها بأخلاق العرب والإسلام والبادية، قبل أن يكون التزاماً بالمواثيق الصحية العالمية، كما جاء في مبادئ المادة 3 من اللوائح الصحية العالمية، فالصحة للجميع سياسة في السعودية التي أثبتت بجهودها وقدراتها على مواجهة جائحة عالمية كفاءة عالية أمام انهيار منظومة صحية عالمية كان يشار إليها بالانبهار، واتضح بعد «كورونا» أن الصحة لديها لمن يدفع فقط.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أطماع أردوغان توقظ الأوروبيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

عبدالحميد توفيق

‫‫القرار الأوروبي بالمباشرة بتنفيذ مهمة بحرية عسكرية في البحر المتوسط ابتداء من هذا الشهر -أبريل- تحت اسم "إيرين" لمنع وصول المزيد من الأسلحة إلى ليبيا، جاء بعد تردد وتلكؤ بين أوساط القيادات الأوروبية، حتى إن البعض منهم وصفه بالمتأخر؛ لأن أردوغان تمكّن من تمرير الكثير من السلاح والعتاد والمرتزقة إلى طرابلس، وتحوّل إلى أمر واقع لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه في أي مسعى دولي أو حتى أوروبي أو إقليمي يتعلق بحل مشكلة ليبيا، ومع ذلك شكّل القرار الأوروبي استجابة لصرخة تحذيرية أطلقها مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل حين قال: "إن الاتحاد الأوروبي مهدد بفقدان أهميته إذا لم يكن قادرا على التصرف تاركا مصير ليبيا بين تركيا وروسيا".‬

يبدو أن كيل الأوروبيين قد طفح جراء السياسة التوسعية التي تنتهجها تركيا - أردوغان، ولم تعد أمامهم من خيارات لدرء الخطر التركي المتنامي ضدهم وضد بلادهم ومصالحهم إلا مقارعة أردوغان بالأداة ذاتها التي يلوح بها لهم في ليبيا؛ أي الأسلوب العسكري لردعه، مستثمرين بذلك قرارا أمميا بضرورة وقف تدفق السلاح إلى أطراف الصراع الليبي، وبعد أن اقتربت أنقرة بسلاحها ومرتزقتها بقواعدها العسكرية التي أقامتها على الأرض الليبية من محيط الحدائق الخلفية للقارة الأوروبية تنبه سياسيوها إلى حجم الأخطار المترتبة على استمرار السكوت وعدم الاكتراث إزاء سياسة التوسع التي تسم نهج تركيا – أردوغان منذ وصوله وحزبه العدالة والتنمية إلى سدة السلطة قبل نحو عشرين عاما.

‫القرار الأوروبي يطرح الكثير من الأسئلة حول دوافعه وأبعاده الاستراتيجية وحول جدواه وحتى حول توقيته، كما يرسم إشارات استفهام عديدة بشأن إمكانية تطبيقه، وهل يمكن تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية محتملة إذا ما أصر الرئيس التركي على الذهاب بعيدا في تحدي الإرادة الدولية، وكون المهمة الأوروبية عسكرية الطابع ووظيفتها منع وصول السلاح إلى ليبيا؛ هل يمكن توفير غطاء دولي لها إذا اقتضت الضرورة؟‬

‫الملامح الأولية التي عكستها مواقف أنقرة وحكومة السراج وحلفائها الرافضة للتوجه الأوروبي توحي بأن المهمة لن تكون سهلة على الأوروبيين، لكن الأوروبيين متمسكون بقناعاتهم أنهم ينفذون قرار الأمم المتحدة القاضي بفرض حظر على إدخال السلاح إلى ليبيا وبأن مهمتهم ستخضع للتقييم كل أربعة أشهر وهذا يعني أنه وبقدر ما تنطوي عليه الخطوة الأوروبية من إرادة سياسية وإدراك لحجم تحديات المهمة، فإنها تنمّ في المقابل عن قناعة لدى عواصم الغرب بأن الضرر المترتب على مهمتهم الآن، أيّا يكن نوع هذا الضرر وحجمه ومداه، سيكون أقل بكثير من ضرر التزام الصمت وتجاهل دوافع وغايات سياسة أردوغان على المستوى الاستراتيجي وأطماعه بجميع الاتجاهات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تستهدف القارة العجوز بطريقة غير مباشرة خصوصا أن جغرافية ليبيا السياسية في واقعها تشكل في مفردات السياسة الأوروبية ركنا أساسيا من أركان الأمن القومي الأوروبي لعوامل تاريخية وجغرافية واقتصادية وسياسية، ولعل تجربة الأوروبيين مع الابتزاز التركي في قضية اللاجئين وتصديهم لها بعملية بحرية أطلق عليها حينها اسم "صوفيا" وما ترتب عليها من تبعات إنسانية واقتصادية وأمنية على بلدانهم، لعل ذلك شكّل حافزا ومحرضا لهم؛ فالأمر لم يعد مجرد حفنة من الأموال تُرضي وتُسكت العثماني الجديد بل يتعداه إلى تهديد استراتيجي لمصالحهم في ليبيا ومحيطها والبحر المتوسط برمته بعد الخطوات التي اتخذتها تركيا بشأن موضوع التنقيب عن النفط البحري واستثمار الغاز قرب شواطئ قبرص واتفاقياته مع حكومة طرابلس بهذا الخصوص.. وإذا كان السؤال المطروح يتمحور حول ماذا يمكن للأوروبيين أن يفعلوه بعد تمادي تركيا في عدم احترام القرارات الدولية من جهة، ولماذا الصمت الدولي تجاه خرقها للقرارات الدولية المتعلقة بهذا الأمر من جهة ثانية، فإن السؤال المواجه يتعلق بالبحث عن طبيعة وأسلوب الرد التركي على الخطوة الأوروبية في حال حدوث مواجهة مباشرة بين الجانبين، وهو احتمال قائم مرتبط بجوهر المهمة الأوروبية والقرار الأممي القاضي بتفتيش سفن يشتبه بنقلها الأسلحة؟‬

‫لم يتردد أردوغان في الإفصاح عن نواياه وخططه الرامية إلى الانخراط عسكريا وبالتالي سياسيا في الصراع الليبي تحت ذرائع متعددة، غير أن محرك ودافع أنقرة مكشوف للعيان ويتلخص باقتناص فرصة وجود حكومة السراج الإخوانية في طرابلس والتسلل إلى تلك المنطقة نظرا لحيويتها الاستراتيجية، والهيمنة عليها وعلى قرارها السيادي، السياسي والاقتصادي، وتحويلها لاحقا إلى ورقة ضمن حزمة أوراقه التي كدسها من أزمات معظم المناطق المضطربة في الإقليم وتوظيفها في مقايضاته على طاولة الأوروبيين وغيرهم من اللاعبين الذين تتقاطع مصالحه معهم أو تتعارض وتتصادم، وبعد أن راكم أردوغان الكثير من مواقف اللامبالاة والاستهتار بقرارات دولية بشأن ليبيا وغيرها في مناطق أخرى فإن المهمة الأوروبية لا يبدو أنها ستكون استثناء من فرضية العبث التركي أو بمنأى عن سيناريوهات كثيرة من بينها تهور أردوغان ودفعه بالأمور إلى ممرات ضيقة قد يصعب الخروج منها دون خسائر، ومن الطبيعي أن يكون الاتحاد الأوروبي قد أخذ بالحسبان جميع السيناريوهات المحتملة وهو يواجه سياسة قائمة على ردود الفعل والانفعال والابتزاز من قبل الرئيس التركي ومنها استغلال أردوغان لموضوع اللاجئين مرة أخرى وإطلاق العنان لهم عبر البحار نحو أوروبا، لكنهم أيضا، الأوروبيين، لا يخفون خشيتهم من أن الخطر الأكبر القادم من تركيا يكمن في آلاف المسلحين المرتزقة الذين يتوافدون برعاية وحماية تركيا إلى الأراضي الليبية وعلى مرأى أعينهم، والذين قد يشكلون يوما ما خطرا يهدد بلدانهم؛ ما جعل الأوروبيين أكثر استعدادا وإقداما للقيام بخطوات احترازية مسبقة مهما كانت نتائجها المرحلية قبل أن تستفحل وتخرج عن نطاق سيطرتها بفعل ألاعيب ومناورات أردوغان.. الموقف اليوم مختلف عما سبق، فأكثر من سبع وعشرين دولة أوروبية وافقت على المشاركة في المهمة، والقرار الأممي يشكل رافعة للمهمة الأوروبية وغطاء لها، أردوغان سيجد نفسه وسياسته أمام امتحان وتحدٍّ أوروبي ودولي كبير، وخياراته المعهودة دونها الكثير من الصعوبات.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية