بعد أن قامر بأمنهم الاقتصادي: هل يعيد الأتراك انتخاب أردوغان؟

بعد أن قامر بأمنهم الاقتصادي: هل يعيد الأتراك انتخاب أردوغان؟

مشاهدة

30/06/2020

في عام 2017؛ قدّرت المؤسسات الرسمية التركية نسبة النمو الاقتصادي بــ 7.4%، إلى أن انخفضت هذه النسبة إلى 2% عام 2019، هذا الانخفاض الكبير، الذي تبعه انخفاض للعملة المحلية، جعل الشعب ينصرف عن انتخاب حزب الرجل الذي طال أمد مكوثه على كرسي الحكم، وصرّح بذلك عبر صناديق اقتراع انتخابات البلدية الأخيرة، في آذار (مارس) من العام الماضي، حين فاز مرشح المعارضة عن حزب الشعب الجمهوري، أكرم إمام أوغلو، برئاسة بلدية إسطنبول، إحدى أهمّ معاقل نظام أردوغان.

وانفضّ الشعب من حوله

في الواقعة التاريخية التي طالب فيها حزب العدالة والتنمية التركي بإعادة انتخابات البلدية في إسطنبول، بسبب خسارة مرشحه فيها، لتأتيهم الطعنة في الإعادة بفوز إمام أوغلو مرة ثانية، فتعلن وزارة التجارة التركية، بعد فوز إمام بأيام قليلة، في حزيران (يونيو) من العام الماضي، سحب العديد من صلاحيات رئيس البلدية المعارض، فيما رأتها المعارضة إعلان حرب من النظام الإخواني على إرادة الشعب الذي انتخب أوغلو مرتين.

أولى النتائج للحرب على سوريا كانت فقدان الليرة التركية أكثر من 5% في الأسبوع الأول من الحرب، لتصبح بعد انخفاض كبير إحدى أسوأ عملات العالم

 كانت تلك الانتخابات مرآة عكست انصراف الشعب التركي عن أحلام أردوغان، وكانت رداً منطقياً من الشعب على الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي عصفت ببلاده عام 2018، والتي، وفق جريدة "نيويورك تايمز"، وضعت تركيا على حافة الانهيار، لولا تدخّل قطر، التي عقدت في صيف عام 2018 اتفاقيات تجارية مع تركيا، الحليف الإستراتيجي الأول للإخوان المسلمين، والرئيس التركي النائب عنهم في أنقرة، وفي الوقت الذي قاطعت فيه دول الخليج ومصر قطر، ووقع أردوغان في أزمته الاقتصادية التي أوشكت أن تطيح به، لتتحالف قوى الشرّ في محاولة للنهوض معاً، والمضيّ قدماً في أحلام الهيمنة على المنطقة والعالم الإسلامي.

وفي آب (أغسطس) من العام 2018؛ أعلن أمير قطر تميم بن حمد، عبر حسابه على موقع تويتر، خطة شراكة استثمارية مع تركيا، التي وصفها بأنّها ذات اقتصاد قوي ومنتج منافس عالمياً، وعليه ألزمت الإدارة القطرية 130 شركة حكومية، وأخرى تابعة لرجال أعمال على علاقة برجال الدولة، بالاستثمار في ميادين الدفاع والعقار والسياحة والتجارة، بقيمة تزيد عن 15 مليار دولار، وعقدت 40 اتفاقية تجارية تمنع الدولتين من التراجع عنها، إضافة إلى 15 قمة أقيمت بين الجانبين، أعلنا خلالها أنّ التبادل التجاري بين البلدَين سيتّخذ منحى أكثر نشاطاً، وسيفتح مقراً للإدارة التجارية التركية في إسطنبول، ورغم تلك المقامرة، إلا أنّ الاقتصاد التركي أخذ في التباطؤ، خاصة بعد إعلان مصادر عدة أنّ هناك قطاعات يُستثمر فيها غير هادفة للربح، مثل منصات إعلامية لدعم حزب أردوغان، على غرار ما يُقدم لإخوان مصر في تركيا.

 ووفق تصريح رئيس المنظمة التركية العربية للتعاون الاقتصادي، محمد العادل، فإنّ قطر تعاني فعلياً جرّاء خسائرها، لكنّها تنفق لأهداف سياسية وإستراتيجية.

ضريبة الحرب السورية

في مقال له عبر صحيفة "نيويورك تايمز"؛ كتب المحلل الاقتصادي البريطاني، بيتر س. جودمان، في الثامن من حزيران (يونيو) الماضي؛ أنّ الاقتصاد التركي، وبعد أعوام من النمو، انهار على أعتاب التهور والقرارات غير المحسوبة التي يتخذها أردوغان، وبحسب جودمان، فإنّ الرئيس المتحكم في كلّ شيء، يخفق أخيراً على أعتاب السوق العالمية، التي لا يستطيع التحكم بها، ويقف حائراً للاختيار بين قرارات تدفع النمو قدماً وتزيد البطالة والتضخم، أو قرارات أخرى تجلب مزيداً من الديون المتراكمة، لكنّها تؤجل انفجار البطالة في وجه حزبه الحاكم؛ إذ جاوزت ديون تركيا بالعملات الأجنبية المتوسطة والطويلة الأجل 328 مليار دولار، حتى نهاية عام 2018، وفق البيانات الرسمية، مع شركات خاصة مسؤولة عن حوالي الثلثين، وواجهت الشركات الخاصة 138 مليار دولار أخرى من ديون العملات الأجنبية المستحقة عام 2019، بالنظر إلى أنّ الإنتاج الاقتصادي الإجمالي لتركيا بلغ حوالي 766 مليار دولار العام الماضي؛ حيث كانت هذه الأرقام مثيرة للقلق، خاصة قبيل انتخابات البلدية التي خسر فيها الحزب أهم معاقله.

محلل اقتصادي بريطاني: الأعمال المالية في تركيا غير شفافة وعرضة للتلاعب السياسي؛ إذ استغلّ أردوغان البنوك المملوكة للدولة في تمويل المشروعات المفضلة لحزبه

وبحسب وصف جودمان؛ فإنّ الأعمال المالية في تركيا غير شفافة وعرضة للتلاعب السياسي؛ إذ استغلّ أردوغان البنوك المملوكة للدولة في تمويل المشروعات المفضلة لحزبه، وأبقت الشراكات بين الدولة والشركات الخاصة الديون المستحقة على دفاتر المؤسسات الحكومية، بالطبع كانت تلك الكلفة الطبيعية للتدخل السافر الذي قاده أردوغان في الأراضي السورية؛ إذ أصبحت تركيا بعد هذه الحرب أكبر مستورد للأسلحة من ألمانيا؛ فقد بلغت وارداتها من الأسلحة الألمانية، عام 2018 نحو 242,8 مليون يورو، ما يساوي ثلث القيمة الإجمالية لصادرات الأسلحة الألمانية البالغة 770,8 مليون يورو، وبالفعل فإنّ أولى النتائج للحرب على سوريا كانت فقدان الليرة التركية أكثر من 5% في الأسبوع الأول من الحرب، لتصبح بعد انخفاض كبير إحدى أسوأ عملات العالم، ثمّ جاءت العقوبات على أنقرة، من قبل أمريكا والاتحاد الأوروبي الذي أصدر قراراً بوقف تصدير الأسلحة إلى تركيا، وزادت الكلفة الجمركية لواردات البلاد من الصلب بنسبة 50% إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ما زاد الأمر تعقيداً، ليضطر أردوغان إلى اللجوء لروسيا، متغاضياً عن أنّها حليف تاريخي وإستراتيجي للأسد في سوريا.

في مديح بوتين

وتودداً لبوتين؛ توجّه أردوغان إلى روسيا، مطلع آذار (مارس) الماضي، وبينما كان في طريقه إلى العودة من موسكو، صرّح لوكالة "سبوتنيك" الروسية، بأنّه حريص على العلاقات الروسية التركية، وأنّ الحرب المستعرة في إدلب هي ضدّ نظام الأسد الذي يقتل شعبه، ولا تستهدف روسيا، بأيّ شكل من الأشكال، كان هذا التصريح في إطار مطالبات دولية بإعلان وقف إطلاق النار في إدلب وانتهاج الحلّ السياسي، ليكمل أردوغان حديثه، الذي بدا فيه قدراً من التراجع نتيجة لما لحق به من خسائر في سوريا؛ أنّ "وقف إطلاق النار سيحافظ على أمن الحدود التركية، واستقرار إدلب وأمن المدنيين وعودة الحياة في المدينة لطبيعتها، وسلامة الجنود الأتراك هناك"، ويبدو أنّ هذا التراجع الذي أظهره أردوغان كان من أجل معركته التالية التي سيواجه فيها روسيا، ولكن على الأراضي الليبية، التي ستكون تعويضاً مجدياً عن هزائمه المتكررة في سوريا.

ويتضح أنّ انتصار أردوغان الممستحيل في ليبيا، هو آخر ورقة رابحة يمكن أن يلقيها للشعب التركي الذي ضاق ذرعاً بتهور رئيسه، والمقامرة بأبنائهم في إدلب، التي قتل فيها عشرات الجنود الأتراك، إلى جانب مئات المصابين، وتلك الخسارات الإنسانية هي ما ستزيد غضب الشعب الغاضب بالفعل جراء النزيف الاقتصادي الذي لم يتوقف، رغم كلّ ما تقدمه الدولة الخليجية الحليفة من دعم على صعيد الاستثمارات، لكنّ الفوز بليبيا، وهو صعب المنال، سيظهر أردوغان كالفارس المغوار أمام شعبه، وسيضع يده على أكبر معقل نفطي في العالم، ليبقى جالساً فوق عرش المنطقة، محققاً أحلامه التوسعية فوق جثث الشعبَين، التركي والليبي، ومن ضرائب الأتراك.

الصفحة الرئيسية