جماعة الإخوان والوجود الرقمي

"المنصات المشفّرة" وصناعة الوهم: كيف أعاد الإخوان بناء وجودهم داخل العالم الرقمي؟

جماعة الإخوان والوجود الرقمي


02/02/2026

في السنوات التي تلت سقوط حكم الإخوان في عام 2013، بدا أنّ المشهد السياسي والاجتماعي في مصر يتجه نحو إعادة بناء نظم السيطرة التقليدية للدولة، بينما كانت الجماعة تتراجع ميدانيًا بصورة حادّة، وتواجه تفككًا تنظيميًا وقياديًا لم تشهده منذ عقود. غير أنّ هذا التراجع لم يرافقه تراجع مماثل في حضورها داخل الفضاء الرقمي، بل على العكس، أصبح الإنترنت هو الحيّز الوحيد الذي احتفظت فيه الجماعة بقدرتها على الوجود والتعبئة وإعادة إنتاج خطابها. لقد فقدت الجماعة أدواتها التقليدية، لكنّها اكتسبت بالمقابل قدرة على التحرك في فضاء لا تحكمه الجغرافيا ولا القيود الأمنية التقليدية، فضاء يسمح للرسائل بأن تنتشر دون أن تحتاج إلى بنية تنظيمية متماسكة أو قيادة واضحة.

منذ أن دخلت المنطقة العربية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدا واضحًا أنّ ما حدث لم يكن مجرد تحولات سياسية مرتبطة بالاحتجاج أو الانتقال الديمقراطي بقدر ما كان تحوّلًا بنيويًا في طريقة تشكّل الوعي الجماعي وكيفية انتقال السلطة الرمزية في المجتمع. فقد كسرت أحداث الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2011 في مصر الاحتكار التقليدي للمشهد العام؛ فالمجال الرقمي المفتوح ظهر لأول مرة باعتباره فضاءً موازيًا تنتقل عبره الأخبار، وتتشكل من خلاله السرديات، وتُصاغ فيه المعاني الجديدة التي تتجاوز قدرة أيّ سلطة مركزية على التحكم بها. ومع هذا الانفتاح، تحولت التكنولوجيا إلى وسيط يعيد ترتيب العلاقة بين الفاعلين السياسيين من ناحية، والجمهور من ناحية أخرى، ويعيد توزيع القوة الرمزية في المجتمع بصورة لم تكن معروفة في الشرق الأوسط من قبل.

الإخوان المسلمون في مواجهة الفضاء الرقمي 

لقد كانت الهواتف المحمولة المرتبطة بالإنترنت في الفترة من 2010 إلى 2013 بمثابة الأداة الأولى التي مكّنت المواطنين من إنتاج المحتوى بأنفسهم، في لحظة كانت فيها الدولة تعتمد على إعلام مركزي يعتمد على البث الأحادي. ومع انتشار المنصات الاجتماعية مثل (فيسبوك وتويتر ويوتيوب)، ظهرت طبقة جديدة من "الفاعلين الإعلاميين" الذين ليسوا صحفيين بالمعنى التقليدي، لكنّهم  بفضل التكنولوجيا أصبحوا قادرين على نقل الأحداث وتفسيرها وتوجيهها بصورة جماعية تلقائية.  

ضمن هذا السياق وجدت جماعة الإخوان المسلمين نفسها أمام لحظة لم تستعد لها تنظيميًا أو فكريًا، لكنّها اضطرت إلى التفاعل معها سريعًا. فبينما كانت الجماعة تتعامل لعقود طويلة مع بيئة سياسية محكومة بالسرّية والانضباط التنظيمي والنظام الهرمي المغلق، وجدت نفسها في مواجهة فضاء اجتماعي رقمي مفتوح، غير خاضع للضبط، ومتغير اللحظة، وسريع التشكل، ويمكن لأيّ فرد أن ينافسها على إنتاج التأثير. ومع أنّ الجماعة كانت تمتلك تاريخًا طويلاً من العمل الدعوي عبر القنوات التقليدية، فإنّ المجال الرقمي فرض عليها منطقًا جديدًا: منطق السرعة، ومنطق التكرار، ومنطق الانتشار الأفقي الذي يتجاوز مركزية التنظيم.

ومع صعود ظاهرة "الدعاية الرقمية" التي أصبحت سمة أساسية للحركات الاجتماعية والسياسية عالميًا، اكتشفت الجماعة أنّ هذا الفضاء الجديد يوفر لها إمكانية الوجود حتى في ظل تراجعها السياسي على الأرض. كانت هذه اللحظة شديدة الوضوح بعد عام 2013، حين فقدت الجماعة بنيتها الميدانية تقريبًا، واضطر معظم قادتها إلى مغادرة البلاد أو العمل في ظروف استثنائية. وفي مقابل هذا الانكماش الواقعي، ازدهر حضورها الرقمي، إذ أصبح الإنترنت المساحة الوحيدة التي يمكن فيها صياغة رواية مضادة، وحماية الهوية التنظيمية، وبناء سرديات موازية تُعيد إنتاج الجماعة في أذهان أعضائها حتى إن غابت عن الواقع السياسي.

الفضاء الرقمي وبناء سرديات موازية للإخوان

وفي هذه المرحلة تحول الفضاء الرقمي بالنسبة إلى الجماعة من مجرد أداة مساعدة إلى "بديل تنظيمي كامل". لم يعودوا يعتمدون على الحلقات الدعوية التقليدية أو الاجتماعات الداخلية أو البنية الهرمية الواضحة. بدلًا من ذلك، أصبحت القنوات المشفرة، والمجموعات المغلقة، والدوائر الرقمية الصغيرة، هي الإطار الذي تُدار عبره العلاقات التنظيمية، وتُوزّع من خلاله الرسائل، ويُعاد داخله تشكيل الانتماء. ومع الوقت بدأ يظهر نوع جديد من الوجود التنظيمي، قائم على الشبكات، لا على المراكز؛ وعلى التفاعل المتقطع، لا على الانضباط الصارم؛ وعلى إعادة تدوير الرسائل بدلًا من إنتاج المعرفة الجديدة؛ وعلى البقاء الرقمي بدلًا من الحضور السياسي.

إنّ التحول الأبرز الذي شهده العقد الأخير لم يكن فقط انتقال الإخوان، أو غيرهم من الجماعات الإسلامية، إلى المجال الرقمي، بل دخول الذكاء الاصطناعي كمكوّن جديد يعيد تشكيل بيئة المعلومات ذاتها؛ فقد جعلت أدوات التوليد اللغوي، ومعالجة الصور، وصناعة الفيديوهات الاصطناعية، إنتاج المحتوى السياسي أمرًا أسهل وأسرع وأكثر قدرة على الإقناع. ولأوّل مرة امتلكت الجماعات الإسلامية، بكل تصنيفاتها، أدوات كانت حتى سنوات قليلة مضت حكرًا على المؤسسات الإعلامية الكبرى. وبسبب هذا  أصبحت عملية التأثير لا تعتمد على القدرات التنظيمية أو قوة الرسائل أو كفاءة القيادات، بل على القدرة التقنية المتاحة للجميع تقريبًا، بما في ذلك جماعة الإخوان.  

(تليجرام) وعالم المنصات المشفرة

ومع توسع منصات مشفّرة مثل (تليجرام)، التي توفر غرفًا مغلقةً مع إمكانية توزيع المحتوى بسرعة وضمان بقاء الهوية مجهولة، ازدادت قدرة الجماعة على بناء عالم رقمي موازٍ، مستقل عن الواقع السياسي والاجتماعي.

في المنطقة العربية، أصبحت غرف (تليجرام) بمثابة "مساحات انتماء"، لا مجرد قنوات لنشر الأخبار، وهذا ما منح الجماعة قدرة على الاستمرار رغم غيابها عن المجال العام. أمّا الذكاء الاصطناعي، فقد سمح بخلق محتوى يضخم هذا الانتماء، ويبني صورًا متعددةً للحدث الواحد، ويعيد تشكيل الذاكرة التنظيمية، وينتج سرديات يصعب التحقق منها، لكنّها فعالة في تعبئة الجمهور واستدامة الهوية.

بهذا الشكل، أصبحت دراسة الدعاية الرقمية للإخوان ـ عبر مراحلها الأربع: ما قبل الثورة، وما بعدها، وما بعد 2013، وما بعد الذكاء الاصطناعي ـ  ضرورة لفهم كيف تتغير الحركات الاجتماعية والسياسية في ظل بيئة معلوماتية جديدة. الأمر لم يعد يتعلق بوجود الجماعة من عدمه، بل بكيفية إعادة إنتاجها لذاتها، وبمسارات تأثيرها في المجتمعات المغلقة، وبقدرتها على صياغة سرديات تتجاوز حدود الواقع، وتمنح أعضاءها شعورًا بالتماسك حتى في لحظات الانهيار.

في هذه البيئة الجديدة أصبح "الحضور الرمزي" لا يقلّ أهمية عن "الحضور السياسي"، بل ربما يسبقه في حالات عديدة. فالانتماء في الجماعات العقائدية لا يقوم فقط على الفعل التنظيمي، بل على الإحساس الجمعي بالهوية المشتركة. ولذلك عندما تراجعت قدرة الجماعة على الحركة على الأرض، تحولت مهمتها الأساسية إلى الحفاظ على هذا الانتماء من خلال الرسائل، والصور، والمقاطع القصيرة، والبيانات التعبوية التي تُلقى داخل الفضاء الرقمي وتُعاد صياغتها باستمرار. وهنا، لم يعد من المهم أن تكون الجماعة فاعلًا سياسيًا حقيقيًا، بقدر ما أصبح المهم أن تظهر كفاعل ما زال موجودًا، قادرًا على التواصل، وعلى إنتاج خطاب مستمر يعيد التذكير بوجودها، مهما تضاءل تأثيرها في الواقع.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية