تيارات الإسلام الحركي والصراع على تركة "الحاكمية"

تيارات الإسلام الحركي والصراع على تركة "الحاكمية"

تيارات الإسلام الحركي والصراع على تركة "الحاكمية"


15/10/2026

عمرو فاروق

يعد مصطلح «الحاكمية» من المفاهيم التى أسست لشرعية تيارات الإسلام الحركى فى التمدد الفكرى والتنظيمى، وبناء الدوائر الدينية، والحواضن المجتمعية، فى ظل التوسع والتباين فى التفسيرات المرادفة والشارحة لمقتضياته الفقهية والعقائدية، التى قدمت توصيفاً يخدم المنحى التنظيمى والحركى، ومرتكزاً للتصارع فيما بينها على الهيمنة والاستحواذ على الكتل الجماهيرية، ومنها إلى السلطة التنفيذية والسياسية.

انطلقت تيارات الإسلام الحركى من مفهوم «الحاكمية»، إلى صياغة مفاهيم «الفئة المنصورة»، و«الطليعة المؤمنة»، و«جيل النصر المنشود»، والتى اختصت بها أتباعها وأعوانها، فى مقابل تعميمها لمفهوم «الجاهلية المعاصرة»، على مخالفيهم، كمبرر لتكفير الأنظمة الحاكمة، ومناهضة شرعيتها التنفيذية بالعنف المسلح، وفق ما تم ترجمته عملياً من واقع التاريخ المعاصر للجماعات الأصولية المتطرفة فكرياً والمنحرفة عقائدياً، فى ظل تحوله من مفهوم نظرى وفقهى، إلى أداة للتنافس على الشرعية والسلطة.

ربما النقطة الجوهرية التى استاقتها «تيارات الإسلام الحركى» تتمثل فى حالة النزاع فيما بينها حول «تركة الحاكمية»، وادعاء التفويض الإلهى فى توجيه المجتمع، والتفرد الحصرى بتمثيل مراد الله، ابتداءً من «الإخوان» و«التيارات السلفية»، مروراً بتنظيمى القاعدة» و«داعش»، انتهاءً بجماعتى «شباب المجاهدين» و«بوكو حرام»، وغيرهم، فى ظل ما قدموه من تصورات فكرية منفصلة حول التمثيل المطلق فى فرض الوصاية على الفهم الدينى، والاستحواذ الأيديولوجى على تأويل النص القرآنى، فضلاً عن تبريرات الاصطدام بواقع الدولة الوطنية الحديثة وبمفاهيم السيادة والدستور.

يعود أصل مفهوم «الحاكمية»، سياسياً، إلى معركة «صفين» والفتنة الكبرى، حين رفع «الخوارج» شعار «لا حُكم إلا لله»، وكان أول من تعرض بالنقد لهذا المذهب الفكرى الإمام على بن أبى طالب، رضى الله عنه، الذى قال فى معرض حديثه: «قولة حق يراد بها باطل»، منكراً فهم «الحاكمية» بمعنى السلطة السياسية، وقد تحول هذا الشعار لاحقاً فى العصرين الأموى والعباسى إلى غطاء فكرى لشرعنة السُلطة عبر ما عُرف بـ«الحق الإلهى»، حيث اعتبر بعض الخلفاء أنفسهم مستخلفين من الله مباشرة للحكم.

وفى التاريخ المعاصر، أعادت كتابات المفكر الهندى أبوالأعلى المودودى مفهوم «الحاكمية» للسياق السياسى، معتبراً أن أى نظام يمنح البشر سلطة التشريع يُعد خروجاً على مقتضى التوحيد، إذ إن التشريع فى نظره يمثل أحد مظاهر «السيادة الإلهية»، وأن جوهر الصراع يدور حول تحديد مصدر السلطة والتشريع داخل المجتمع، مثلما أوضح فى كتابه «الخلافة والملك»، إذ يقول «المودودى»: «إن محور نظرية الإسلام والسياسة تتمثل فى نزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدى البشر، لأن ذلك أمر مختص بالله وحده».

لم تتوقف رؤية «المودودى» حول مفهوم «الحاكمية» عند الإطار الفقهى، وإنما امتدت إلى المشروع الأيديولوجى الذى يعيد صياغة المجال السياسى والاجتماعى، وسار على خطاه سيد قطب، خاصة فى كتابه «فى ظلال القرآن»، عبر تفسيرات وتأويلات جعلته أخص خصائص الألوهية، ومن ثمّ تكفير النظم والمجتمعات، فيقول: «إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله، فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين، وإن مشكلة هذا الدين فى الأرض اليوم لهى قيام الطواغيت التى تعتدى على ألوهية الله، وتغتصب سلطانه، وتجعل لأنفسها حق التشريع بالإباحة والمنع».

تأويلات الأصوليين لقوله تعالى «وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ» شرعنة للسلطة التنفيذية، ونقلت مصطلح «الحاكمية» من دائرة الاختصاص فى التقاضى إلى ساحة الصراع على السلطة السياسية للدولة، ومن ثم التقاتل من أجل الفوز بها، باعتبارها أصلاً من أصول الدين وثوابته، ونقل صلاحيات «السيادة الإلهية» إلى الخليفة أو الحاكم، الذى يحرم الاعتراض على قراراته وحكمه، وإلى بطانته من «أهل الحل والعقد»، فيرى «المودودى» أن «الحكومة الصحيحة العادلة فى أرض الله هى التى تتأسس وتحكم بالقانون الذى بعثه الله على أيدى أنبيائه، وأن أى حكومة تحتكم للقوانين الوضعية باطلة لا شرعية لها، وكل ما يصدر عنها من أعمال لا قيمة له ولا وزن».

وفى هذا السجال الذى صنع حالة من الصبغة العقائدية على المفهوم، ونوعاً من عدم التمييز بين ثوابت الاعتقاد ومساحات الاجتهاد، يرى صالح سرية، قائد تنظيم «الفنية العسكرية»، أن الإيمان بالله يقضى بأنه وحده الذى يرسم منهاج الناس وشرائعهم، وعلى البشر أن يسيروا وفق ما شرع الله وإلا فهم كفار، ومن جهة أخرى أوجب محمد عبدالسلام فرج، أبرز قيادات تنظيم «الجهاد»، ومؤلف كتاب «الفريضة الغائبة»، قتال المخالفين لرؤيته حول أحقية «الحاكمية» لله بدعوى كفريتهم ومحاربتهم لله ورسوله، وفق سياق تفسيراته وانحرافاته الفكرية.

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية