
لم تكن إصابات العين التي خلفتها الحرب في قطاع غزة مجرد فقدان للبصر، بل امتدت لتترك تشوهات عميقة في ملامح الوجوه، وتحرم مئات المصابين من ممارسة حياتهم الطبيعية، وبينما يقف القطاع الصحي المنهك عاجزاً عن توفير كثير من الخدمات التخصصية، باتت العيون الاصطناعية نافذة أمل تمنح المصابين فرصة لاستعادة جزء من ملامحهم وثقتهم بأنفسهم.
داخل إحدى الورش الطبية القليلة التي ما زالت تعمل في غزة، يجلس عشرات المصابين في انتظار دورهم لتركيب عين اصطناعية، بعد أن فقدوا أعينهم جراء الشظايا أو القصف أو انهيار المباني، ورغم أنّ هذه العيون لا تعيد الإبصار، فإنّها تساعد في الحفاظ على شكل الوجه، وتخفف من الآثار النفسية والاجتماعية التي ترافق فقدان العين.
يقول الشاب رائد وحيد الذي فقد عينه اليمنى خلال قصف استهدف منزله: "في البداية كنت أرفض النظر إلى المرآة، وشعرت أنني فقدت جزءاً من هويتي، وبعد تركيب العين الاصطناعية، أصبحت أستطيع الخروج ومقابلة الناس دون شعور دائم بالخجل، رغم أنني ما زلت أفتقد نعمة البصر."
أمّا السيدة أم فضل، وهي أم لطفل فقد إحدى عينيه بسبب انفجار، فتوضح أنّ طفلها كان يرفض الذهاب إلى أيّ مكان بعد الإصابة، وكان يخاف من نظرات الآخرين، لكن بعد تركيب العين الاصطناعية بدأت حالته النفسية تتحسن تدريجياً، وعاد يختلط بالأطفال من جديد."
ويؤكد اختصاصيون في صناعة العيون الاصطناعية أنّ الحرب رفعت أعداد المصابين الذين يحتاجون إلى هذه الخدمة بشكل غير مسبوق، في وقت يعاني فيه القطاع من نقص حاد في المواد الخام والأجهزة اللازمة لتصنيع العيون، إضافة إلى القيود التي تعرقل إدخال المستلزمات الطبية.
يقول الدكتور زياد عبد الله: إنّ "العين الاصطناعية تُصنع خصيصاً لكل مريض بما يتناسب مع لون العين السليمة وحجم التجويف، موضحاً أنّ العملية تتطلب دقة كبيرة، إلا أنّ الإمكانات المحدودة وانقطاع الكهرباء ونقص المعدات تجعل العمل أكثر صعوبة".
ويضيف في حديثه لـ "حفريات" أنّ "العديد من المصابين يحتاجون إلى عمليات جراحية ترميمية وعلاج مستمر، لمنع حدوث التهابات أو مضاعفات داخل محجر العين، بينما يضطر بعضهم إلى الانتظار عدة أشهر بسبب نقص الإمكانات أو تعذر السفر لتلقي العلاج".
ويوضح: "رغم الألم الذي يرافق فقدان البصر، يحاول كثير من الجرحى استعادة حياتهم من جديد، مؤمنين بأنّ العين الاصطناعية ليست بديلاً عن العين التي فقدوها، لكنّها تمنحهم فرصة للوقوف أمام المرآة بثقة أكبر، ومواجهة المجتمع بوجه أقلّ قسوة ممّا خلفته الحرب".
ولا يقتصر فقدان العين على الإعاقة الجسدية، بل يترك آثاراً نفسية عميقة خاصة لدى الأطفال والنساء، فهناك الكثير من المصابين يعانون القلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية بسبب تغير ملامح وجوههم، في حين أنّ تركيب العين الاصطناعية يُسهم في تحسين الصورة الذاتية للمصاب، ويخفف من معاناته النفسية.
في سياق ذلك، تقول الإخصائية النفسية بلسم ربحي: إنّ "فقدان البصر أو التعرض لإصابة خطيرة في العين، لا يقتصر أثره على الجانب الجسدي، بل يمتد ليترك جروحاً نفسية عميقة قد تستمر لسنوات، وتشير إلى أنّ كثيراً من مصابي العيون في غزة يعانون من الصدمة النفسية، والقلق، والاكتئاب، واضطرابات النوم، خاصة عندما ترتبط الإصابة بمشاهد عنيفة أو بفقدان أفراد من الأسرة".
