
بين الواقع والطموحات
مقدمة:
يشكل تصريح بنيامين نتنياهو (في مايو 2026) حول رغبته في خفض الدعم المالي العسكري الأمريكي إلى "الصفر" خلال العقد القادم إلى تحول استراتيجي عميق في بنية التحالفات الإقليمياستجابة اسرائيلية استباقية لتغيير جوهري في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، حيث يعكس محاولة إسرائيلية لإعادة صياغة محددات التحالف التاريخي، بين واشنطن وتل ابيب، تلك الاستراتيجية الأمريكية طويلة المدى التي اصبح من ابرز عناوينها خفض الوجود العسكري المباشر في الشرق الأوسط للتركيز على منافسة القوى الكبرى (مثل الصين وروسيا)، ويبدو ان تل أبيب تقدم نفسها في ظل هذه المقاربة الامريكية نفسها بوصفها "الوكيل الإقليمي القوي" القادر على تأمين المصالح الأمريكية وسد فراغ الانسحاب دون أن تضطر واشنطن للتدخل بجيوشها.
سياقات الاعلان الاسرائيلي:
تدرك القيادة الاسرائيلية حجم التحولات والازمات التي تشهدها الاستراتيجية الأمريكية بخصوص علاقات واشنطن التاريخية مع تل ابيب،حيث اظهرت تلك التحولات تآكل الإجماع الحزبي التقليدي حول الدعم المطلق لإسرائيل، خاصة داخل الحزب الديمقراطي وبين الأجيال الشابة، والذي شكلت حرب غزة (2023) احد ابرز محطات هذا التحول، وهو ما ادركت معه تل ابيب أن المساعدات العسكرية باتت أداة ضغط سياسي بيد المشرّعين الأمريكيين للضغط على إسرائيل، لذا فان من بين تفسيرات تصريح نتنياهو هو انه يريد سحب "ورقة الضغط" هذه ، من الإدارات الأمريكية مستقبلاً لضمان حرية حركة عسكرية إسرائيلية مطلقة دون الحاجة لموافقة واشنطن، ومن المؤكد ان القيادة الاسرائيلية تتطلع إلى تغيير طبيعة العلاقة مع واشنطن من صفة "الدولة المتلقية للمعونات إلى "شراكة استراتيجية ندية"، وبما يوفرلها قيادة العمليات العسكرية الاستباقية في المنطقة ، دون أن تملك أمريكا حق الاعتراض الفعلي القائم على التهديد بقطع الإمدادات، وهو ما عبر عنه قادة ورموز في الحكومة اليمينية الاسرائيلية الحالية، على هامش جدالات عميقة، حول الحرب على حماس في غزة، خاصة مع الادارة الديمقراطية السابقة، بقيادة بايدن .
تقاطعات بين واشنطن وتل ابيب:
مؤكد انه وفقا لمعيطيات كثيرة فان الاستراتيجية الاسرائيلية تنسجم مع استراتيجيات واشنطن دمج إسرائيل في شبكة أمنية إقليمية مع الدول العربية (عبر امتداد اتفاقيات إبراهيم والتحالفات الدفاعية) لمواجهة التهديدات المشتركة، وبمرجعية رهانات ان تتحول اسرائيل إلى المورد التقني والعسكري الرئيسي للمنطقة، وبما يدعم مخططات واشنطن لبناء "ناتو شرق أوسطي" تديره تل أبيب وتدعمه أمريكا عن بُعد.
