ثورة الزنج وحدت العبيد وانتصرت للفقراء.. فماذا كان مصيرها؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
29096
عدد القراءات

2018-07-05

حظيت سيرة القائد والشاعر الفصيح عليّ بن محمد، المعروف تاريخياً باسم "صاحب الزنج"، بجاذبية كبيرة من قِبل الكُتّاب والباحثين في التاريخ الإسلامي، ليس لأنّه قاد شِقاً من صفوف المعارضة ضد العباسيين فحسب، ولكن ربما بسبب تلك التناقضات التي أُحيطت بهذه الشخصية الثائرة من جانب، وعنفوانه تجاه السلطة، وثورته التي لم يكن له فيها ناقة ولا جمل من جانبٍ آخر.

لم يكن عبداً أو فقيراً أو طالب سلطة، فكل ما تواتر عنه من السير والتراجم والأطروحات التراثية في كتب التاريخ، يكشف نبرة عدائية تجاه هذا الرجل الذي أنهك الإمبراطورية العباسية، وهزم جيوشها على مدى خمسة عشر عاماً، ولم يتوانَ عما خرج إليه، حتى مقتله، لذلك فإنّ المصادر التاريخية التي رصدت نشأته لم تكن ذات غنى بما يكفي لتكوين صورة مفصلة عن هذا الثائر، علاوة على تأويلات تلك السيّر التي وجهتها الميول السلطوية.

كما تمّرد جَدّه على الأمويين نشأ علي بن محمد ناقماً على بني العباس لما فيهم من أمراض السلاطين

ينتسب علي بن محمد إلى قبيلة بني عبد قيس، وهي من قبائل البحرين، وأمه من بني خزيمة، كما أوردت روايات الطبري، الذي ذكر أيضاً سيرة جده لأمه، حيث كان بين صفوف الثائرين مع يزيد بن علي بن الحسين ضد بني أمية، وكان معه يوم مقتله، ثم هرب إلى قرية في بلاد فارس، قرب طهران الحالية، وهناك أقام؛ حيث مسقط رأس علي بن محمد، ثم انتقل مع أمه إلى سامراء، وفيها نشأ ومكث، وكتب الشعر وتعلم أصول اللغة وعلم النجوم، والترجمة، وفيها تكسّب رزقه عن طريق تعليمها للصغار؛ حيث كثر أعداد طلابه، وكان يصادق عليّة القوم من الكُتّاب والشعراء الذين كانوا يغدقون عليه العطايا، ولم ترد في آثار الشعر العربي أبيات من شعر مديح الملوك، كما كان يفعل شعراء عصره، ولم يرد من شعره سوى القليل ومعظمها يدل على خروجها من نفس متمردة تتوق للعدالة وتطلب العلا والمجد، ومن آثاره الشعرية:
وإنّا لتُصبِحُ أَسيــــافُنا        إذا ما انتُضِينَ ليومٍ سَفُوك

منابِرهُنّ بطونُ الأَكفِّ      وأَغمادُهنّ رؤوسُ الملـوك

النفس الثائرة تطلب العُلا

كما تمّرد جَده على الأمويين، نشأ علي بن محمد ناقماً على بني العباس لما رأى فيهم من الأمراض المتفشية في الحكام  والسلاطين، ربما كان هذا سبباً في إدعائه للنسب العلوي، كما تواتر عن المسعودي أنّ علياً ادعى نسبه إلى العلويين، وهذا لم يكن صحيحاً بالمرة، إذ لم يثبت نسبه سوى لبني عبد قيس، وهو ما عزاه الباحث الدكتور فيصل السامر إلى ادعاء باطل ربما أراد به الرجل إكساب ثورته شرعية دينية ليس أكثر، فهو لم يطمح لسلطة، ولكن أراد استمالة العامة من الناس إلى صفوف ثورته، التي كانت تهدف لتحرير الزنج من أسر الاستعباد والأذى.

اقرأ أيضاً: العلويون في تركيا: قصة طائفة اضطهدها العثمانيون والجمهوريون والإسلاميون

"ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد"

في كتابه "ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد"، يستطرد الباحث الدكتور أحمد علبي في سيرة الشاعر الثائر، الذي جمع ما يزيد عن مائة بيت شعر له ما بين الغزل الصريح والأشعار الثورية التي يفصح بها عما في دواخله تجاه مجتمع البصرة الذي انتقل إليه بشكل نهائي عام 254 من الهجرة، ولما رآه من أحوال الزنج الذين تم استغلالهم لصالح ملاك الأراضي الزراعية في البصرة، فاكتسب بعض الأنصار له، كان من بينهم على بن إبان ولد المهلب ابن ابي الصفرة قاتل الخوارج، ليصبح ابنه أحد مقاتلي ثورة الزنج البارزين، فخرج صاحب الزنج إلى بغداد ومكث فيها بضعة أشهر حتى عودته في العام 255، وهو عام اندلاع الثورة، وبداية قتاله لجيش العباسيين.

غلاف كتاب "ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد" للباحث الدكتور أحمد علبي

عاد عليّ من بغداد إلى البصرة في شوال من العام 255هـ بين نفر من أتباعه على رأسهم علي بن إبان، الذي كان أحد قادة جيشه، وانتفض أصحابه في دعوة الزنج إلى الإضراب عن العمل والالتفاف حول مخلصهم، في مكان يدعى بر نخل، فانتفض الزنج مع الرجل الذي ألقى فيهم خطبته الأولى يخبرهم بما يقع عليهم من ظلم واستغلال وما يعانونه من فقر وجوع وامتهان لكرامتهم الإنسانية، واعداً إياهم، بالنعيم الدنيوي إذا اتبعوه، فكثر عدد الزنج حوله حتى بلغ عددهم في البداية إلى 300 ألف عبد يتحدثون لغات مختلفة، وكان قد استجلب مترجمين ليترجموا خطاباته إلى من لا يتحدثون العربية، وأمر أصحابه ببناء عاصمتهم، وسموها المختارة، فكانت قلعتهم الحصينة في حرب الدولة.

زادت أعداد الزنج يوماً تلو الآخر، حتى بلغت قواهم قرابة مليون جندي. كان علي ذا عقل راجح ويملك إستراتيجية عسكرية أثبتت نجاحها في المعارك التي انتصر فيها على مدار أكثر من عشرة أعوام، كبّد فيها الجيش خسائر فادحة، وجعل الخلافة تخصص خزانة الدولة وبيت المال لأجل تسليح الجند للقضاء على علي وأصحابه.

ما بثته ثورة الزنج من الرعب تضاعف بعد انتصاراتهم على الجيوش التي فضلت الغرق في النهر على المواجهة

وعلى الرغم من هذا التشويه الذي طال الرجل، إلّا أنّ بعض الكتابات أنصفته، وسردت أخباره في الحرب، مثل كتابات المسعودي، الذي أورد فيها غاراته على البصرة وأهلها لما يكنّون له من عداء، ويرغبون في قتاله؛ حيث أخذ أصحابه الطعام والأموال والأسلحة التي تكفي حربهم، إلّا أنّه لم يهاجم قرية اتخذت منه موقف الحياد، ولم يؤذ الناس رغبة في إيذائهم. وفي موضع آخر وصفه الطبري بالفارس المارق، في إشاره لما كان يحمله من مكارم أخلاق منعته من إيذاء العامة، فكان يتوجه بالقتال نحو العباسيين وحلفائهم من أهل القرى. وفيما ورد في كتاب "مروج الذهب" أنّ سفينة مرت بهم وكانت تحمل الحجاج إلى بيت الله الحرام فاستوقفوها في البحر واحتجزوا الحجاج دونما أذى لأحدهم، حتى استحلفهم صاحب الزنج ألاَ يُخبروا أحداً بموضعهم، فأخذ عهدهم، وتركهم يرحلون سالمين.

فساد الحكم وشرعية الثورة

يروي ابن خلدون في مقدمته، أنّ الخلافة بعد علي ابن أبي طالب والخلفاء الراشدين، رضي الله عنهم، قد تحولت إلى ملك تسنده العصبية، وبعد أيام الرشيد وبعض ولده ذهبت معاني الخلافة ولم يبقَ سوى اسمها، وصار الأمر ملكاً بحتاً وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها، واستعملت في أغراضها من القهر والتقلب في الشهوات والملذات، هكذا حول الأمويون والعباسيون الخلافة إلى أوليغاركية يتقاذفها الخلفاء بين أبنائهم، فانتشر العوام والمهمشون وزاد الفقر وتفشت المجاعات، فكانت تلك الصورة الاجتماعية البائسة أكبر شرعية ثورية استمدها صاحب الزنج لقيادة حركته ضد العباسيين، فاستمر يعض على مطالبه بالنواجذ، وكان نتيجة ما فعله أن شُلّت حركة الزراعة في البصرة، وكبدت الأثرياء مبالغ طائلة، فبارت الأرض، وهلك الحرث، وبغارات عنيفة استطاع أن يُغني أًتباعه، فكانوا يقرصنون سفن الجيش، لما لديهم من قوة جسدية، ومعرفتهم الجيدة بخريطة الأرض التي يمكثون فيها، إذ كانت أرضاً وعرة، كثر فيها النخيل، بل تعد حتى اليوم من أكثر غابات النخيل كثافة في العالم، وهو ما جعل الحرب أشبه بحرب عصابات، استطاع الزنج الانتصار فيها حيث كانوا يتقون السباحة في النهر أيضاً.

اقرأ أيضاً: مؤرخو السلاطين إذ يهملون ثورة الزنج ويصفون أبطالها بالفاسقين

في ذات الوقت الذي انتفض فيه صاحب الزنج، جهر حمدان قرمط بدعوته القرمطية، التي استندت إلى مزيج من بعض الأفكار المعتزلية، ورسائل إخوان الصفا، ليكتسب أنصاراً في ثورته ضد العباسيين، وحاول أن يتعاون مع علي بن محمد، واتفقا في بادئ الأمر، إلّا أنّ خلافات نشبت بينهما، فافترقت السبل، ويعلل بعض الباحثين سبب الخلاف إلى أنّ علياً كان على مذهب الخوارج، وتحديداً الأزارقة، وهذا ما أشار إليه المسعودي والطبري في مواضع كثيرة، ولكن تنفيه أدلة أخرى أكثر محايدة من كتاباتهم.

اقرأ أيضاً: القرامطة سبقوا ماركس وأسسوا أول نظام اشتراكي منتخب

الخلاف ذاته نشب بين علي ويعقوب بن ليث قائد الصفارين في خراسان، وربما لو تحالفت كل تلك القوى الثورية في مجابهة طغيان الدولة لتغير الأمر كثيراً، ولكن فرقتهم المذهبية، وهذا ما أكدّ عليه أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة طنطا د. أحمد سالم لـ"حفريات" من حيث إنّ "تعدد صفوف المعارضة في العصر العباسي وتوازيها كان أمراً يمنح ثراءً سياسياً، حيث كان من الممكن أن يتغير الأمر كثيراً لو تكونت جبهة من الحلفاء، تجمعهم المطالب الاجتماعية التي لم تختلف في جوهرها ولا مظهرها، وإرجاء الخلافات المذهبية جانباً، ولكن هيمنة الدين على أفكار الناس، جعلته وحده ما يجمع بينهم".

ابن خلدون: الخلافة، بعد علي ابن أبي طالب والخلفاء الراشدين، تحولت إلى ملك تسنده العصبية

كرٌ وفر وانتصار فهزيمة

ما بثته ثورة الزنج من الرعب في نفوس الناس تضاعف بعد انتصاراتهم المتتالية على الجيوش التي فضلت الغرق في النهر عن مواجهة الجنود البواسل، وهي أيضاً ما دفعت العديد من خصومهم إلى أن يستشهدوا ببسالتهم في القتال، فلمدة عشر سنوات توجت معظم معارك الزنج بالانتصار، ثم تغيّرت الدفة، فبدأت الاستعانة بجيوش مصر والشام لحرب الزنج، وبدأت الهزائم تلحق بهم، إلّا أنّ علياً بن محمد كان متماسكاً بشكل كبير، حتى بعد أن حوصرت عاصمتهم المختارة أربع سنوات، منع عنهم خلالها الطعام والشراب والمؤن، وانفض بعض أصحابه من حوله فارين من هذا الجحيم، الذي دفعهم إلى أكل لحوم قتلاهم، فلم يعدل صاحب الزنج عما بدأه، حتى إنّ القائلين بأنّ الرجل كان طامحاً لملكٍ أو ثروة، تبددت ادعاءاتهم على عتبة العطايا التي رفضها صاحب الزنج من العباسيين، فحين كان يأتيه الرسل من بغداد يطلبون منه السلام مقابل أن يأخذ عن كل رأس من جيشه 50 ديناراً وهو ما يمكنه من ثروة طائلة، بل ويمنحوه إمارة يكون حاكماً عليها، ويتوعدون بتحريرأتباعه العبيد، كان يرفض ذلك ويأمر جنده من الزنج بأسر رسل العباسيين وأخذ أموالهم، بل وإذلالهم وتجويعهم، كما كان يُفعل بالزنج وقت عملهم.

اقرأ أيضاً: العرب في إفريقيا.. تفاعل حضاري لم ينقطع

ظل الحصار مفروضاً على المختارة التي طالها التخريب والتجويع والحرق والسلب والنهب، وأدرك الموفق أنّه يحارب خصماً وقائداً شرساً لا يتهاون مع أعدائه، فبعث إلى أحمد بن طولون في مصر، ليمده بجيش على رأسه لؤلؤة، فاستقبلهم الموفق بحفاوة، وهرب صاحب الزنج من المختارة، إلى قلعة المهلبي أحد قواده وظل لمدة عامين، في كر وفر مع الجيوش العباسية، وظل أصحابه يقاتلون ببسالة، حتى انهارت قواهم، بعدما أشيع خبر مقتله، وجلب رأسه إلى الموفق، الذي تنفس الصعداء بقضائه على ألدّ أعداء امبراطوريته.

اقرأ المزيد...

الوسوم: