تجربة التعليم عن بعد.. هل يمكن أن نبني لَبِنةً في الهواء؟

تجربة التعليم عن بعد.. هل يمكن أن نبني لَبِنةً في الهواء؟

مشاهدة

20/10/2020

قد تسعفنا اللغة في فهم الاختلاف الدقيق بين مواجهة المشكلة، أو عدم الوقوع في المشكلة، بمعنى: إنّ مواجهة المشكلة يفترض حدوثها أولاً، بينما عدم الوقوع فيها يقوم على تلافٍ كامل لأسبابها ومسبباتها قَبْليّاً، وقد يقود فهم التباين بينهما، إلى فهم المنزلق الخطير الذي تنحدر فيه أغلب مجتمعاتنا، فالمشاكل التي نتجت عن انتشار فيروس كورونا في العالم، كان لمجتمعاتنا الحصة الأكبر منها، حيث وقفت أمام سلسلة من المواجهات غير المنتهية، وقد يكون أهمّها ما لمسناه في المنظومات التعليميّة، بعد أن أصبح التعليم الافتراضي حاجةً ملحّة على ضوء إغلاق المدرسة الكلّي أو الجزئي. وعلى اعتبار أنّ هذه التجربة يرتبط نجاحها في توافر البنية التحتية الرقمية، والتي يجب أن تشكل البنية التربوية والتعليمية حاضنةً لها، فإنّ التخبط والتعثر بدأ من هنا.

 

إنّ الحرص على العمليّة التعليميّة يفترض في الوقت نفسه حرصاً على البناء المعرفي للفرد

 

في الشهر الرابع المنصرم من العام الحالي 2020، كان هناك تساؤلات كثيرة تتمحور حول: هل سينجح التعليم عن بعد في مجتمعاتنا في رأب الصدع التعليمي الذي خلّفه إغلاق كورونا للمدرسة؟ بينما الآن بعد انقضاء ستة أشهر على هذه التساؤلات، هناك إجماع على أنّ هذه التجربة أخفقت إخفاقاً ذريعاً في معظم مجتمعاتنا، باستثناء بعض دول الخليج العربي، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة، والتي يعود الفضل في نجاحها باعتمادها التحوّل الرقمي منذ سنوات، فقد جاء على لسان وزير التربية والتعليم فيها: "إنّ الإمارات استثمرت منذ وقتٍ طويل في كافة متطلبات البنية التحتية، التي مكنتنا من ضمان توفير خدمات التعليم وفق أعلى المعايير العالمية والظروف"، ما ذكره  الوزير هو ما حال دون الوقوع في المشكلة، بينما بقية مجتمعاتنا ورغم الجهود التي بذلتها، إلا أنها وقفت متخبّطة بين عدم كفاءة بنيتها التحتيّة الرقميّة، وطريقة إدارة الحلول.

اقرأ أيضاً: هل تفرض اليونسكو ولايتها على مؤسسات التعليم الفلسطينية؟

بينما المنصّة التي أنشأتها وزارة التعليم السعودية، والتي تضم أكثر من 250 ألف فصل افتراضي يومياً، وتحت إشراف هيئة تعليميّة تضم ما يزيد على 525 ألف مدرّس وقادة مدارس ومشرفين تربويين، والتي صُنّفت من التجارب الناجحة، غير أنّ المنصّة لم تتمكن من استقبال الكم الهائل من التلاميذ الذين ترددوا إليها بسبب الضغط على الخوادم، والذي لم يُمكّن جميع التلاميذ من تسجيل دخولهم للموقع، وإن كان الإعلام السعيد في معظم مجتمعاتنا يروّج لخلاف ذلك، ويمدح النجاحات الوهميّة لتجربة التعليم الرقمي، فهذا يعود إلى جملة الأسباب التي تحدّد تأخرنا المعرفي نفسه، وإذا كانت تجربة السعودية قد آلت إلى ذلك، وهي من الدول الأغنى عربياً، فما حال دول النزاعات والحروب والاقتصاد المنهار؟

اقرأ أيضاً: تحذيرات: كورونا تعصف بقطاع التعليم.. ما المخاطر المستقبلية؟

إنّ الحرص على العمليّة التعليميّة، يفترض في الوقت نفسه حرصاً على البناء المعرفي للفرد، على اعتبار أنّ المعرفة العلمية التي تضطلع بتقديمها المدرسة، يجب أن تتحول إلى قيمة ماديّة تساهم في بناء المجتمع وتطوّره، ولكن لمّا كانت غايات التعليم بالنسبة للأنظمة التسلطية، تتناقض مع وظيفة المدرسة الحقيقيّة، فإنّ ذلك يضع كلّ ادعاءاتها بأهميّة العلم في بناء الإنسان على الرفوف؛ إذ إنّ الإنسان هو آخر ما تكترث له هذه الأنظمة، لذلك فإنّ احتجاج الكثير من المسؤولين الرسميين في العملية التربوية والتعليمية على تجربة التعليم عن بعد، باعتبارها من وجهة نظرهم تُسقط البيئة الاجتماعيّة التواصلية التي توفرها المدرسة للطفل، وما لها من أهميّة في بناء شخصيته، احتجاج باطل، إلّا إذا كانوا يتوهمون أنّ أطفالنا يرتادون مدارس شبيهة بمدارس فنلندا؛ فالعنف الذي يتوّلد في مدارسنا، الرمزي منه والمادي، يجعلها بيئة مصدّرة للعنف بامتياز، موسومة بالطابع العام للعنف الذي تنتجه السلطة وتكرّسه في كافة مؤسساتها.

اقرأ أيضاً: "للمرة الأولى في تاريخ البشرية".. جيل كامل من الأطفال ينقطع عن التعليم

فالواقع الذي نعيشه اليوم في معظم مجتمعاتنا يتسم بتخلّفٍ حاد، حيث لم يساهم الانتشار التقني إلّا في تمويهه وتعميم هذا التخلّف، كأن تصبح ثقافة التسلية مستوطِناً دائماً في بيوتنا وبين أيدي أطفالنا، هي الثقافة السائدة والمهيمنة، ممّا يضعنا دائماً في آخر قوائم البحث العلمي العالمي وانجازاته، وهذا ما تحمل السلطة مسؤوليته المباشرة، فهي لا ترى في التأخر إلّا أحد أهم حصونها وشروط بقائها، وهذا التأخر الذي يُنتج ذهنية التخلّف، "يقترب بحسب، مصطفى حجازي، من الواقع  ويتعامل معه دون خطّة مسبقة ذات مراحل منطقيّة واضحة سلفاً؛ فالعشوائية والتخبط والمحاولة شبه العمياء هي ميزته، وهكذا بدلاً من تنظيم الواقع والسيطرة عليه، تزيد من حدّة ما يبدو عليه من فوضى وانعدام التماسك"، لهذا يرى "حجازي" أنّ التخبط والفوضى والعشوائية وسوء التخطيط والارتجال، هي الملامح الأساسيّة للتخلف، التخلّف الذي يجعل مجتمعاتنا تراوح مكانها، بينما عجلة العالم تدور من حولنا.

اقرأ أيضاً: الإمارات الأولى عربياً والـ 20 عالمياً ضمن أفضل الأنظمة التعليمية

ففي تصريح لموقع TRT"عربي" لخالد بكاري الأستاذ في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين في المغرب، تحدّث فيه عن وجوب استدماج التعليم عن بعد، ليس في الأحوال الاضطرارية فقط، ولكن كنمط تعليمي مكمّل للتعليم الحضوري، وذلك يحتاج برأيه إلى ثلاثة أمور ضرورية: أوّلها التكوين الأساسي والتكوين المستمر لكل الأطر التعليمية في هذا المجال، في الجانبين: البيداغوجي الديداكتيكي، والجانب التقني، ثانياً: إنتاج عدّة ديداكتيكية خاصة بالتعليم عن بعد، وفصلها عن تلك الخاصة بالتعليم الحضوري. ثالثاً: مواجهة التفاوت فيما يخص الولوج إلى التقنيات الحديثة". تكمن أهمية هذه الأمور الثلاثة في شموليتها للبنية التربوية التعليمية، التي تجعل من التعليم عن بعد نتيجة لهذه البنية المتينة، ولكن من جهة أخرى يمكننا أن نلمس استحالة تحققها في الكثير من مجتمعاتنا، التي تتعامل مع التعليم عن بعد كمقدمة وليس نتيجة، وهذا بالضبط ما جعل أصحاب القرار يلتفون على المشكلة، ويقدمون أسباباً واهية وسطحية لتعثّر تجربة التعلّم عن بعد، مغمضين أعينهم عن البنية التربوية التعليمية المتهالكة أساساً.

 

إنّ جملة التناقضات التي تحكم العمليّة التربوية التعليمية تتناسب مع تناقضات الواقع الذي تعيشه مجتمعاتنا

 

إنّ جملة التناقضات التي تحكم العمليّة التربوية التعليمية، تتناسب مع تناقضات الواقع الذي تعيشه مجتمعاتنا، فعندما تنفصل القيمة عن جوهرها، تصبح قيماً فارغة معلّقة بالهواء، وبمعنى آخر شعارات تُستخدم لتزييف الواقع وطلائه، من ثمّ إعادة تدويره، إذ لا يمكن أن نضع لبنة في الهواء، فهي بالتأكيد ستسقط تماماً مثلما سقطت لبنة التعليم عن بعد في معظم مجتمعاتنا، حيث إنّ النقلات الحقيقية للواقع تلك التي تحدث في الوعي أولاً، وطالما هذا الوعي يُدَجّن في كافة المؤسسات التي تستولي عليها السُلطة الاستبدادية، فإنّ أيّ تغيير لن يتعدى القشرة الخارجيّة للواقع، وأنّ أي محاولة للتغيير لن تكون مجدية، إلّا بانقلاب شامل على الأنظمة التسلطية وما تنتجه من مفاهيم تغذي به هذا الواقع وتدعم استمراره.

الصفحة الرئيسية