ترامب يتوعد إيران بالجحيم: ماذا سيحدث خلال 24 ساعة؟

ترامب يتوعد إيران بالجحيم: ماذا سيحدث خلال 24 ساعة؟

ترامب يتوعد إيران بالجحيم: ماذا سيحدث خلال 24 ساعة؟


06/04/2026

محمد صالحين الهوني

في عالم لا يخلو من المفارقات السوداء، يهدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإحراق جسور إيران ومحطات طاقتها، بينما تتصل الدبلوماسية المصرية بنظرائها في نصف الكرة الأرضية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. المشهد في مضيق هرمز هذه الأيام يذكرنا بلحظة 1914، حين أطلقت رصاصة واحدة في مكان لا يكترث به أحد، ثم وجد العالم نفسه في خندق لا مخرج منه. الفارق أن رصاصة اليوم قد لا تأتي من مسدس، بل من قرار بغلق ممر مائي ضيق. وبين التهديد والتهديد المضاد، تقف أسواق الطاقة العالمية تلهث، بينما يبحث الدبلوماسيون عن مخرج.

دونالد ترامب، الرجل الذي أتقن فن تحويل الدبلوماسية إلى برامج تلفزيون الواقع، وضع ساعة رقمية فوق رأس الخليج العربي. لم يعد الأمر يتعلق بالمفاوضات النووية أو الاتفاق النووي الملغى؛ بل أصبح يتعلق بشيء أكثر بدائية: الفتح أو الموت.

إن مهلة 48 ساعة، ثم التهديد بـ”الجحيم” يوم السبت، ثم التصعيد بضرب “حزمة الجسور ومحطات الطاقة” يوم الثلاثاء، ليست خطة استراتيجية بقدر ما هي عرض سيرك دموي. والأغرب أن ترامب يدرك، أو يفترض أنه يدرك، أن إيران لن تتراجع تحت وطأة التهديدات اللفظية وحدها. فطهران التي صمدت لعقود تحت وطأة عقوبات أقوى من أي قصف، تعلم أن لديها ورقة واحدة لا تزال في جعبتها: المضيق نفسه. إذا كانت أميركا تهدد بتدمير جسورها، فإن إيران تهدد بتجويع العالم. في لعبة “من يرمي الحجر أولاً”.

لكن ما يغير حسابات هذه اللعبة هو أن واشنطن هذه المرة تقف شبه وحيدة. الدول الحليفة للولايات المتحدة لم تتجاوب مع الدعوة الأميركية. هذا ليس مجرد خلاف دبلوماسي؛ بل هو إفلاس النموذج الأميركي التقليدي في الشرق الأوسط. منذ عقود، كانت واشنطن تقود تحالفات بحرية لحماية الممرات المائية، وكان الجميع يصطف خلفها خوفاً وطمعاً. اليوم، ترامب يقول للحلفاء: “خذوا نفطكم بأنفسكم”. وهي عبارة تعني في الترجمة السياسية: “لن أحرق أموال دافعي الضرائب الأميركيين لحماية ناقلات النفط الأوروبية والآسيوية”. الرد كان صامتاً، لكنه مدوٍ: لا أحد سيتقدم للصف الأول.

في منتصف هذه الفوضى، يظهر الدور المصري وكأنه من فيلم سياسي قديم. وزير الخارجية بدر عبدالعاطي يجري اتصالاته مع السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، تركيا، باكستان، إيران، والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، بل وحتى مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذه ليست دبلوماسية اعتيادية؛ بل هي دبلوماسية اليأس المنظم. القاهرة، التي تعاني اقتصادياً من تداعيات أي ارتفاع في أسعار الطاقة، تدرك أن ناراً في هرمز ستحرق جيوب المصريين قبل أن تحرق جيوب الأميركيين. لكن السؤال المزعج: هل تملك مصر، أو أي طرف عربي آخر، أي نفوذ حقيقي على طهران أو واشنطن في هذه اللحظة؟ الاتصالات المكثفة قد تخلق غطاءً سياسياً لخفض التصعيد، لكنها لن تفتح المضيق بالقنابل، ولن توقف ترامب عن التغريد. قيمة هذه الاتصالات ليست في قدرتها على منع الحرب، بل في أنها قد تخلق متنفساً صغيراً لإيران لتعلن فيه “تنازلاً سيادياً” يسمح بعبور النفط مقابل تجنب القصف.

المفارقة الأعمق تكمن في التحليل استناداً إلى بيانات بحرية، والذي يكشف أن 60 بالمائة من سفن الشحن التي عبرت مضيق هرمز منذ بدء الحرب كانت آتية من إيران أو متجهة إليها. إيران تغلق المضيق لتعاقب العالم، لكنها في الواقع تعاقب نفسها أولاً. إنها تقطع شرايين اقتصادها هي قبل أي اقتصاد آخر. هذا هو جنون الإستراتيجية الإيرانية: إيران ليست دولة نفطية فقط؛ بل هي دولة تعتمد على واردات السلع الأساسية والغذاء التي تمر عبر نفس المضيق. إغلاقه يعني أن البنزين الإيراني قد لا يصل إلى السوق الإيراني نفسه. ترامب يعرف ذلك جيداً، ولهذا يضغط بهذه القسوة. لكنه ينسى أن الحيوان المحاصر يكون أكثر خطورة، لا أكثر خضوعاً.

ماذا سيحدث يوم الثلاثاء؟ هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة.

الأول، والأكثر ترجيحاً، أن لا يحدث شيء يذكر. أن تمدد إيران مهلة غير معلنة، وأن يصدر ترامب تهديداً جديداً دون تنفيذ، وأن يواصل الدبلوماسيون اتصالاتهم إلى ما لا نهاية. هذا السيناريو يعكس واقعاً مؤلماً: أن الطرفين لم يعودا يملكان القدرة على شن حرب كبرى، لكنهما أيضاً لم يعودا يملكان القدرة على التراجع دون حفظ ماء الوجه.

السيناريو الثاني: ضربة أميركية محدودة على موقع عسكري أو منشأة نفطية إيرانية، تتبعها ضربة إيرانية مضادة على ناقلة نفط أو قاعدة أميركية في المنطقة. عندها، قد نجد أنفسنا في دوامة تصعيد لا يريدها أحد.

السيناريو الثالث، وهو الأسوأ، أن ينفذ ترامب وعده بضرب “حزمة الجسور ومحطات الطاقة”، فيحول البنى التحتية الإيرانية إلى رماد. عندها، ستكون إيران مجبرة على الرد بكل ما لديها من صواريخ وطائرات مسيرة ووكلاء. يومها، لن تكون الساعات القادمة مجرد يوم جسور، بل بداية لحرب إقليمية بلا نهاية واضحة.

في كل هذه السيناريوهات، هناك طرف خاسر مؤكد هو الاقتصاد العالمي. مضيق هرمز يمر عبره حوالي 20 بالمائة من النفط المتداول بحرياً في العالم. أي إغلاق طويل الأمد سيرفع سعر برميل النفط إلى مستويات لم نشهدها منذ حرب أكتوبر 1973. وسيكون التأثير مضاعفاً في عالم لا يزال يئن من آثار التضخم.

هذا يعني أن ترامب من خلال تهديده إيران بـ”الجحيم” قد يجد نفسه يوزع الجحيم على ناخبيه الأميركيين أيضاً، على شكل أسعار بنزين خيالية قبل الانتخابات. وهنا تكمل المفارقة دائرتها: ترامب، الذي يعرف جيداً أن الاقتصاد مفتاح فوزه، يخوض مغامرة قد تدمر أي فرصة له في البقاء في البيت الأبيض. وكالعادة، سيكون الضحية الحقيقي هو المواطن العادي: في طهران، وفي نيويورك، وفي القاهرة، وفي الرياض. هو من يدفع الثمن.

الخلاصة أن مضيق هرمز لم يعد مجرد شريان طاقة؛ بل أصبح مقياساً لعجز العالم عن إدارة صراعاته. بين رئيس يهدد بأسلوب بلطجي، ونظام يرد بعناد انتحاري، ودبلوماسيين يتصلون ببعضهم البعض دون أن يملكوا حلاً، يقف المشهد معلقاً.

ربما يجد الطرفان في اللحظة الأخيرة مخرجاً عبر سلطنة عُمان، التي تتوسط بهدوء، أو عبر مصر التي تحاول إطفاء الحريق قبل اشتعاله. لكن الأكيد أن العالم لم يعد يتحمل نكتة أخرى من هذا النوع.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية