أين المشكلة.. في التعليم المختلط أم في أنماط التربية؟

أين المشكلة.. في التعليم المختلط أم في أنماط التربية؟


05/03/2019

يقول نعوم تشومسكي "قد لا يشكل الخطأ في الفيزياء نتائج خطيرة على المجتمع، بينما قد يؤدي الخطأ في العلوم الإنسانية إلى نتائج كارثية". هذا ما نلمسه عندما تُطبِق التصورات العامة المدعومة بالتقليد على الوعي الفردي، ومن خلالها يمكن للأخطاء أن تصبح منطقية، وتغدو أكثر تماسكاً وحكمةً، ويصبح الدفاع عنها واجباً أخلاقياً، طالما من يقرّ هذه الأخطاء عقائدُ المجتمع العامة. وسيتضح جوهر ما أرمي إليه في استقصاء ما قدمته الدراسات والأبحاث العربية والغربية في رفضها للتعليم المختلط ومخاطره، وتأكيدها على أهمية التعليم أحادي الجنس.

إنّ المجتمعات التي تقوم على التناقض والازدواجية ستختار حلولاً تؤيد نظرتها الضيقة إلى الحياة

تتعالى في المجتمعات الغربية مجموعة دعواتٍ تتناقض مع دساتير بلادها في إعلان رفضها للتعليم المختلط، على الرغم من أنّ هذه الأصوات قليلة إلّا أنّها بدأت تصبح مؤثرةً وفاعلة، فهناك أسماء بارزة قامت بدراسات وتجارب، وألفت أبحاثاً وكتباً، كبفرلي شو، صاحب كتاب "الغرب يتراجع عن التعليم المختلط"، وميشيل فيزي، صاحب كتاب "مطبات التعليم المختلط"، ولينارد ساكس، وغيرهم.

اقرأ أيضاً: هل تشهد أزمة التعليم بتونس انفراجاً؟

تتمحور أبرز أفكارهم حول الاختلاف البيولوجي والنفسي لكل من الذكر والأنثى، والذي يعيق التحصيل الأكاديمي إذا ما درسا معاً، خاصة في فترة المراهقة؛ حيث يصرون على أنّ "الطلاب يستمتعون بنجاح أكاديمي ويظهرون طموحاً أكثر وتحفيزاً أكبر، ويشعرون بعدم توتر وراحة أكثر في المدارس أحادية الجنس".

اقرأ أيضاً: تجاربنا التعليمية وتجاربهم.. هل تصلح المقارنة؟

الملفت أنّ الأسباب والذرائع التي يتخذها أصحاب هذه النزعة تلبس لبوساً علمياً، يستند في ظاهره على النظريات البيولوجية والنفسية الحديثة، وفي باطنه يخلط ما بين الاختلاف الطبيعي والتمييز الاجتماعي الذي يسبغه المجتمع على الأفراد، ويُمَرّر عبر طرق التربية التقليدية، وحتى في اعتمادهم على النظريات التي تؤكد الفروق والاختلافات بين الجنسين، فإنّهم يستخدمون الاختلاف كتمييز؛ أي كوسيلة نفي وإلغاء، مما يجعله ينحرف عن معناه الحقيقي المؤسس للتكامل والاعتراف، شرطيّ العلاقة الإنسانية.

تتعالى بالمجتمعات الغربية دعوات ترفض التعليم المختلط وبالرغم من أنّها قليلة إلّا أنها بدأت تصبح مؤثرة وفاعلة

في لقاءٍ مع الباحثة والمختصة بعلم الأعصاب تقول ليز إليوت: "لا يوجد أي أساس يفصل الذكور عن الإناث اعتماداً على الاختلافات في الدماغ، ولا يوجد أي فرق عصبي أو نفسي للفصل بين الجنسين في التعليم، وبفصل الجنسين يفوتون فرصة التعلّم من بعضهم البعض؛ لأنهم يريدون العمل معاً فعليهم أن يتطوروا معاً"، وبالتالي الحجج التي يستخدمها مؤيدو فصل الجنسين في الغرب، تجعل من النمو الطبيعي للجنسين وعتبات البلوغ وما يرافقها من تغيرات نفسية وفيزيولوجية إعاقةً للتحصيل العلمي، كما تجعل من اختلاف الاهتمامات وشكل التلقي بين الذكور والإناث حجةً على وجوب الفصل بينهما، وتغفل عمداً الأنماط الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي الهوية الجنسية للفرد وترسخ التمييز بين الجنسين.

اقرأ أيضاً: هل ينهار التعليم العالي في تركيا؟

مديرة إحدى المدارس في السويد تقول: "نوجّه الأطفال قبل سن المدرسة على التفكير كإنسان قبل التفكير كذكر أو أنثى، لا نستخدم كلمة هو وهي ليس لأنها خاطئة، لكننا نحن الكبار نستخدمها بطريقة نمطية وفقاً لتقاليد قديمة على أساس رجال ونساء، نريد التوقف عن ذلك لا نريد تغيير الأطفال، إنهم ليسوا بحاجة إلى تصحيح، نحن الكبار بحاجة إلى تصحيح تفكيرنا".

وهذا ما يشير إلى أنّ المشكلة ليست في التعليم المختلط، فمعوقات النمو النفسي للطفل ومشاكله السلوكية، لن يحلّها التعليم أحادي الجنس ما دمنا نتبع نفس آلية التفكير، وما دمنا نصر على أنّ المشكلة خارجنا وليست فينا.

اقرأ أيضاً: كم أديسون خنقه نظامنا التعليمي؟!

ليس من المفاجئ أن تهلّل مجتمعاتنا لدعوات بعض الغربيين في رفض التعليم المختلط، ورغم أنّ الأسباب التي تدّعيها الأصوات الغربية مختلفة كل الاختلاف عن أسبابنا في رفض التعليم المختلط، إلّا أنّها تُستثمر كمأخذ على الغرب كاملاً، لتندرج جمل من نوع: هذا الغرب المخطئ يعود إلى تعاليمنا. وكأنّ الغرب برمّته توجّه نحو التعليم أحادي الجنس.

في "فرنسا لا يبدو ممكناً اليوم أن تتحول فكرة المدارس أحادية الجنس لتجربة عملية أو لظاهرة، حتى وإن سمعت بعض الأصوات المطالبة بها هنا أو هناك والسبب في ذلك أنّ أي طرح يقوم على أساس التمييز الجنسي أو العرقي أو العقائدي يعتبر زعزعة لقيم الجمهورية المتمثلة بالحرية والعدالة والمساواة"، بتعبير الباحثة خلود الزغير المقيمة في فرنسا والحاصلة على دكتوراه في علم الاجتماع من جامعة السوربون الجديدة. 

اقرأ أيضاً: نحو منهاج يُخرج تعليم اللغة العربية من جمود التقليد

هل حقاً يأخذ الغرب بالحسبان تجاربنا الفقيرة؟ والأهم من ذلك لماذا نحتاج دائماً إلى تأييد مجتمعات نعتبرها سلفاً خاطئة؟ ثم هذا التهليل في عالمنا لِما تمّ تسميته عودة الغرب عن التعليم المختلط، ألا يؤكد أنّ الجميع في ذات المأزق "مأزق التربية"؟ فمن خلال الإصرار على التعليم أحادي الجنس في عالمنا والدعوات التعسفية في العالم الغربي، يتم تجاهل متعمّد وخفيّ للتربية نفسها، التربية السليمةُ التي تغذي الجانب الأخلاقي والإنساني للمجتمع، وهذا كلّه فقط لخدمة الأنماط الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية المسيطرة، التي تسعى دائماً لخلق الفرد المذعن. لهذا فإنّ الفصل الجنسي في أحد أوجهه يخدم سوق العمل والإنتاج، الذي لم يوفر للإنسان المعاصر سوى مخاوف متزايدة تتعلق باغترابٍ دائمٍ عن الذات، ونزوعٍ استهلاكي حاد.

إليوت: لا أساس لفصل الذكور عن الإناث اعتماداً على الاختلافات بالدماغ ولا فرق عصبياً أو نفسياً للفصل بينهم بالتعليم

هل يمكن فصل التعليم عن التربية؟ وهل يمكن فصل مشكلة التعليم المختلط عن مشكلة التعليم بذاتها؟ ما نزال نخلط المقدمات بالنتائج وننظر إلى الوسائل وننسى الغايات، ونتصرف على أساس أنّ العلم أهم من الإنسان.

إذا لم نتمكن من الفهم بأنّ ثقافة الطفل التي تتشكل في مراحل تربيته، هي ليست سوى معارفنا وثقافتنا المسؤولتين عن إنتاج العالم الذي يعيش فيه أطفالنا، فلن يحدث أي تغيير، وسنبقى نجترُّ تأخّرنا وضياعنا.

اقرأ أيضاً: أزمة التعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكيفية معالجتها

الانحرافات التي تؤخذ على الطفل المراهق كأحد أعراض التعليم المختلط، هي ليست في الحقيقة سوى الأوهام الناتجة أصلاً عن خلل التربية ما قبل المدرسة، وهي تتعلق بالصورة النمطية والمكرسة لصورة الذكر والأنثى، هذه الصورة التي يرعاها إرث ثقيل من الهيمنة والإقصاء، ونحن  بدورنا سنمارس بحِرفيّة عالية رفضنا للتعليم المختلط، ونحل المشكلة بمشكلة بتعبير علياء أحمد، المدربة في قضايا المرأة والطفل، هذا الرفض هو المؤشر الفعلي على عدم نضجنا وعدم ثقتنا بإنسانيتنا.

إنّ المجتمعات التي تقوم على التناقض والازدواجية، ستختار حلولاً  تؤيد نظرتها الضيقة إلى الحياة. النظرة التي تختصر الإنسان إلى آلة، وتختزل العلاقة بين الجنسين إلى مستوى بيولولجي غرائزي، ستحرم نفسها ثمار الإنسانية والتكامل الإنساني؛ فالحياة كما يقول فيثاغورس: عددٌ ونغم، بمعنى أنّها تعددٌ وانسجام، بالتالي إنّ أي فصل وفي أي مكان هو إلغاء تعسفي للحياة وتكاملها.

الصفحة الرئيسية