تحول السياسات الأوروبية تجاه الإسلام السياسي... الشبكات، والإيديولوجيا، والحقوق

تحول السياسات الأوروبية تجاه الإسلام السياسي... الشبكات، والإيديولوجيا، والحقوق

تحول السياسات الأوروبية تجاه الإسلام السياسي... الشبكات، والإيديولوجيا، والحقوق


18/02/2026

 

تتزايد التحذيرات الفرنسية بخصوص مخاطر جماعة الإخوان على كافة المستويات، حيث كشف تقرير استخباري حديث عن نفوذ الجماعة الأم للإسلام السياسي بشكل لافت، وقد عزا التقرير هذا التنامي إلى وجود شبكة علاقات ليست تنظيمية إنّما تؤسس لها ارتباطات بعضها خدمي وتنموي والبعض الآخر دعوي وديني مسيّس من خلال منظمات المجتمع المدني. ومن ثم، حذّر التقرير الاستخباري الفرنسي من أثر وانعكاس هذا النفوذ على المجتمع الفرنسي وتماسكه و"قيم الجمهورية". 

ويصف التقرير هذا النفوذ باعتباره محاولة "اختراق تدريجي" للمؤسسات الثقافية والاجتماعية، وهو ما يُمثل تحدياً للقيم الجمهورية والعلمانية التي تنص عليها فرنسا. وقد تم تحديد حوالي 139 مسجداً على امتداد فرنسا تُعدّ مرتبطة بشكل مباشر بشبكات الإخوان. بالإضافة إلى ذلك، هناك 68 مكان عبادة آخر يُصنف أنّه "قريب من الجماعة الإسلاموية"، موزعة على 55 إدارة فرنسية. هذه الأماكن تمثل تقريباً 7% من إجمالي المساجد في فرنسا البالغ عددها حوالي 2800 مسجد.

ويُقدّر التقرير أنّ ما يقارب 91 ألف مُصلٍّ يحضرون إلى هذه المساجد المعتمدة أو القريبة من الجماعة يوم الجمعة. وبالرغم من أنّ الأرقام الفرنسية الرسمية تعلن ارتباط 53 جمعية فقط بالإخوان، إلا أنّ التقرير يرى أنّ هناك ما يقرب من 280 جمعية مرتبطة بتأثير هذه الحركة في مجالات متنوعة، تشمل: العبادة والدين، والعمل الخيري التنموي، والتعليم، والأنشطة الشبابية، والدعم المهني والمالي. ويوضح التقرير أنّ الحركة لا تقتصر على أماكن العبادة فقط، بل تمتد أيضاً إلى دعم أنشطة تربوية ومدارس خاصة، وتمّ تحديد 21 مؤسسة تعليمية مرتبطة بشبكات الإخوان المسلمين في فرنسا، دون أن تكون كلها خاضعة لعقود رسمية مع الدولة، وكذلك نشاطات مجتمعية وشبكات دعم تمتد إلى الأحياء والمناطق ذات الكثافة السكانية المسلمة ومناطق الجاليات العربية. 

نزعة انفصالية

وبحسب التقرير الاستخباري الفرنسي، فإنّ هناك محاولات منهجية لبناء "نظام بيئي مجتمعي انعزالي" يمتد من الطفولة حتى الشيخوخة، وهو ما يراه التقرير كجزء من استراتيجية طويلة الأمد لـ "إحياء" الإسلام في المجتمع الفرنسي على شكل سياسي مؤدلج، وليس مجرد ممارسة دينية. ويتضمن التقرير تقييماً تم وضعه وتأطيره في صيغة تحذيرية مفادها أنّ الإسلام السياسي، في حال استمراره من دون رقابة أو تنظيم، يمكن أن يؤثر على مبادئ الجمهورية الفرنسية المشتركة، وعلى التماسك الاجتماعي، وقد يتحول إلى تهديد بنيوي في بعض المناطق. وقد خلص إلى وجود بنية تنظيمية (أماكن عبادة، جمعيات، فعاليات) في فرنسا مرتبطة إمّا مباشرة وإمّا بطريقة غير مباشرة بجماعة الإخوان. وذلك إلى جانب شبكات متعددة القطاعات تؤثر في المجال الديني، والاجتماعي، والتعليمي، وحتى الاقتصادي. الأمر الذي يتطلب ضرورة تعزيز الرقابة وتدابير سياسية ملحة لمواجهة الإسلام السياسي في سياق حماية القيم الجمهورية والعلمانية.

وحسب الوثائق الرسمية للتقرير الاستخباري الذي نشرته مؤخراً صحيفة (لوفيغارو) الفرنسية فإنّ الخطر لا يقتصر على العنف المباشر، بل يمتد إلى شبكات من المؤسسات التعليمية والدينية والاجتماعية التي تُدار أو يهيمن عليها أفراد محسوبون على تيار الإسلام السياسي، بمن فيهم جماعة الإخوان أو من يصفهم التقرير أنّهم قريبون منها. 

هذا التقرير وضع الجماعة في قلب نقاش سياسي وأمني واسع في فرنسا، لدرجة أنّ السلطات وقعت في مواجهة مع ملف الإسلام السياسي على أعلى المستويات. ففي وقت سابق ترأس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اجتماعاً لمجلس الدفاع والأمن القومي لمناقشة تقرير حول جماعة الإخوان وتأثيرها على التماسك الوطني، في خطوة تؤكد أنّ ملف التنظيم بات يُنظر إليه كقضية ذات أبعاد أكبر من مجرد نشاط جمعياتي أو ثقافي، بحسب ما يشير موقع (العين) الإخباري، حيث يربط تقرير (لوفيغارو) بين نشاط هذه المؤسسات والفكر السياسي الذي يُنظر إليه في بعض الأوساط الفرنسية على أنّه يعزز العزلة والانفصال عن المجتمع الأكبر، خصوصاً عندما تُستخدم المساجد والمراكز كمنابر لنشر رؤى سياسية تتجاوز الدور الديني أو الاجتماعي التقليدي. 

تجنيد واستقطاب

يقول التقرير إنّ بعض هذه الأماكن قد تعمل على استقطاب الشباب وتأطيرهم في إيديولوجيات بعيدة عن القيم الجمهورية المتعارف عليها. وترجمة هذا القلق إلى إجراءات عملية ظهرت بصورة متصاعدة، حيث تعمل السلطات الفرنسية على مراقبة هذه الكيانات بشكل دقيق ضمن ما تسمّيه "استراتيجية مواجهة التغلغل"، وسط تحذيرات من تقارير استخباراتية أخرى تبين أنّ هذا النفوذ ليس "عنفاً تقليدياً" فقط، بل يمتد إلى محاولات للتأثير على بعض مكونات الحياة المدنية والسياسية في البلد. 

ويُنظر إلى هذه المستجدات في باريس كجزء من تحول أعمق في كيفية تعامل الدول الأوروبية مع الإسلام السياسي وتنظيماته المختلفة، حيث لم تعد المسألة مقتصرة على أنشطة دينية عادية، بل تدخل في صميم النقاش حول الأمن الوطني والاندماج المجتمعي، وهو ما يجعل مسألة "التهديد" موضوعاً حساساً على مستويات متعددة.

في حديثه لـ (حفريات)، يوضح الكاتب السياسي المقيم في باريس شيار خليل أنّ فرنسا بات لديها موقف واضح تجاه الإسلام السياسي، وهو موقف يتشكل على مهل وبناء على استراتيجية واضحة وكاشفة منذ فترة، كما أنّ هناك سوابق عديدة وإجراءات إلى جانب التقارير التقارير الاستخبارية الفرنسية، موضحاً أنّ "خطوة إغلاق المعاهد والمدارس ومؤسسات المجتمع المدني التابعة للإخوان في فرنسا، ومنها معهد فلك، مثلاً، قد أكدت تصميم فرنسا على حماية نموذجها الجمهوري والعلماني". 

ويقول خليل: إنّ قيام السلطات الفرنسية بـ "إغلاق معهد "الفلك" في ضاحية أنتوني جنوب باريس، لم يكن قراراً يُنظر إليه على أنّه تضييق على الحريات كما في السابق، بل كجزء من استراتيجية طويلة الأمد لمواجهة النفوذ الإيديولوجي لجماعات الإسلام السياسي، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين. فالقرار جاء بعد سلسلة تحذيرات وتقارير رقابية وأمنية كشفت عن أنشطة المعهد تجاوزت الإطار التعليمي والثقافي، لتتحول إلى منصة لنشر خطاب سياسي ودعوي يحمل سمات الانغلاق والتحريض، وهو ما يتعارض صراحة مع القانون الفرنسي الذي يمنع تحويل المؤسسات التعليمية أو الثقافية إلى أدوات لنشر إيديولوجيا دينية أو تحريض على الكراهية".

ويشير الكاتب السياسي المقيم في باريس إلى أنّ ما فعلته السلطات الفرنسية على مدار الأعوام القليلة الماضية من إجراءات وسياسات مهمة ومركزية قد تضاعف بعد حرب غزة، خصوصاً مع تصاعد خطاب "معاداة السامية"، ورغم التوترات بين باريس وإسرائيل، يمثل "تطبيقاً عملياً لمبدأ "الحصانة الصفرية" تجاه الفكر المتطرف، أي أنّ أيّ مركز أو جمعية أو مؤسسة لا يُعطى لها أيّ حصانة إذا استُخدمت ستاراً لمشروع انفصالي أو عقائدي يهدد التعايش والمواطنة.

ويردف: "فرنسا، التي دفعت ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب خلال العقدين الماضيين، تدرك أنّ المعركة الفكرية لا تقلّ أهمية عن المعركة الأمنية. فالإرهاب لا يبدأ بالسلاح، بل بالخطاب والرموز الثقافية التي تزرع الشك والتطرف وتضعف الولاء للدولة والمؤسسات وقيم المواطنية والمدنية. من هنا جاءت القوانين التي تمنح السلطات صلاحيات استباقية لإغلاق المراكز المشتبه فيها قبل أن تتحول إلى بؤر تعبئة فكرية. فالقرار يعكس وعياً سياسياً مغايراً تجاه الإسلام السياسي وقطيعة مع البراغماتية الأوروبية تجاه هذه القوى وإمكانية وضعها في أدوار وظيفية مؤقتة ومرحلية. كما أنّه قطيعة مع مفهوم الديمقراطية الذي منح مجموعة تسهيلات لأنشطة الإسلاموية بما سمح لها بالتوغل والتغلغل المجتمعي والمؤسساتي. ولم يعد يُنظر إلى تلك الأنشطة ضمن إطار الحريات المدنية ومجرد ممارسة دينية، ثقافية، اجتماعية، بل كاستراتيجية نفوذ متكاملة تسعى إلى بناء مجتمعات موازية داخل المجتمع الفرنسي". 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية