
تتفاقم ظاهرة الإرهاب الرقمي في ظل الاعتماد المتزايد عليه من قبل التنظيمات المتشددة والأصولية الإسلاموية، بداية من الإخوان مروراً بالقاعدة إلى داعش، حيث يتم توظيف وسائط الاتصال الحديثة والمنصات الرقمية لتمرير خطابات التطرف وتجنيد المراهقين على نحو خاص، وتوسيع الحواضن الأصولية. ولم تعد وسائل التجنيد التي تتبعها التنظيمات المتطرفة تنحصر في النطاقات التقليدية بل انتقلت بشكل استراتيجي إلى الفضاء الرقمي، وتحولت الخوارزميات والذكاء الاصطناعي إلى أدوات تعبئة إيديولوجية. فمع تصاعد الاعتماد على المنصات الاجتماعية والألعاب الإلكترونية وغرف الدردشة المشفرة، بات المراهقون والشباب هدفاً مباشراً لعمليات استقطاب عابرة للحدود، تُدار عن بُعد وتتكيف بسرعة مع سياسات الحجب والرقابة.
التقارير الأمنية البريطانية الأخيرة بشأن لجوء تنظيم (داعش) الإرهابي إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي في ترويج وتعميم خطابه الدعائي، لا تعكس مجرد تطور تقني في أدوات التنظيم، بقدر ما تكشف عن تحول نوعي في بنية التهديد الإرهابي، من تنظيم عسكري هرمي إلى شبكة رقمية مرنة قادرة على إعادة إنتاج نفسها داخل البيئات الافتراضية الأكثر استهلاكاً من قبل المراهقين. هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية حول حدود فعالية المقاربات الأمنية التقليدية، وقدرة الدول على مواكبة التطرف المُرقمن الذي يتغذّى على العزلة الاجتماعية، وأزمات الهوية، وسهولة الوصول إلى محتوى جرى تصميمه خصيصاً لتحريك الانفعالات القصوى والتطبيع مع العنف.
معركة معقدة
في هذا السياق، لم تعد المواجهة مع التنظيمات المتطرفة صراعاً أمنياً فحسب، بل معركة معقدة ولها جملة أبعاد مركّبة، تشمل التكنولوجيا، والتعليم، والصحة النفسية، وسياسات المنصات الرقمية، وهو ما يفرض إعادة تعريف شامل لمفهوم مكافحة التطرف في عصر الذكاء الاصطناعي. وتكشف تحقيقات موسعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عن تنامي خطر شبكة تطرف إلكتروني تُعرف باسم 764، متهمة باستهداف مراهقين عبر المنصات الرقمية، ودفعهم للانخراط في أعمال عنف، تصفه السلطات الأمنية والاستخبارية الأمريكية بـ "إرهاب العصر الحديث". وبحسب شبكة (إي بي سي نيوز)، فقد أجرى مكتب التحقيقات الأمريكي أكثر من (350) تحقيقاً مرتبطاً بهذه الشبكة وفروعها التي تنتشر عالمياً وتضم في معظمها قُصّراً، مستغلة ثغرات في الجوانب النفسية لدى ضحاياها، عبر الابتزاز الرقمي، وبث مشاهد العنف والتعذيب مباشرة على الإنترنت.
وبحسب جاستن شير المحامي الأمريكي في فرع الأمن القومي بوزارة العدل، فإنّ أعضاء الشبكة يجمعون معلومات شخصية وصوراً حساسة من ضحاياهم، ويبتزوّنهم لإيذاء أنفسهم أو الآخرين، وينشرون ذلك على الإنترنت لتعزيز مكانتهم داخل المجموعة. وفي تقرير للشبكة الإخبارية الأمريكية، خلال النصف الثاني من الشهر الماضي، تشير إلى توقيف شاب يبلغ (21) عاماً في ولاية نيوجيرسي، يشتبه في محاولته ابتزاز فتيات مراهقات لإجبارهن على إرسال مواد جنسية، بالتزامن مع تخطيطه لتنفيذ هجمات داخل الولايات المتحدة على نمط تنظيم داعش، وقد عُثر في منزله على معدات ومواد مرتبطة بصناعة المتفجرات. وتكشف تفاصيل وملابسات القضية مأساة عائلات عدة، من بينها أسرة مراهق يبلغ (13) عاماً من واشنطن، بثّ انتحاره مباشرة عبر الإنترنت، بعد تعرضه لضغوط من عناصر مرتبطة بشبكة 764، التابعة لتنظيم داعش. وتعود جذور الشبكة إلى عام 2020، حين أسسها مراهق أمريكي يُدعى برادلي كادنهيد، مستفيداً من تزايد لجوء الشباب إلى الفضاء الرقمي خلال جائحة كورونا. ومع مرور الوقت تحولت الشبكة الرقمية الإرهابية من مجموعة محدودة إلى ما يشبه مظلة إيديولوجية تضم عشرات المجموعات الفرعية التي تستخدم أسماء مختلفة للتحايل على الرقابة الأمنية.
وتشير وثائق قضائية، بحسب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، إلى أنّ الشبكة جندت أعضاءها بناء على "مدى تطرف ووحشية المحتوى" الذي ينتجونه، بما في ذلك إجبار الضحايا على إيذاء أنفسهم، وتصوير تلك الممارسات وبثها لتحقيق شهرة داخل الدوائر المغلقة للشبكة. وفي خطوة غير مسبوقة وجهت وزارة العدل الأمريكية تهمة الإرهاب إلى أحد القادة المرتبطين بالشبكة، وهو مراهق من ولاية أريزونا، يواجه عشرات التهم تشمل استغلال الأطفال، والتحريض على القتل، وتقديم دعم مادي للإرهاب.
استهداف الأطفال
قال مدير التحقيقات الفيدرالية، كاش باتيل، أمام الكونغرس: إنّ ما تواجهه الولايات المتحدة "يمثل شكلاً جديداً من الإرهاب، يستهدف المجتمع من جذوره عبر استهداف الأطفال". وتشير التحقيقات إلى أنّ عناصر الشبكة يروّجون أيضاً لعدة إيديولوجيات تدميرية ومتطرفة، إلى جانب تمجيد الهجمات الدموية التي طالت الولايات المتحدة في العقود الماضية. ورغم التقدم في ملاحقة الشبكة يواجه المحققون تحديات قانونية عديدة، أبرزها أنّ غالبية المتورطين من القصّر والمراهقين، بالإضافة إلى صعوبات تتعلق بالتعاون الدولي بخصوص ملاحقة المتهمين خارج الولايات المتحدة.
لهذا يتصاعد الجدل داخل الكونغرس حول التشريعات المطلوبة التي تهدف إلى تعزيز حماية القُصّر على الإنترنت، من بينها "قانون سلامة الأطفال على الإنترنت"، وسط مطالب بتحميل المنصات الرقمية مسؤوليات أكبر، وفق الباحثة الأمريكية إيرينا تسوكرمان، موضحة لـ (حفريات) أنّ التهديدات الرقمية تقلص من مساحات الأمان التقليدية، خصوصاً في ظل بيانات تكشف عن تنامي حالات الاستغلال وأنماط التعبئة في الفضاء الافتراضي التي بلغت حتى النصف الأول من العام الحالي نحو (1000) بلاغ مرتبط بشبكات رقمية مماثلة لشبكة الإرهاب التابعة لتنظيم داعش، وهو ما يعكس اتساع حجم الظاهرة وخطورتها المتزايدة.
ويُحذّر مركز (صوفان) للدراسات الأمنية من تنامي ظاهرة تطرف الشباب عبر الإنترنت على نطاق عالمي، مؤكداً أنّ المنصات الرقمية باتت تشكل البيئة الأسرع والأكثر فاعلية لاستقطاب المراهقين، في ظل تراجع قدرة المؤسسات والأجهزة الأخرى المعنية بالتنشئة الاجتماعية والثقافية على لعب دور وقائي. ووفق تقرير صادر عن المركز في 9 أيلول (سبتمبر) العام الحالي، لم تعد عملية التطرف مساراً طويل الأمد يمتد لأعوام، بل أصبحت في كثير من الحالات تتم خلال أيام أو حتى ساعات، بفعل الانتشار الواسع لمحتوى دعائي متطرف قصير وسريع التأثير على منصات التواصل الاجتماعي.
ويشير التقرير إلى أنّ منصات مثل (تيك توك، وإكس، وفيسبوك) تتيح للمتطرفين الوصول المباشر إلى فئات عمرية صغيرة، بينما تُسهم الخوارزميات في دفع المستخدمين، ولا سيّما المراهقين، نحو محتوى أكثر جاذبية ويثير عواطفهم، بما يعزز فرص الانزلاق نحو الأفكار المتطرفة. ولا يقتصر هذا المسار على نوع واحد من التطرف، إذ يشمل اليمين واليسار المتطرّفين، فضلاً عن الجماعات المتشددة ذات المرجعيات الأصولية الدينية والجهادية. ووفق "مؤشر الإرهاب العالمي"، شهد اليمين المتطرف في الدول الأوروبية وحده زيادة بنسبة 250% خلال السنوات الخمس الماضية. وفي الفلبين تنشط جماعات يمينية متطرفة عبر الإنترنت، وتمزج بين القومية والفاشية والدين، مستخدمة منصات التواصل لبناء مجتمعات رقمية تتبادل الدعاية السلبية وتؤطر الأزمات الوطنية ضمن خطاب تعبوي.
ويلفت التقرير إلى الدور المتزايد الذي تلعبه ألعاب الفيديو عبر الإنترنت في استقطاب الشباب، سواء عبر خلق بيئات اجتماعية منعزلة أو من خلال بناء شعور زائف بالانتماء. كما أنّ نحو 23% من اللاعبين صادفوا محتوى متطرفاً أثناء ممارستهم الألعاب الإلكترونية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)