
علي لفتة سعيد
مرّت الذكرى السنوية الثالثة لما عُرف بأحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حين شنّت حركة حماس هجومًا واسعًا على الكيان، مما ولّد صدمةّ داخلها، وأربك المنطقة والعالم، وفتح منذ ساعاته الأولى بابًا واسعًا من الاحتمالات. كان ذلك الفجر أشبه بجرس إيقاظ مفاجئ، إذ لم يكن أحد يعرف أن ما حدث في ساعاتٍ قليلةٍ، سيفتح حربًا طويلة، وأن تداعياته ستتجاوز حدود غزّة، وفلسطين كلها، إلى المنطقة والعالم، وستعيد القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش الدولي.
لكن بعد ثلاث سنوات لم يعد السؤال الأهم، هو ماذا حدث في ذلك اليوم، فقد أصبح الحدث معروفًا وموثّقًا ومحلّلًا من زوايا كثيرة، وإنما السؤال، ماذا فعلت النتائج بالمواقف التي تشكّلت في ذلك اليوم؟
في الساعات الأولى بدا العالم وكأنه انقسم إلى خمسة مواقف رئيسية. الأوّل رأى في هجوم حماس، فعلًا من أفعال المقاومة، وربطه بتاريخ القضية الفلسطينية والاحتلال والاستيطان والحصار، ورأى أن فهم السابع من أكتوبر لا يمكن أن يبدأ من ذلك الصباح وحده. والثاني أدان الهجوم، تحت حجّة استهداف المدنيين وأخذ الرهائن، ورأى أن عدالة القضية لا تبرّر تجاوز القواعد الإنسانية وقتل الناس فجرًا.. بينهما ظهر موقفٌ ثالثٌ خشي منذ البداية أن تكون العملية، مهما كانت نتائجها العسكرية، مقدّمة لحربٍ انتقاميةٍ واسعةٍ يدفع الفلسطينيون ثمنها الأكبر، خاص وأن كفّتي المعادلة، غير متساويتين من ناحية العدّة والعدد وحتى المساندة الدولية.
أما الموقف الرابع فكان موقف من رأى في العملية فرصةً لتحريك العرب والمسلمين، وربما لفتح الطريق أمام مواجهةٍ أوسع تغيّر موازين القوى، باعتبار حجّة الفرصة المتاحة التي بين هشاشة الكيان وضعف قوّته، فثمة فتيان نفّذوا هجومًا بأدواتٍ بسيطة، فكيف بجيوشٍ عربية. في حين كان الموقف الخامس ربما عدّ أكثر واقعية، فلم يعقد آمالًا على تدخّلٍ عسكريّ عربيّ أو إسلامي واسع، مدركًا أن موازين القوى الدولية والإقليمية لا تسمح بسهولةٍ بمثل هذا السيناريو، خصوصًا مع الدعم الأميركي والغربي للكيان، وانشغال العالم بحروب وصراعات أخرى، من الحرب الروسية ـ الأوكرانية إلى الملف النووي الإيراني.
كانت تلك مواقف تلك الأيام الأولى، أو حتى الأشهر، وربما نصف الفترة الزمنية. لكن السؤال الذي يمكن طرحه، هل تلك اللحظة شيء والنتيجة شيء آخر؟
إن ما يلاحظ بشكل مباشر، أنه بعد ثلاث سنوات، تبدّلت مواقع كثيرة، وانتقلت آراء من فريقٍ إلى آخر، لا لأن أصحابها تخلّوا بالضرورة عن مبادئهم, آرائهم، وإنما لأن الوقائع أجبرتهم على إعادة النظر في الوسائل والنتائج. فمن أيّد حماس لم يكن بالضرورة، مؤيّدًا لكل ما فعلته، وإنما كان في كثير من الحالات مؤيّدًا للقضية الفلسطينية، ورافضًا للاحتلال، لكن الحرب وضعت أمامه سؤالًا صعبًا، هل تكفي المفاجأة العسكرية لإثبات النجاح، إذا كانت نتائجها قد أدّت إلى هذا الحجم من الدمار والخسائر البشرية؟
وفي الجهة الأخرى، فإن من أدان هجوم حماس في بدايته، لم يبق بالضرورة مؤيّدًا لكلّ ما قام به الكيان بعد ذلك. فرفض استهداف المدنيين لا يعني منح الطرف الآخر حقًّا مفتوحًا في القتل والتدمير والتهجير. ومن هنا ظهرت مساحةٌ كان من الضروري أن تكون واضحةً منذ البداية، تأييد القضية الفلسطينية ليس بالضرورة تأييد حماس، ورفض هجوم السابع من أكتوبر ليس بالضرورة تأييد كل ما فعله الكيان بعده.. وهذه المساحة هي التي غابت كثيرًا عن خطاب الاستقطاب.
فالإنسان يستطيع أن يؤيّد حقّ الفلسطينيين في الدولة والاستقلال، ويرفض الاحتلال والاستيطان، وفي الوقت نفسه يرفض استهداف المدنيين. كما يستطيع أن يرفض هجوم حماس، ويتمسّك بحق الدولتين، لكنه يرفض العقاب الجماعي وتدمير المدن وتهجير السكان. فالقضية هنا ليست اختيار معسكرين، وإنما القدرة على التمييز بين حق الشعوب، وقرارات القوى التي تتحدّث باسمها، والوسائل التي تستخدم لتحقيق ذلك الحق. ومن هما طرفي النزاع أصلا؟
أما الذين كانوا ينتظرون تحرّكًا عربيًا وإسلاميًا واسعًا، فقد وجدوا أن الواقع كان مختلفًا عن التمنيات. لم تتحوّل العملية إلى حربٍ إقليمية شاملة، ولم تتحّرك الجيوش العربية بالطريقة التي تصوّرها البعض. وفي المقابل، أثبت الفريق الذي لم يتوقّع ذلك، أن قراءة موازين القوى كانت أقرب إلى الواقع، وإن كانت السنوات الثلاث قد حملت مفاجأة أخرى، القضية الفلسطينية، بدلًا من أن تختفي تحت ثقل الحرب، عادت بقوة إلى المشهد العالمي، وأصبحت موضوعًا واسعًا للنقاش حول الاحتلال والحقوق الفلسطينية والقانون الدولي.
وهنا تكمن إحدى مفارقات السابع من أكتوبر.. فقد حقّقت حماس مفاجأةً عسكريةً وأمنيةً كبيرة، لكنها لم تستطع التحكّم بكلّ النتائج التي ترتّبت عليها. وفي المقابل، امتلك الكيان تفوّقًا عسكريًا هائلًا، لكنه لم يستطع بالقّوة وحدها إنهاء القضية الفلسطينية أو إزالة مطلب الدولة الفلسطينية من المشهد. وبين المفاجأة العسكرية والتفوّق العسكري كان الإنسان الفلسطيني هو الذي دفع الثمن الأثقل.
لقد طال الدمار مساحةً واسعةً من غزّة، ولم يعد الحديث عن أهدافٍ عسكرية فقط، بل عن مدنٍ ومنازل ومؤسّساتٍ وبنيةٍ تحتيةٍ وحياةٍ يوميةٍ تحطّمت، فيما بقي السؤال مفتوحًا حول قدرة القوة العسكرية، مهما بلغت، على إنتاج حلّ سياسي دائم.
ومن هنا يصبح مفهوم الانتصار نفسه بحاجة إلى مراجعة. هل الانتصار هو القدرة على مفاجأة الخصم؟ أم القدرة على تحويل المفاجأة إلى مكسبٍ سياسي؟ وهل التفوّق العسكري يعني بالضرورة تحقيق الأمن؟ أم أن الأمن الذي لا يرافقه حلٌّ سياسيّ يبقى معرّضًا لإنتاج دورةٍ جديدةٍ من الصراع؟
هذه الأسئلة لا تخص حماس وحدها ولا الكيان وحده. إنها تخص أيضًا العرب الذين راهن بعضهم على تحوّل عسكريّ لم يحدث، والمجتمع الدولي الذي بقي عاجزًا عن إنتاج حلّ ينهي الصراع، وكلّ من اتّخذ موقفًا في الساعات الأولى، ثم وجد نفسه بعد ثلاث سنوات أمام نتائج لم تكن في حساباته.
لذلك فإن قيمة الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر، لا تكمن في إعادة الاصطفاف حول الحدث، وإنما في مراجعة المواقف التي ولّدها. فالحروب لا تختبر صحّة الشعارات في بدايتها، وإنما تختبرها عندما تظهر نتائجها. وقد يكون من حق الإنسان أن يغيّر موقفه إذا تغيّرت الوقائع، بل إن مراجعة الموقف ليست ضعفًا إذا كانت قائمة على قراءة جديدة للنتائج.
فبعد ثلاث سنوات، لم تختفِ القضية الفلسطينية، ولم تحسم القوّة العسكرية الصراع، ولم تتحقّق التمنيّات بتحرّكٍ عربيّ شامل، ولم تبقَ المواقف على حالها. لقد تغيّرت أشياء كثيرة، وربما كان أكبر ما تغيّر هو نظرة الناس إلى العلاقة بين المقاومة والقوّة، وبين الردع والأمن، وبين الانتصار والثمن.
ولهذا فإن السؤال الجديد، الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا ليس، من كان مع حماس ومن كان مع الكيان؟ بل، من كان قادرًا على النظر إلى ما بعد لحظة الانفعال؟
ففي السياسة والحروب يسهل اتخاذ الموقف في الزمن الأقرب، حين تكون الصدمة والمشاعر في ذروتها، لكن الاختبار الحقيقي يأتي بعد سنوات، عندما تهدأ اللحظة وتظهر النتائج. عندها لا يعود السؤال، ماذا كنّا نريد أن يحدث؟ بل يصبح السؤال الأصعب، ماذا حدث فعلًا، ومن دفع الثمن، وماذا بقي من كلّ تلك المواقف؟
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_5.jpg.webp?itok=X2IbcfVa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%860_1.png.webp?itok=L2H8EuWq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_9.jpg.webp?itok=KGlliuVz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A_2.jpg.webp?itok=P3ihZFtL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D9%88%D8%AD%D8%A9_2.jpg.webp?itok=qyNSW9Pk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200_1.jpg.webp?itok=EbJT_cKR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_2.jpg.webp?itok=ABIqH62X)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_6.jpg.webp?itok=vWlGvHUp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A8_1.jpg.webp?itok=Xh_lxKeo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_4.jpg.webp?itok=Gl7LLx_y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132.jpg.webp?itok=XtB3llMF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B41_0.png.webp?itok=l1o-Vngl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A96.jpg.webp?itok=CMePW5Ll)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_8.jpg.webp?itok=KjWK4U2t)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A_78.jpg.webp?itok=exirZbTv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-1_0_4_2_0_0.png.webp?itok=w3xvpROk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_1.jpg.webp?itok=8TNniebr)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200.jpg.webp?itok=wkrtYvi9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_7.jpg.webp?itok=I6xdJcur)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_14.jpg.webp?itok=aSKivHsG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A_0.jpg.webp?itok=tBMyYKB8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_129.jpg.webp?itok=aju99hfl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
