"الحاكمية" ذريعة إخوانية لقيادة العالم

"الحاكمية" ذريعة إخوانية لقيادة العالم

"الحاكمية" ذريعة إخوانية لقيادة العالم


26/05/2026

تنطلق جماعة الإخوان، في خطابها لتكفير الحكومات القائمة، من أنّ هذه الحكومات تعتمد على القوانين البشرية التي اعتمدتها النظم والمؤسسات الدولية، وتحكم العالم إلى لحظتنا هذه. وتنفي القدرة البشرية على صياغة القوانين والشرائع الاجتماعية، وتصفها بعبودية البشر لبعضهم البعض. وتزعم جماعة الإخوان أنّ الحرية تتمثل في ترك الحكم لله انطلاقاً من قوله عزّ وجلّ: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)، والخروج من عبودية البشر وقوانينهم إلى عبودية الله عزّ وجلّ، وتُعلن جماعة الإخوان أنّها الوكيل الإلهي للحكم في الأرض، ومن ثمّ فإنّ على المُسلمين جميعهم العمل تحت لوائها وإدارتها، وتعدّ من ينتمون إلى الجماعة في زمرة المسلمين ومن لا ينتمون إليها غير مسلمين.

سيد قطب وتأسيس الحاكمية 

إذا كان حسن البنا هو المؤسس الفعلي لجماعة الإخوان المسلمين، فإنّ سيد قطب يُعدّ العقل المفكّر والمُنظّر للجماعة، وكان لقطب فضل كبير على جماعة الإخوان؛ وذلك من خلال توجيهها نحو تكفير كافة الحكومات القائمة، ورفض كافة المُنجزات الحضارية، من خلال مبدأ الحاكمية، لتنتقل جماعة الإخوان من طور جماعة سياسية تهدف لإقامة الخلافة، إلى جماعة مؤمنة حاملة الراية النبوية، وغاية الله في الأرض. 

يتمسك سيد قطب بأنّ الحُكم لله، ولا يمكن أن يكون للبشر، ويرى أنّ الحكم لله يكون من خلال اتخاذ القرآن كدستور حاكم يجب على الجميع الإذعان له وتنفيذ أوامره والعمل به، والقرآن لا يمكنه أن يجلس ليحكم الدول والشعوب، ولكنّه هنا يمثل دستور جماعة الإخوان وهي من تحكم من خلاله، ومن ثمّ يكون الاختلاف معها اختلافاً مع القرآن، ورفضاً لحكم الله، ومن ثمّ كفراً. 

وفي نظر قطب فإنّ العالم يقع في الجاهلية الثانية التي تجعله في حالة احتياج إلى دعوى محمدية جديدة، ويرى أنّ الخروج من وضع الجاهلية الثانية يحتم على البشرية أن تفعل ما فعله الجيل الأول من الصحابة للخروج من الجاهلية الأولى، وهو توحيد منابع السلوك الاجتماعي والفردي، والقوانين، لتتمثل جميعها في القرآن، ومن خلف القرآن تحضر الجماعة بوصفها مُطبقة لتعاليم القرآن، والساعية نحو الخروج من عبودية البشر لعبودية الله. 

ويتعامل قطب مع القرآن على أنّه رسالة مشفرة، يحمل هو كودها التشفيري؛ فهو يصف محاولته بقنطرة يعبر عليها الإنسان البعيد عن القرآن إلى القرآن، وكلّ مراده أن ينقل الإنسان داخل القرآن، وعدم تحقق هذا المراد يعني أنّه لم يقدم شيئاً. ووفقاً للتصور الذي يطرحه قطب عن نفسه يعدّ من المفهوم اتخاذ خطابه لهجة الإرشاد والتبليغ ووضعه خارج مفهوم البشرية، وطرح قراءته كممثل للنص لا يملك الفرد حياله سوى الإذعان له، واستبعاد كون قراءته تمثل قراءة بشرية تحمل في طياتها الانحيازات والأخطاء البشرية الطبيعية، بل يضع نفسه موضع نبوة، باعتبار طريقه هو الخلاص لهذا العالم، كونه المبلغ عن الله. 