ويشار هنا الى ان الاستراتيجية الاسرائيلية ليست معزولة عن مقاربات امريكية، بدات تترجم بإعادة صياغة "المظلة الأمنية" في منطقة الخليج العربي، ووفق محددات جديدة تتضمن: إسرائيل كـ "بديل أمني"، فمع سعي واشنطن لتقليل انخراطها المباشر، يطرح نتنياهو إسرائيل كـ "شريك أمني موثوق" قادر على سد الفجوات الدفاعية لدول الخليج عبر تصدير التكنولوجيا العسكرية (مثل منظومة القبة الحديدية) وإرسال طواقم عسكرية مباشرة، وانجاز مشروع "الدفاع الإقليمي المشترك"، عبر بناء هيكل دفاعي يربط رادارات ومنظومات دول المنطقة بإسرائيل لمواجهة التهديدات المشتركة (خاصة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية)، مما يجعل الأمن الخليجي مرتبطاً تقنياً وعملياتياً بتل أبيب، ولا شك ان تحول القواعد الأمريكية في الخليج تتحول من "أدوات حماية" إلى "أهداف مباشرة" في الصراع الإسرائيلي-الإيراني، أثار نقاشاً خليجياً حول جدواها وتحولها من أصل استراتيجي إلى عبء أمني قد يجر المنطقة لحروب "اختيارية".
والمرجح ان الرهانات الاسرائيلية هنا تتضمن ان اسقلالها العسكري عن واشنطن، سيدفع دول الخليج للمطالبة باتفاقيات دفاعية أكثر "ندية" مع واشنطن، أو البحث عن بدائل وتحالفات تقنية مع إسرائيل لتعويض أي تراجع في الالتزام الأمريكي التقليدي، لا سيما وان دول المنطقة التي تواجه تهديدات صاروخية ستجد نفسها معتمدة على التكنولوجيا الإسرائيلية وهو ما سيمنح تل أبيب نفوذاً استراتيجياً كبيراً.
ومن بين الاهداف التي تتطلع اسرائيل لتحقيقها عبر هذه الخطة، بالهيمنة الإقليمية تصفية القضية عبر البوابة الإقليمية: بفرض واقع تصبح فيه القضية الفلسطينية "ملفاً هامشياً ملحقاً عبر" ترتيبات أمنية كبرى"،تهدف لإجبار المنظومة الإقليمية على قبول إسرائيل كشريك أمني مع بقاء السيطرة على الأرض الفلسطينية، وفيما يبدو انه ترجمة للخطة الاسرائيلية تزايدت وتيرة مصادرة الأراضي والأنشطة الاستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية كأمر واقع مستغل لحالة الانشغال بالحروب الإقليمية، فيما بات حل الدولتين يواجه انهياراً هيكلياً عملياً وانسدادا،رغم استمرار الضغوط العربية والاقليمية والدولية ،خاصة من الصين وروسيا بالاضافة للاتحاد الاوروبي والمجتمع الدولي، التي تؤكد أنه لا يمكن القفز فوق حقوق الفلسطينيين لإنشاء نظام أمني مستقر بالمنطقة.
عقبات امام الخطة الاسرائيلية:
رغم الطموحات التي تستبطنها الخطط الإسرائيلية، الا ان المؤكد ان هناك العديد من العقبات التي ربما تحول دون تحقيق اسرائيل هدفها بفرض هيمنة كاملة على الاقليم، فمن جهة تعاني إسرائيل من "أزمة مشروعية" شعبية حادة في العالم العربي، ومهما بلغت درجة التعاون العسكري أو الاستخباراتي خلف الكواليس، يبقى الغضب الشعبي الممتد (خاصة بعد أحداث غزة والحروب الإقليمية) عائقاً أمام أي اندماج سياسي أو ثقافي كامل، كما ان اسرائيل لا تتحرك في فراغ، فدول الخليج العربي (مثل السعودية والإمارات) ترفض فكرة التبعية الأمنية لأي طرف، وتسعى لبناء استقلاليتها العسكرية الخاصة وتطوير صناعاتها الدفاعية، كما تتبع سياسة "تصفير المشاكل" والتوازن الدبلوماسي مع قوى أخرى مثل الصين وروسيا وإيران، بدلاً من الدخول في حلف عسكري أعمى تقوده إسرائيل،ومن الواضح ان دول الخليج العربي تجد نفسها وسط "معضلة أمنية حادة"؛ فهي ترفض الهيمنة الإيرانية، لكنها في الوقت ذاته ترفض نظاماً إقليمياً تقوده إسرائيل مبنياً على التصعيد الدائم وحروب الاستنزاف التي تدمر عصب الاقتصاد الخليجي القائم على الاستقرار وسلاسل الإمداد، والمرجح ان تذهب العواصم الخليجية باتجاه التمسك بـ "الاستقلالية الاستراتيجية" ورفض الانخراط الكامل في الأحلاف العسكرية الهجومية، وبالتزامن فان التوتر الذي تشهده العلاقات التركية الاسرائيلية يشكل عائقا امام تنفيذ الخطة الاسرائيلي، فيما تبدو العلاقات "غير الدافئة" بين اسرائيل ومصر عائقا اخر، رغم ارتباط البلدين بمهاهدة سلام، وفي السياق نفسه فقد أثبتت الحروب الأخيرة ،منذ 2023 وحتى حرب فبراير 2026 مع إيران، أن العمق الجغرافي لإسرائيل محدود، وأنها تظل عرضة للاستنزاف الاقتصادي والبشري الطويل، مما يجعل فكرة "السيطرة الشاملة" على منطقة شاسعة أمراً غير واقعي عملياً.
وعلى الصعيد الدولي، فالمؤكد ان ترفض موسكو وبكين بشكل قاطع أي هندسة إقليمية تمنح إسرائيل والولايات المتحدة سيطرة مطلقة على الشرق الأوسط، ولمواجهة هذا المخطط،عمّقت موسكو تحالفها الاستراتيجي مع طهران. ورداً على الضربات الأمريكية-الإسرائيلية الأخيرة على إيران (في فبراير 2026)، تشير التقارير إلى تزويد روسيا لـطهران بدعم معلوماتي عبر الأقمار الصناعية وصور رادارية لزيادة دقة ضرباتها ضد المنشآت الحليفة لواشنطن،وتعتبر روسيا أن محاولة فرض الهيمنة الإسرائيلية ستدفع المنطقة نحو "هاوية تصعيد غير منضبط"، وبالتزامن ستواصل الصين استراتيجيتها المزدوجة؛ بالمطالبة بوقف التصعيد والالتزام الصارم بـ "حل الدولتين" لتقويض الشرعية الأخلاقية والسياسية لإسرائيل،وفي الوقت نفسه، فعّلت"قواعد حظر الامتثال" بتوجيه شركاتها لتجاهل العقوبات الأمريكية على النفط الإيراني، بهدف إفشال مخططات خنقها اقتصادياً لتثبيت الهيمنة الإسرائيلية، كما يشار هنا الى مواقف الاتحاد الاوروبي والاطراف الفاعلة فيه" بريطانيا،فرنسا والمانيا" التي تبدي الكثير من التحفظات على السياسات الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين وفي المنطقة.
ورغم ان الخطة الاسرائيلية تبنى على اساس تراجع القدرات والنفوذ الايراني، الا ان أحداث عام 2026 اثبتت أن إيران تتبنى استراتيجية "حرب الاستنزاف المفتوحة" لإحباط مشروع الدمج والسيطرة الإسرائيلي، عبر استهداف العمق الاقتصادي الخليجي، في رسالة عنوانها :ان أي نظام أمني تقوده إسرائيل أو يسهل ضرب إيران سيجعل من البنية التحتية والموانئ الخليجية أهدافاً مباشرة، واثبتت ايران قدرتها على تعطيل الملاحة الدولية عبر إغلاق وعسكرة مضيق هرمز، وبالتزامن فقد اثبت وكلاء ايران في لبنان، اليمن، العراق، وسوريا، قدرتهم على مواصلة تهديد إسرائيل، واضعاف قدراتها على تقديم نفسها كـ "قائد إقليمي"، رغم تراجع قدرات هؤلاء الوكلاء منذ السابع من اكتوبر عام 2023.





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yil65yhb0ltnpan5hqsv.jpg.webp?itok=i4xOuWNs)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)