ثلاثون عاماً إخوانياً .. البحث عن شمس في غرف مغلقة!

ثلاثون عاماً إخوانياً .. البحث عن شمس في غرف مغلقة!

مشاهدة

28/08/2018

التفكير عمل بحد ذاته.. إنه الطريق السليم إلى العمل السليم.

أما في حال كان العمل تخريباً فهذا يعني حتماً فشلاً ذريعاً في التفكير، كما يقول شتاينبك. وبما أننا نعيش عصر متوالية الحروب الجامحة، فالمعاناة الكبرى نمارسها في إنتاج تفكيرات فاشلة.

التفكير بوصفه مرافعة الإنسان أمام حاضره للدفاع عن مستقبله، وبوصفه احتجاجاً على الذهاب للمجهول، فهو شكل من أرقى أشكال تأكيد الوجود؛ فأي عقل هذا الذي يستطيع أن يفكر دوماً في هلاكه وخيباته وخساراته، عبر إنتاج كل هذا الخراب والمعاناة والغربة والحزن..؟

كانت أول سنتين لي في الإخوان بلا وعي، ولم أعلم أنه كان يُعاد إنتاج خط تفكيري باتجاه أن أكون طيعاً 

لقد منَّ الله علينا في هذي البلاد العربية بثلاث: حرية التفكير، وحرية التعبير والمقدرة على عدم تطبيق أي منهما بالشكل السليم، ومع أنني لم أخترع هذه المقولة، وإنما مارك توين، إلا أن الحظ السيئ ربما أوقعني عليها بحذافيرها؛ لأن مثل هاتين الحريتين، من خلال التداول الواسع لهما على المستوى النظري العميق والعملي الضحل، بقيتا مثل حبر فاسد فوق ورق مجعَّد.

شبعنا تفكيراً وملأنا كل جيوبنا، ومارسناه بكل ما أوتينا من خيبات، ولعل ثلاثين عاماً وأنا في الإخوان، منحتني فهماً جديداً للتفكير، ومعانيه وتأويلاته، وإستراتيجياته وكيف للتفكير أن يكون خدعة طويلة الأمد، ومعادلاً موضوعياً للتسليم والانقياد والإذعان والخضوع بإرادة محاصرة ووعي منمَّط.

اقرأ أيضاً: لا تمُت إخوانياً

كانت أول سنتين لي في الإخوان بلا فهم، وبلا وعي، ولم أكن أعلم أنني إخوانيّ، وأنه يُعاد إنتاج خط تفكيري باتجاه أن أكون طيعاً وذاتاً مفكرة مع وقف التنفيذ، ولهذا دلالات وإشارات سيتم الحديث عنها لاحقا، لأكتشف بعد ثلاثين عاماً كيف كنت إخوانياً وذاتاً مفكرة مع وقف التنفيذ.

مع كل تلك السنوات الطويلة التي قضمت ثلاثة أرباع عمري لم أشارك في صياغة الأفكار التي نتلقاها

كان عليهم أن يعملوا على برمجة مسارات الوعي في بداياته، لصياغة الحقيقة التي يُراد لها أن تكون وتتخلق لتشكيل الإيمان واليقين في قلب مستسلم، عبر عمل حثيث واشتغال دؤوب على عنصري الوقت والذاكرة، فهما كما يدّعي "جون ديوي" فنانان حقيقيان؛ إذ يصوغان الحقيقة بما يقارب ما يريده القلب.

كل تلك السنوات مشيتها على "قلق" كأنّ الريح تحتي، وعلى "همّ" كأنّ الهمَّ بُلغة القاصدين، وخبرتي فيها خبرة سنة واحدة تكررت ثلاثين مرة، كما يقال، فأنا عملياً، مع كل تلك السنوات الطويلة جداً التي قضمت ثلاثة أرباع عمري للآن، لم أشارك في صياغة الأفكار التي نتلقاها، ولا مارست دوراً في انتخاب أحد من قادة الرأي داخل قلعة الإخوان، ولعل الدور الأبرز الذي كان لي هو أنني مارست السمع والطاعة باحترافية كبيرة، وجندية حقيقية بلا أية رتوش أو طموح، فالطموح -كما قال أحدهم- عقار يجعل مدمنيه قابلين للجنون، والجنون ممنوع.

أنا مدين للثلاثين تلك بفهم جيد، أنّ الفهم الذي هو أول أركان البيعة العشرة لدى الإخوان ليس سوى نظرية

كان عليَّ أن أكون عاقلاً جداً، ولكن على طريقة عبارة الفيلسوف والسياسي والاجتماعي الألماني الشهير كارل ماركس حين قال "قد يوجد العقل لدى الإنسان، ولكن ليس دائماً بشكل عقلاني"، وباعتبار ماركس قالها تشخيصاً، فإن الإخوان قالوها ممارسة فعلية وعملية تماماً.

أنا حتماً مدين لتلك الـ "ثلاثين عاماً" بالكثير من التعب والأرق والقلق، مروراً بأسئلة ظلت محبوسة داخل صندوق أسود يشبه العقل، بلا أجوبة، مدين لتلك السنوات الشاسعة بحقيقة أن الله أكبر من تصورات دائرتنا المغلقة وأن الجميع مؤمنون بمقدار، وملائكة بمقدار وشياطين مقدار، وأن الحياة ليست أن تكون إخوانياً أو كاذباً أو أن تكون إخوانياً أو كافراً، أو أن تكون إخوانياً أو منافقاً أو أن تكون إخوانياً أو جاهلاً.

اقرأ أيضاً: 5 محن عصفت بجماعة الإخوان المسلمين

أنا مدين للثلاثين تلك بفهم جيد، أنّ الفهم الذي هو أول أركان البيعة العشرة لدى الإخوان ليس سوى نظرية، إنه أشبه ما يكون بورقة اختبار بلا أسئلة، غير أن الإجابات جاهزة ومعدة سلفاً.

أنا مدين لها برحلة بحث عنيدة عن شمس دافئة في غرف مغلقة.

الصفحة الرئيسية