الجماعة تطبيق لأمر الله 

يتحدث سيد قطب عن مراد الله ـ بوصفه العارف بمراده- فيقول: "الله ـ سبحانه ـ كان يريد بناء جماعة وبناء حركة وبناء عقيدة في وقت واحد، كان يريد أن يبني الجماعة والحركة، وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة". وجملة "الله سبحانه كان يريد" تفترض ضمنياً تطابقاً تامّاً بين تفسير قطب ومقصد الله، فيزعم قطب أنّ مراد الله هو بناء جماعة وحركة، متغافلاً عن تنافي هذا التصور مع دعوة القرآن الكونية بقوله تعالى في سورة الأنبياء: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) 107.

ووفق تنظير قطب أصبحت الجماعة ممثلة للإرادة الإلهية على الأرض، ومعارضتها تمثل معارضة للإرادة الإلهية على الأرض، ويصرّح قطب بأنّ "هذا الدين معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض، أو بتعبير القرآن الكريم (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)"، والإله الذي في الأرض تمثله جماعة الإخوان المسلمين، وإرادتها ومآربها السياسية تمثل إرادة ومآرب إلهية. 

والواقع أنّ جماعة الإخوان المسلمين كانت مُرضية لطموح قطب، حيث كانت تعبّر عن هدفه لتأسيس مدينة جديدة تكون العقيدة هي أساسها وجنسيتها؛ "لأنّ الجنسية التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة، التي يتساوى فيها العربي والروماني وسائر الأجناس والألوان تحت راية الله"، ويكون الحكم فيها للشريعة الإلهية، ويكون مردّ الأمر إلى الله وفقاً لما قرره من شريعة مبينة، وإلغاء كل قوانين البشر.

والمدينة القطبية الإخوانية تتخذ موضع المدينة الإلهية التي يحكم فيها الله، وينجم عن هذا أنّ أيّ تصور سياسي أو اجتماعي آخر هو خارج الدائرة الإلهية؛ فالتجارب البشرية جميعها تدور في حلقة مفرغة تحدها احتياجاتها البشرية والتصور البشري، وهما يتصفان بالنقصان، بيد أنّ قطب أراد صُنع نظام حكم إلهي يتعالى على هذا النقصان ويتجاوزه.

يقول قطب في كتابه "الإسلام ومشكلات الحضارة": "نحن ـ أصحاب المنهج الإسلامي للحياة ـ نملك للبشرية ما لا يملكه أحد آخر على هذه الأرض ...، وحدنا مكلفون أن نتقدم لحمل العبء، ولندلّ البشرية على هذا الطريق، ولننشئ الطريق أيضاً"، وتتعامل جماعة الإخوان على ذلك، حيث ترى أنّها تملك الخلاص الإلهي والحق الإلهي في قيادة الكون، ومن ثم تعتبر الاختلاف معها خيانة للدين وللأمرة وللعرض. 

ويضع قطب الجماعة بعد ذلك في إطار الفطرة والخلق، ويزعم أنّ "قيام المجتمع الإسلامي ضرورة إنسانية وحتمية فطرية" لتصبح جماعة الإخوان بعد ذلك فطرة إنسانية، والخروج عنها وعدم العمل تحت لوائها يخرج الفرد من الإطار الإنساني، وبلغة الفلسفة يرى أنّ انتصار الجماعة وسيادتها حتمية تاريخية، وذلك لتمثيلها الإنسان وفطرته ورغبته في الوجود والحياة.  

ويرى قطب أنّ "النظام الإسلامي يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده، ويسمّيها راية الإسلام، لا يقرن إليها أيّ اسم آخر ويكتب عليها: لا إله إلا الله." و"المجتمع الإسلامي هو الذي يتخذ المنهج الإسلامي كله منهجاً لحياته كلها"، وجماعة الإخوان المسلمين هي من تقود العالم نحو الحُكم الإسلامي العادل. 

 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية