جمال سليمان: سأترشح لرئاسة سوريا إذا توفرت هذه الشروط

جمال سليمان: سأترشح لرئاسة سوريا إذا توفرت هذه الشروط

مشاهدة

08/08/2020

أجرى الحوار: سامر مختار

قال الفنان السوري جمال سليمان إنّ الترشح لرئاسة سوريا أمر ممكن إذا توفرت مجموعة من الظروف والشروط، لافتاً إلى أنّ هذا الخيار يراوده.

كما أعرب سليمان، عن أسفه من إرسال مرتزقة سوريين للقتال في ليبيا. وقال إنه لشيء سيء ومؤسف جداً؛ حين يحارب الناس في أرض غير وطنهم مقابل راتب شهري، لا اسم آخر يسمّون به سوى "مرتزقة".

اقرأ أيضاً: الفنان السوري جمال سليمان: نريد العيش في وطن لا في مزرعة

وأضاف سليمان في الجزء الثاني والأخير من حواره مع "حفريات": هذه إحدى المصائب التي نعيشيها في الوقت الراهن؛ كلّما طال أمد الصراع، سوف ترى ظواهر مأساوية من هذا النوع.

وكان سليمان قال في الجزء الأول من الحوار، إنّ سوريا أصبحت كعكة شهية بالنسبة إلى كثير من المستثمرين والشركات ورجال الأعمال والدول، من أجل الاستثمار في سوريا لإعادة البناء، كلّ هذا قبل أن يكون هناك حلّ سياسي، بالتالي؛ قانون قيصر سيمنع هؤلاء من التحرك باتجاه النظام ودعمه.

روأى أنّ "قانون قيصر" سيكون له تأثير كبير على النظام، وعلى مصادر تمويله، وهذا الهدف الرئيس منه.

هنا تفصيل الجزء الثاني من الحوار:

ما تعليقك على موضوع إرسال جنود سوريين تابعين للفصائل المسلحة المدعومة من تركيا للقتال في ليبيا؟

هذا شيء سيء ومؤسف جداً؛ حين يحارب الناس في أرض غير وطنهم مقابل راتب شهري، لا اسم آخر يسمّون به سوى "مرتزقة"، وهذه إحدى المصائب التي نعيشيها في الوقت الراهن؛ كلّما طال أمد الصراع، سوف ترى ظواهر مأساوية من هذا النوع.

الفنان جمال سليمان من دوره في مسلسل صقر قريش

في إحدى مقابلاتك التلفزيونية، منذ عام تقريباً، قلت ما معناه أنّ "لا مشكلة لديك في أن ترشّح نفسك لرئاسة سوريا، وأنّ من حقّ أيّ سوريّ أن يرشّح نفسه للرئاسة"؛ هل تطمح فعلاً إلى أن تكون رئيس سوريا؟ وهل لديك تصوّر ما في مخيلتك بأنّك قادر على هذه المهمة؟

بالتأكيد لديّ تصوّر لسوريا، لكن بالتأكيد لا أرى نفسي بطلاً مخلصاً، ولا أرى أنّ سوريا تبحث عن بطلٍ مخلص لا وجود له أساساً.

في لحظة من اللحظات؛ نظرنا، كسوريين، إلى بشار الأسد، عام 2000، على أنّه البطل المخلص، لكن، مع الأسف، تبيَّن لنا عكس ذلك، وانهارت في نظرنا أسطورة البطل المخلص.

ما تحتاج إليه سوريا، اليوم، هو دولة مؤسسات ونظام سياسي جديد يكون فيه رئيس الجمهورية موظفاً، صحيح هو في أعلى رتبة وظيفية في الدولة، لكنّه مواطن منتخب لشغل هذه الوظيفة، إذا لم نستطع أن نفهم ذلك، لن نستطيع أن نبني سوريا الجديدة.

جمال سليمان: لديّ تصوّر لسوريا، لكن بالتأكيد لا أرى نفسي بطلاً مخلصاً، ولا أرى أنّ سوريا تبحث عن بطلٍ مخلص لا وجود له أساساً

سوريا تحتاج إلى معجزة كي تعود للحياة مرة ثانية، وهذه المعجزة لن يصنعها شخص واحد، إنما شعب حرّ يمتلك إرادته في انتخاب من يراه مناسباً لتمثيله في البرلمان وقيادته في سدّة السلطة التنفيذية، وهذا لن يتم ما لم يكن هناك دستور جديد يضمن سيادة القانون وحرية المواطنين ومساواتهم، بصرف النظر عن العرق أو الطائفة أو العشيرة، ولا يمكن أن يتم دون مرحلة انتقالية تستعيد الأمن والسلم، وتهيئ لبيئة آمنة ومحايدة، تضمن للمرشح، وكذلك الناخب، الحرية والأمن الشخصي، لممارسة حقّه الديموقراطي، وهذا لن يحدث دون إشراف أممي يضمن أعلى المعايير في النزاهة والمصداقية، لا أجهزة مخابرات تأتي بالناس من المصانع والمعامل في الباصات، أو تجمع البطاقات الشخصية "الهويات" وتضعها في صندوق الانتخابات، هذا لن يحدث إلا إذا أتيحت لكلّ سوري وسورية، داخل سوريا وخارجها، ممارسة حقهم الانتخابي، عند هذه اللحظة نستطيع القول إنّه باتت لدينا أجواء انتخابية، عندها فقط تستطيع أن تقول، إنّك ترشّح نفسك لانتخابات رئاسية.

اقرأ أيضاً: حذف عبارة من أغنية لماجدة الرومي يُشعل غضباً في لبنان.. ما علاقة الاحتجاجات؟

في كلّ الأحوال، كان لدي هدف آخر من التطرق لفكرة الترشّح للرئاسة، هو أنني في كلّ مرة أتناقش فيها مع مسؤول عربي، أو غربي، حول سوريا، أسمع العبارة نفسها، وهي: أنّ "نظام الحكم القائم الآن سيئ جداً، نحن نُقرّ بذلك، لكن لا يوجد بديل"، وأنا أشعر بأنّ هذه العبارة تحمل ازدراء ضمنياً للشعب السوري.

ازدراء ضمني للشعب السوري أم للمعارضة؟

للشعب السوري، ومن ضمنه المعارضة؛ ماذا يعني أنّ السوريين ليس لديهم بديل؟! هذا غير صحيح؛ السوريون لديهم البديل، وبالمناسبة، ليس على هذا "البديل" أن يكون من المعارضة، من قال إنّ البديل يجب أن يكون من المعارضة؟ هذا ليس شرطاً؛ البديل يجب أن يكون إنساناً سورياً محترماً، سواء كان من المعارضة أم من غيرها، وسواء كان مسيحياً أم مسلماً، هذا غير مهم، المهم أن يكون إنساناً وطنياً وصاحب رؤية مستقبلية، يصدّقه الناس وينتخبونه، بالتالي؛ فكرة أنّ سوريا لا بديل فيها لبشار الأسد، هي تماماً ترجمة لشعار "الأسد أو لا أحد"، وهذا شيء غير مقبول، لا يمكن أن تقوم الأوطان على شخص؛ هل إذا ذهب بشار الأسد تذهب سوريا؟ وحتى إن كان قائد سوريا "عمر بن الخطاب"، أو "علي بن أبي طالب"، إذا ذهبا تذهب البلاد معهما؟ هذا غير منطقي، بالتالي؛ يجب أن نقول للعالم "نحن لدينا بدائل"، وقد لا يكون البديل، كما تتخيلون، كأن يكون زعيم ميليشيا إسلاموية متطرفة جاء ليقتحم القصر الجمهوري ويحكم سوريا ويجعلها إمارة إسلامية، ليس بالضرورة أن يكون الأمر على هذا الشكل؛ من الممكن أن يأتي هذا الشخص من الوسط الثقافي والفني والمدني، ولديه الرغبة والاستعداد للقيام بهذا الواجب، من الممكن أن  يأتي من السلك الأكاديمي، أو من سلك الخدمة العامة، أو سلك رجال الأعمال، أو من أيّة جهة كانت، المهم أن يترشّح هذا الإنسان وفق القانون، وفي حال انتخبه الناس، أن يكون رئيساً للبلاد لفترة معينة، وأن يخضع للمراقبة والمساءلة والمحاسبة وفق الدستور.

الفنان جمال سليمان من دوره في مسلسل ربيع قرطبة

أنت سألتني عن الطموح، بالمناسبة هذا ليس طموحاً، في حالة سوريا، هذا نوع من الواجب الوطني، قد يصبح طموحاً في المستقبل، عندما تصبح سوريا بلداً مستقراً ومزدهراً، يمكن أن يكون عند عددٍ من الشباب الطموح أن يكون واحد منهم رئيساً لسوريا، لكنّي أرى أنّ هذ الأمر، في الوقت الراهن، هو واجب.

والغاية الأخرى التي دفعتني إلى قول هذا الكلام، وأنت أشرت لكلمة "المعارضة"، بمعنى؛ هل يوجد ازدراء للمعارضة؟ طبعاً، هناك ازدراء للمعارضة؛ إذ إنّ إحدى مشكلاتها التي ظهرت خلال الأعوام الماضية، هي أنّها لم تستطع أن تُبرز قادة حقيقيّين يحبّهم الناس، قادة حقيقيّين يتفاءل بهم الناس، ويعلقون عليهم آمال، يجب أن تكون المعارضة قد أفرزت خمس أو ستّ شخصيات، على الأقل، كي يقول الشعب السوري "لو يحكم فلان، أو فلانة، سوريا"، أو أن يقول السوريون "في حال ترشّح فلان أو فلانة سننتخبهم، وهم جديرون بأن يحكموا سوريا"، مع الأسف، المعارضة فشلت في ذلك.

اقرأ أيضاً: "أم هارون" من تكون؟.. نزاع كويتي عراقي على تويتر

أخيراً؛ ما دفعني إلى قول هذا الكلام، أنّني أرى أنّ النظام قد زرع فينا ثقافة تحريم التفكير بشغل المناصب الرسمية، وأنّ الشخص الذي يعبّر عن رغبته في أن يشغل منصباً رفيعاً هو مادة للريبة أو التهكم؛ فأنت، كمواطن، لا يحقّ لك أن ترى في نفسك، أو في زميلك، شخصاً جديراً، والذي يرى ذلك هو السلطة العليا، أو الرئيس، أو الأجهزة الأمنية، عندها سيوقظونك من نومك ويقولون لك: "تفضّل أنت وزير".

لقد تحوّلت المناصب إلى جوائز تمنح للمطيعين والمنافقين؛ هذه الثقافة يجب اجتثاثها، وإحلال ثقافة أخرى مكانها، تقول إنّ كلّ مواطن، أو مواطنة، من ذوي الكفاءة المناسبة، له الحقّ في التفكير في شغل أعلى المناصب الحكومية، في حال كان يتمتع بالكفاءة للقيام بذلك، وإذا انتخبه الناس.

هل تغيرت نظرتك للفنّ خلال الأعوام العشرة الأخيرة، إلى جانب انخراطك في السياسة؟ ماذا يمكن أن يقدّمه الفنّ اليوم؟ وكيف ترى دورك كفنان؟

أولاً؛ أنا لست منخرطاً في السياسة، هذا من حيث المبدأ، بل أنا منخرط  في العمل الوطني، وهناك فرق بين هذين الوصفين؛ فأنا لا أعيش في بلدٍ مستقر ومزدهر يتصارع فيه حزبان أو ثلاثة في الانتخابات، وقررت، على سبيل المثال، الانحياز لأحد هذه الأحزاب، هذا اسمه سياسة، من وجهة نظري، لكن عندما ترى بلدك يحترق، وعشرات الآلاف من الناس داخل المعتقلات، وملايين الناس ما بين نازحٍ ومهجَّر، وأناس يعيشون في الخيام، وملايين الأطفال السوريين محرومون من التعليم والصحة ومياه الشرب النظيفة؛ فهذا ليس انخراطاً في السياسة، بل إنّه واجب وطني وأخلاقي، تقوم به بوصفك مواطناً، سواء كنت طبيباً أو فناناً أو مهندساً أو محاسباً، مهما كانت مهنتك، وبالطبع؛ هذا الواجب الوطني تقوم به تبعاً لظروفك وإمكانياتك، وما هو متاح لك.

عبد الرحمن الداخل بطل حقيقي، استحقّ لقب صقر قريش، وأقام مُلك بني أمية في الأندلس بعد زواله في الشام، ليستمر قروناً من بعده، لكنه أيضاً إنسان يبكي، ويخاف

بالنسبة إليّ؛ أنا أقوم بواجبي من خلال مؤتمر القاهرة، وأنا عضو مؤسس فيه، وكذلك من خلال هيئة التفاوض واللجنة الدستورية، وهناك أناس غيري يقومون بهذا الواجب بأساليب أخرى، عبر العمل الإنساني، أو عبر المجتمع المدني، وعبر القضايا القانونية، وملفات المعتقلين، والمختفين قسرياً، جميعنا نقوم بواجبنا نحو بلدنا ووطننا.

عندما تكون فناناً ومشهوراً، والناس يحبّونك ويكنّون لكَ الاحترام، يصبح واجبك أكبر وأكثر إلزاماً، يجب أن تتمتع بحسّ أخلاقي نحو هؤلاء الناس، ويصبح واجبك نحوهم مضاعف، ويجب أن تدافع عنهم وتنتصر لقضيتهم، وفي حال لم تستطع عمل هذا الشيء بالفعل، فعليك، على الأقل، أن تعبّر بالكلمة، وهذا ما أقوم به.

أما نظرتي للفنّ فلم تتغير في جوهرها؛ كانت قبل الثورة، وما تزال، بعد الصراع الذي دار خلال عشرة أعوام، هي ذاتها لم تتغير؛ الفنّ لإمتاع الناس، لكن لا معنى ولا قيمة له ما لم يقم بدور تنويري، وما لم يساعد الناس في فهم واقعهم، وما لم يساعدهم في تغيير المظاهر السلبية في هذا الواقع.

هل تعتقد أنّ الدراما السورية قامت بهذا الفعل التنويري في سوريا؟

بالتأكيد فعلت؛ منذ أيام الأبيض والأسود كانت الدراما السورية تقدم أعمالاً معنية بالشأن الوطني والاجتماعي والسياسي، وبعد مرحلة انحسار عادت، مع نهاية الثمانينيات لتلعب هذا الدور، ليس على الصعيد المحلي فقط؛ وإنما على الصعيد العربي أيضاً، وأخذت سوريا إلى البيت العربي والأسرة العربية من المغرب إلى الخليج، وقدّمت هذه الدراما موضوعات متنوعة ومهمة.

الفنان جمال سليمان من دوره في مسلسل ملوك الطوائف

في مسلسل "خان الحرير"؛ تناولت نشوء الدولة الأمنية في سوريا، وفي مسلسل "الثريا"؛ تناولت موضوع نشوء سوريا السياسية التي تعرفها اليوم، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وفي "ذكريات الزمن القادم"؛ تحدثت عن ذاك المناضل الذي بدَّل جلده وأصبح مقاولاً مافيوياً يستخدم ما جناه من مال لشراء مكانة اجتماعية طالما تمناها، وفي "التغريبة الفلسطينية"؛ تحدثت عن مأساة الشعب الفلسطيني، وفي "عصيّ الدمع"؛  تحدثت عن الحقوق الاجتماعية والقانونية للمرأة، وفي "غزلان في غابة الذئاب" و"الولادة من الخاصرة"؛ تحدثت عن فساد السلطة وتغوّلها.

أما في مجال الكوميديا فقدّمت أعمال رائعة، مجبولة بقضايا الناس اليومية، وكذلك بعلاقتهم الظالمة مع السلطة، كما رأينا في عدد كبير من حلقات من مسلسل "مرايا" و"بقعة ضوء"، وكذلك يجب ألّا ننسى ما قدّمته الأعمال التاريخية.

في طبيعة الحال؛ هذه المسألة تختلف تبعاً لظروف المجتمع الذي تعيش فيه، فإذا كنت تعيش في مجتمع يعاني من تمييز اجتماعي وقانوني ضدّ المرأة، على سبيل المثال، فمن واجب الفنان أن يقدم أعمالاً تنتصر لقضية المرأة، وهذا ما فعلته الدراما السورية في كثير مما قدمت، وأنا تشرّفت بأنني كنت جزءاً من هذه التجربة في أكثر من عمل، منها "عصي الدمع".

اقرأ أيضاً: "الأستاذ والمجنون": استمع إلى أوراق الشجر، إنّها تخدش الهواء

إنّ ظروف المجتمع هي التي تحدّد الموضوعات، ومهمة الفنّ كانت دائماً وعبر التاريخ مساعدة الناس في تغيير واقعهم السيئ، والقضاء على الظواهر السلبية في حياتهم، والقدرة على تبني ما هو جديد ومفيد في الحياة.

أما الآن في سوريا؛ فمن واجبنا أن نتحدث عما جرى، إذا تسنّى لنا ذلك، وأن نتحدث عن المأساة السورية؛ لماذا حدث ذلك؟ ومن واجبنا أن نفضح كلّ الناس الذين سببوا أذى لسوريا وللمواطن السوري، وليس فضح ممارسات النظام فقط، بل من واجبنا أيضاً فضح ممارسات الناس الذين قالوا عن أنفسهم "معارضين"، لكنّهم شوّهوا هذه الثورة، واغتنوا على ظهرها، وحرفوها عن مسارها.

في قادم الأيام ستكون مهمة الفنّ كبيرة جداً في سوريا، وأكبر دور للفنّ في مستقبل سوريا هو الاشتغال على المصالحة المجتمعية، وبناء الجسور بين الناس.

اقرأ أيضاً: فيلم "قصة زواج": هل يموت الحب؟

يوجد، اليوم، انقسام اجتماعي كبير في سوريا، وهناك كراهية وبغض وعدم ثقة، قائمة على أسس طائفية أو عرقية أو مناطقية أو مذهبية أو سياسية؛ كيف ستعيد الناس اليوم للعيش مع بعضهم؟ بالتأكيد عندما تدور عجلة الاقتصاد، وعندما تخلق أملاً جديداً في الحياة، وعندما يعود الناس للعمل مع بعضهم، في المحلات والمعامل والمصانع، لكنّ الرواسب النفسية ستبقى، ولا شيء يستطيع إزالتها سوى الفنّ، فهو الذي سيرجع الناس لبعضهم.

الفنان جمال سليمان من دوره في مسلسل خان الحرير

ومن مهمة الفنّ في سوريا أيضاً، والدراما تحديداً؛ أن يحقّق شكلاً من أشكال العدالة الانتقالية، واليوم تجري أحاديث كثيرة حول العدالة الانتقالية، سواء في الوثائق الدولية، أو في المؤتمرات الخاصة بالمعارضة، أو من خلال الكتابة عنها، وهناك وجوه عديدة لتحقيق العدالة الانتقالية، وقد تحققت بطرق مختلفة في بلدان العالم، من جنوب أفريقيا إلى المغرب، مروراً بالبوسنة والهرسك، أي في كلّ البلدان التي شهدت صراعات كبيرة.

اقرأ أيضاً: 5 أفلام إيرانية مُنعت من العرض .. تعرف إليها

لا نعرف، إلى الآن، ما هو شكل العدالة الانتقالية التي ستطبَّق في سوريا؛ لأنّها ستخضع لظروف الصفقة السياسية؛ فعندما يبرَم اتفاق سياسي للانتقال السياسي في سوريا، بالتأكيد ستكون فكرة العدالة الانتقالية جزءاً أساسياً في هذا الاتفاق، لكن مهما كانت صيغة العدالة الانتقالية في سوريا، باعتقادي الفنّ سيلعب دوراً كبيراً جداً في تحقيقها، من الناحية النفسية والمعنوية؛ فمثلاً: إذا كانت فتاة قد خسرت فتاة والدها في أحد المعتقلات، تحت التعذيب، فما الشيء الذي سيعوضها؟ أنا أعتقد أنّ أموال العالم أجمع لن تعوضها، وحتى فكرة الانتقام، بأن يحاكَم الذي قام بتعذيب والدها، فمن الممكن ألا تعوضها، الشيء الوحيد الذي يعوضها هو أن ترى والدها على الشاشة بوصفه بطلاً، وتضحياته لم تذهب هباءً، وترى أنّ سوريا الديموقراطية التي مات والدها من أجلها قد ولدت، كيف سنعمل على ذلك؟ لا نستطيع أن نفعل ذلك من خلال "فرمان"، لكن نستطيع فعله من خلال عمل فنّي، سواء كان عملاً درامياً أو أدبياً أو أياً كان، هذا أحد الأمثلة، وهذا ينطبق أيضاً على العائلات التي فقدت أبناءها على يد داعش، أو جبهة النصرة، أو أية جماعة من الجماعات المتطرفة، بالتالي؛ الفنّ في سوريا لديه مهمات كبيرة جداً.

برأيك؛ هل من جدوى أو أهمية لاستمرار إنتاج أعمال تاريخية، سواء في سوريا أو العالم العربي، في ظلّ التحولات التي جرت في الأعوام العشرة الأخيرة؟ وهل هذا يُشير إلى أنّه لا يمكن في ظلّ ظروف معينة أن تُتنتج شركات الإنتاج أعمالاً تتناول فيها ما يجري في اللحظة الراهنة؟

أريد أن أسألك سؤالاً، وأرجو أن تجيب بصراحة؛ ما هي الأعمال التاريخية التي شاهدتها؟

شاهدت مسلسل "الزير سالم"، و"ربيع قرطبة"، و"ملوك الطوائف".

برأيك؛ هذه الأعمال تاريخية فقط؟

بالطبع، أستاذ جمال، أنا أقدّر هذه الأعمال، لكن لا أقصد الأعمال التاريخية التي أنتجت قبل عام 2011، إنما أقصد في الوقت الحالي.

في الأمس، واليوم، وغداً، وبعد غدٍ، يجب أن نقدم أعمالاً تاريخية.

أهمية الأعمال التاريخية لا تقل أهميةً عن الأعمال المعاصرة، لكن هذا يتوقف، بالطبع، على مستوى العمل التاريخي؛ فإذا كانت الأعمال التاريخية هي عبارة عن انتقاء أحداث وافتعال أخرى كي نصنع منها تماثيل رخامية لبعض القادة من الماضي، أو كي نمارس طقوس العبادة نحو هذا الماضي، فلا داعي لها، لكن إذا كان هدف العمل التاريخي تقديم رؤية نقدية للماضي، فهذا النوع من الأعمال مطلوب مثله مثل العمل المعاصر؛ لأنّنا أمة ما تزال تعيش في الأمس، وأمة لم تتخلص من ماضيها، أو ربما الماضي لم يصبح ماضياً بالنسبة إليها بعد.

مهمة الفنّ في سوريا والدراما تحديداً؛ أن يحقّق شكلاً من أشكال العدالة الانتقالية، واليوم تجري أحاديث كثيرة حول العدالة الانتقالية، سواء في الوثائق الدولية، أو في المؤتمرات الخاصة بالمعارضة

اليوم، في الثقافة الغربية؛ هل يرى الغرب أنّ الحروب الصليبية، أو أيّ من الحروب الاستعمارية، هي حروب مقدسة، أو أنّ أبطالها أشخاص عظماء فوق النقاش والمراجعة ويستحقون التحية والاحترام؟ بالنسبة إلى الغرب؛ الماضي هو ما وقع وانتهى، بالتالي، يكتبون عنه ويفكّرون فيه بلا تقديس.

أما نحن؛ فما نزال نتعامل مع ماضينا بنوع من القدسية، ولذلك نحن ما نزال مستعدين لأن نقتل ونقتَل من أجل هذا الماضي.

 خذ، على سبيل المثال، صراع يزيد بن معاوية والحسين بن علي، أو صراع معاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب، أو ما جرى في سقيفة بني ساعدة، أو ما جرى بعد ذلك، بين العباسيين والأمويين، كلّ هذه الأحداث لم تصبح بالنسبة إلينا ماضياً، نحن مستعدون لأن نموت من أجلها اليوم، لكن إذ استطعنا أن نقدم الأعمال التاريخية بروحها النقدية، وأن نقدم الأشخاص (أبطال الماضي) بما لهم وما عليهم، بلا تقديس، ونفهم أنّهم أبناء زمانهم، أعتقد أنّنا نستطيع التخلص من عبء هذا الماضي، ونستطيع أن ننظر إلى المستقبل.

اقرأ أيضاً: "من أجل سما": تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة

الأعمال التي قدمناها؛ من "صقر قريش"، إلى "ربيع قرطبة"، و"ملوك الطوائف"، جميعها انتهجت المقاربة النقدية لما وقع، وفصلت بين ما هو شأن ديني وما هو شأن سياسي وتاريخي، يتعلق بشؤون البشر وخياراتهم، حتى عندما يستخدمون الدين لتشريع هذه الخيارات.

في اعتقادي، أنّ إحدى مآسينا الكبرى؛ أنّنا لا نريد أن ننظر إلى ماضينا بشكل نقدي بعد، ولا نريد أن نزيح هالة التقديس عن الأشخاص والأحداث، وإذا فعلنا ذلك واستخدمنا المنهج النقدي؛ فإنّنا نستخدمه ضدّ رواية الطرف الآخر، ونرى أنّ روايتنا مسلَّمة لا يرقى إليها النقد والبحث، أذكر، على سبيل المثال؛ أنّ شخصاً على جانب من الثقافة، وكان وزيراً حينذاك، عندما شاهد مسلسل "صقر قريش" أعجب به جداً، لكنّه عاتبني لأنّ عبد الرحمن الداخل بكى على أخيه عندما ذبحه العباسيون على ضفة الفرات، وقال لي: "هل يُعقل أن يبكي بطل كصقر قريش؟"، هذا الرجل المثقف الذي وصل إلى مرحلة أصبح فيها وزيراً، لا يستطيع أن يرى عبد الرحمن الداخل بوصفه إنساناً ويمكن أن يبكي وهو يرى أخاه مذبوحاً.

اقرأ أيضاً: أي مستقبل لتجربة المسرح الصحراوي عند العرب؟

عبد الرحمن الداخل بطل حقيقي، استحقّ لقب صقر قريش، وأقام مُلك بني أمية في الأندلس بعد زواله في الشام، ليستمر قروناً من بعده، لكنه أيضاً إنسان يبكي، ويخاف، ويمكر ويغدر أيضاً، ويقتل ابنا أخيه، أحدهما على شبهة التآمر، والثاني لأنّه تعاطف مع ابن عمّه. 

ماذا تقرأ اليوم؟

أقرأ كتاب "أشياء كنت ساكتة عنها"، للكاتبة الإيرانية آذر نفيسي، إنّه كتاب جميل جداً، بعد أن قرأت لها "أن تقرأ لوليتا في طهران"، بدأت أقرأ هذا الكتاب، ومن العجيب كيف تعطي هذه المرأة صورة سياسية عن إيران، دون أن تتحدث في السياسة؛ إنما من خلال تفاصيل حياتية وأدبية وإنسانية واجتماعية وأُسرية.

من هم الأدباء السوريون الذين تحبّ قراءة أعمالهم وتشعر أنّ تجربتهم مهمة؟

الروائي السوري فواز حداد.

الصفحة الرئيسية