تحصين "القارة العجوز": استراتيجيات البرلمان الأوروبي لمواجهة التغلغل الإيديولوجي للإخوان المسلمين

تحصين "القارة العجوز": استراتيجيات البرلمان الأوروبي لمواجهة التغلغل الإيديولوجي للإخوان المسلمين

تحصين "القارة العجوز": استراتيجيات البرلمان الأوروبي لمواجهة التغلغل الإيديولوجي للإخوان المسلمين


18/03/2026

 

في السادس من آذار/مارس 2026 شهدت أروقة البرلمان الأوروبي في بروكسل حدثاً مفصلياً في تاريخ التعاطي السياسي مع حركات الإسلام السياسي، تمثل في فعالية "حماية أوروبا". هذه الفعالية التي نظمتها منظمة "IMPAC" بلجيكا، بالتعاون مع مجموعتي "المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين" و"حزب الشعب الأوروبي"، لم تكن مجرد استجابة لمخاوف أمنية آنية، بل جاءت تعبيراً عن نضج في الرؤية الأوروبية تجاه نفوذ جماعة الإخوان المسلمين العابر للحدود.

ويشير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات (ECCI) في تحليلاته المرتبطة بهذا الحدث إلى أنّ أوروبا بدأت تنتقل من مرحلة "مكافحة الإرهاب الخشن" المتمثل في الملاحقات الأمنية للعمليات المسلحة، إلى مرحلة "مكافحة التغلغل الناعم" الذي يستهدف أسس الديمقراطية والمجتمع المدني. 

الفعالية جمعت صانعي السياسات والخبراء لبحث تداعيات وجود فروع الجماعة داخل المؤسسات الديمقراطية، وكيفية صياغة إطار عمل مشترك يتماشى مع استراتيجية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب ونظام العقوبات المفروض على الكيانات المتطرفة.

"التسلل" كاستراتيجية... ما وراء الأنشطة غير العنيفة

خلال النقاشات سلطت الدكتورة فلورنس بيرغود-بلاكلر، الباحثة في المركز الأوروبي للبحوث والمعلومات حول الإخوان المسلمين (CERIF)، الضوء على مفهوم "التسلل" (Entryism) الذي تتبناه الجماعة. واعتبرت أنّ أكبر خطأ ارتكبته الحكومات الأوروبية هو الافتراض أنّ "ما لا يبدو عنيفاً ليس خطيراً".

توضح بيرغود-بلاكلر أنّ الجماعة لا تسعى بالضرورة إلى الصدام المسلح مع الدولة في أوروبا، بل تهدف إلى "تآكل" قيم المجتمع من الداخل عبر التغلغل في المؤسسات التعليمية، والمجالس البلدية، وحتى جمعيات أولياء الأمور. هذا النوع من التغلغل يخلق "مجتمعات موازية" تدين بالولاء للإيديولوجيا الإخوانية بدلاً من قيم المواطنة الأوروبية. وبحسب تقرير ECCI، فإنّ هذا الأسلوب يهدف إلى بناء قاعدة نفوذ سياسي واجتماعي تمكّن الجماعة من الضغط على صانع القرار الأوروبي تحت ستار "تمثيل المسلمين" أو "الدفاع عن الحقوق المدنية".

النموذج الفرنسي 2025... تشريح منظومة النفوذ

استندت الفعالية بشكل كبير إلى تقرير استخباري وتحليلي أصدرته الحكومة الفرنسية في عام 2025، الذي وضع اليد على أربعة مجالات حيوية تستهدفها الجماعة في فرنسا:

ـ البنية التحتية الدينية: عبر السيطرة على المساجد والمراكز الإسلامية وتوجيه الخطاب الديني.

ـ التعليم: وهو الأخطر، حيث ذكر التقرير مؤسسات محددة مثل مدرسة "ابن رشد" في ليل، ومجموعة مدارس "الكندي" قرب ليون، ومعهدي العلوم الإنسانية اللذين يركزان على تعليم العربية والقرآن كغطاء للتلقين الإيديولوجي.

ـ الإعلام الرقمي: استخدام المنصات الاجتماعية للتأثير على الشباب وصياغة سردية مظلومية مستمرة.

ـ هياكل المجتمع المحلي: الانخراط في العمل الخيري والاجتماعي لبناء شبكات ولاء محلية.

ويؤكد المركز الأوروبي (ECCI) أنّ هذه "المنظومة" (Ecosystem) تعمل بتناغم تام؛ حيث يمول النشاط الخيري الأنشطة التعليمية، التي تخرج بدورها كوادر تتسلل إلى الإعلام الرقمي والتمثيل السياسي، ممّا يخلق حلقة مفرغة من النفوذ يصعب تفكيكها دون استراتيجية قانونية شاملة.