وتوضح في حديثها لـ "حفريات" أنّ "المصاب يواجه تحديات كبيرة في تقبل واقعه الجديد، إذ يشعر بفقدان الاستقلالية ويخشى أن يصبح عبئاً على عائلته، ممّا يدفع بعضهم إلى العزلة والانسحاب من الحياة الاجتماعية، كما أنّ الأطفال المصابين يعانون من صعوبة في التأقلم مع الإعاقة البصرية، ويحتاجون إلى دعم نفسي مستمر، لمساعدتهم على استعادة الثقة بأنفسهم ومواصلة تعليمهم وحياتهم".
وتؤكد أنّ "استمرار الحرب، والنزوح، وضعف الخدمات الصحية والنفسية، يزيد من معاناة المصابين، ويؤخر تعافيهم النفسي، وتشدد على أنّ العلاج النفسي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من خطة علاج مصابي العيون، إلى جانب الرعاية الطبية والتأهيل البصري، لأنّ التعافي الحقيقي يتطلب الاهتمام بالإنسان نفسياً وجسدياً في آنٍ واحدٍ".
وتختتم بالقول: إنّ "مصابي العيون في غزة بحاجة إلى برامج دعم نفسي وتأهيل طويلة الأمد، وإلى بيئة مجتمعية داعمة تساعدهم على تجاوز آثار الإصابة، واستعادة الأمل، والاندماج في المجتمع رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الحرب".
ومع استمرار الحرب وتزايد أعداد الإصابات، تتزايد الحاجة إلى دعم خدمات صناعة وتركيب العيون الاصطناعية، وتوفير المواد والأجهزة اللازمة، إلى جانب تدريب كوادر متخصصة قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة، وفي غزة حيث تركت الحرب آثارها على كل تفاصيل الحياة، وأصبحت العين الاصطناعية أكثر من وسيلة تجميلية، فهي محاولة لترميم ما يمكن ترميمه من ملامح البشر، ورسالة بأنّ الكرامة الإنسانية لا تنتهي حتى في أشدّ لحظات الألم.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1_0_1_0.png.webp?itok=bb8cyM5n)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_320_0_0.jpg.webp?itok=1pGg8_vR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=Bkb6ap9t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_4_2_0_3.jpg.webp?itok=Om5UhGSg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1_0_0.jpg.webp?itok=6WVyR_HG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_6_0_0_3_0_1.jpg.webp?itok=1Ir9j3AG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/-cOhk7DvHImFnviinHI1_POoUcLp6irQrZvS8W-7tuond_jTy7tB6j7NtJHmDufCp8YjULkd-tx2Ml1E5-hHOIkg7nxyEtFnGB321apm2GBA7G1TyDW0ZPWA1zuOrnYykAtuomwWA9vCjQplQGSGHqfZGAXtGVQ9QJCK3wI3BiS2T6U65bK8-Oe5X5gKxnh5_0.jpg.webp?itok=P4fM8OxZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/research1691816762-scaled_0.jpg.webp?itok=mEJXygbJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_88_2_1.jpg.webp?itok=wJGLWmUS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1163200-1120451991%20%281%29.jpg.webp?itok=V_X_0Zlf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/u6ZebG64eli-Y2r6Qnb6husVM13bRGzMPE24x4ba1mddxYuHnPufy9fxhgMRhW8Gr9ZRxA8fIssbpWnSPC8a_SRXJT-R_9o2PHqNeIAlQUG_VR9xjkTYZoKFt0a3B6Gtb6TA01vyZK2NeqJRMemR_dxYvk6D5sTHZmfKfa2LNZmbzzYjDLvX-xgjiNyQfNrv%20%281%29.jpg.webp?itok=GqTr_MTz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_92.png.webp?itok=o1aX7qby)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%85%D9%8A%D9%86%D9%8A_6_0_0.jpg.webp?itok=h4S_Zv6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A70_1_0_2_1_0_0_0.jpg.webp?itok=x8NqAeAZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_41_1.jpg.webp?itok=oWLmKDJD)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A7%D9%87%D8%B1_7_0_1_2_0_0.jpg.webp?itok=nrhStReo)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/OUPg0it56SjYbmFDi4OF0nlf_FStDEHV2ojDF_t-Cw2iTlRBWllNC8ebxr9y9QOJX4CDQhRNvVcvQvua9p1cQo2UTjfYSRTxcNJW0CMcoEORJhiYa0oxX385O8m1MeztnRonJLeLnRw_dt-2wIq7VCZ15z0LP5HKDqceGgoRod6WS1yOo4Bd1uGhc3c9WSoR%20%281%29.jpg.webp?itok=eMHkqEvP)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_14.jpeg.webp?itok=r1ivFgQk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_3.jpg.webp?itok=JqgGrr-Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