النفوذ العابر للقارات... المقارنة بين السودان وأوروبا

من أهم جوانب فعالية "حماية أوروبا" كان الربط بين نشاط الإخوان في القارة العجوز ونشاطهم في أفريقيا، وتحديداً في السودان. كشفت المناقشات عن "ازدواجية المنهج" التي تتبعها الجماعة؛ فبينما كانت في السودان تمثل "تياراً حاكماً صريحاً" يسيطر على الدولة والأجهزة الأمنية بالحديد والنار، فإنّها في أوروبا تعتمد "النفوذ الناعم".

هذا التباين، حسبما يشير خبراء في بروكسل، لا يعني اختلافاً في الأهداف، بل هو "تكتيك بيئي". ففي الدول الضعيفة أو غير الديمقراطية، تسعى الجماعة للسلطة المباشرة، بينما في المجتمعات الديمقراطية القوية تسعى لإنشاء "كانتونات" ثقافية وسياسية تضمن لها البقاء والتمويل والتأثير بعيد المدى. ويُحذّر ECCI من أنّ الأموال والشبكات التي تم بناؤها في مناطق النزاع مثل السودان غالباً ما تجد طريقها إلى أوروبا عبر قنوات غسيل أموال وواجهات خيرية معقدة.

التحديات القانونية والسياسية أمام الاتحاد الأوروبي

أظهر الحدث أنّ أوروبا تقف أمام تحدٍ مزدوج؛ داخلياً يتمثل التحدي في حماية الحقوق الأساسية مثل حرية الدين والتعبير، وفي الوقت نفسه منع استغلال هذه الحقوق لتدمير النظام الديمقراطي. أمّا خارجياً، فيتعلق التحدي بمراقبة تمويل الجماعات المتطرفة عبر الحدود.

تؤكد استراتيجية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب، التي نوقشت في الفعالية، على ضرورة تعزيز الشفافية المالية. لم تعد "الواجهات" الإخوانية قادرة على الاختباء خلف مسميات براقة؛ إذ يطالب صانعو السياسات بوضع معايير صارمة للمؤسسات التعليمية والدينية التي تتلقى تمويلاً أجنبياً أو تروج لخطابات انفصالية. ويشير تحليل المركز الأوروبي إلى أنّ المستقبل سيشهد تكثيفاً للرقابة على المناهج التعليمية وتدقيقاً في هويات القائمين على المراكز الدينية والجمعيات الخيرية.

استشراف المستقبل... نحو "درع" أوروبي ضد التطرف

خلصت الفعالية إلى نتائج وتوصيات ترسم ملامح السياسة الأوروبية القادمة:

الجمع بين الأدوات: لا يكفي الرد الأمني وحده؛ بل يجب دمج الاستراتيجيات القانونية والتربوية والسياسية لمواجهة الإخوان.

تعزيز الشفافية: فرض رقابة صارمة على تمويل المؤسسات التي تشكل "واجهة" للجماعة.

بناء القدرات التحليلية: تطوير أدوات لرصد النفوذ طويل الأمد والجمع بين البيانات الاستخباراتية والسياسية لتوقع المخاطر قبل تحولها إلى أزمات.

التعاون مع أفريقيا: ضرورة دعم مؤسسات الدولة في دول مثل السودان لتقليل النفوذ الخفي للجماعات المتطرفة، ممّا ينعكس إيجاباً على الأمن الأوروبي.

وعي جديد بالخطر الكامن

فعالية "حماية أوروبا" تمثل إعلاناً رسمياً عن انتهاء عصر "السذاجة السياسية" تجاه جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا. وبناءً على معطيات المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات (ECCI)، فإنّ المرحلة المقبلة ستكون مرحلة "المواجهة الهادئة والمنظمة"، حيث سيتم استخدام القانون والشفافية كأدوات أساسية لتحصين المجتمعات الأوروبية.

لقد أدركت أوروبا أنّ الحفاظ على الديمقراطية يتطلب شجاعة في تسمية الأشياء بمسمياتها، وأنّ مواجهة التغلغل الإخواني ليست استهدافاً للدين، بل هي حماية للدولة والمجتمع من إيديولوجيا تسعى لتقويض العقد الاجتماعي. إنّ الربط بين تحديات الداخل (التسلل المؤسسي) وتحديات الخارج (النفوذ العابر للحدود في أفريقيا) يضع الاتحاد الأوروبي على الطريق الصحيح لصياغة استراتيجية شاملة تضمن استقرار القارة في وجه العواصف الإيديولوجية القادمة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية