بسبب الحرب والفقر: أزمة الإيواء تتفجر في قطاع غزة

بسبب الحرب والفقر: أزمة الإيواء تتفجر في قطاع غزة

بسبب الحرب والفقر: أزمة الإيواء تتفجر في قطاع غزة


05/03/2026

في فصل دراسي داخل مدرسة تحولت إلى مركز إيواء مؤقت بحي الشيخ رضوان بمدينة غزة، تعيش الفلسطينية سناء عبدو، وهي أم لأربعة أبناء، تفاصيل حياتها منذ فقدان منزلها خلال الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة.

وتبدأ عبدو (46 عاماً) حديثها وكأنّها تسترجع شريطاً ثقيلاً من الذكريات، وتقول: "في تلك الليلة كان القصف عنيفاً وقوياً، ولم يكن أمامنا وقت، فأخذت أطفالي الأربعة، ووضعت بعض الملابس في حقيبة صغيرة، وحملت أوراقنا الرسمية، وخرجنا ونحن لا نعلم إن كنا سنعود أم لا".

وتصمت للحظات، ثم تضيف: "في الصباح حاول زوجي العودة ليرى المنزل، عاد وهو يبكي، وقال لي: البيت لم يعد موجوداً".

وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، قد قال أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست بتاريخ 13 أيار/مايو 2025: إنّ "إسرائيل تدمر المزيد والمزيد من المباني والمنازل في غزة كي لا يجد الفلسطينيون مكاناً يعودون إليه، مضيفاً: "النتيجة الواضحة والوحيدة لهذه السياسة أنّ سكان غزة سيختارون الهجرة خارج القطاع".

ووفق دراسة أجراها المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، فإنّ إجمالي الوحدات السكنية المتضررة من الحرب بلغ نحو 360 ألف وحدة، أي ما يقارب 92% من إجمالي الوحدات السكنية في القطاع.

ومن بين هذه الوحدات دمرت حوالي 160 ألف وحدة تدميراً كليّاً، وتضررت نحو 60 ألف وحدة بشكل جزئي، إضافة إلى 140 ألف وحدة لحقت بها أضرار جسيمة تتطلب تدخلاً هندسياً معقداً لإصلاحها أو إعادة تأهيلها.

وتكبد قطاع الإسكان خسائر مالية هائلة نتيجة الحرب الممتدة بين 2023 و2025، وهو ما يجعل كلفة إعادة البناء والإصلاح، إلى جانب البنية التحتية المرتبطة بالمياه والكهرباء والطرق، تقدّر بين 25 و30 مليار دولار أمريكي.

وتشير التقديرات إلى أنّ نحو 1.6 مليون فلسطيني يعيشون حالياً في الخيام بعد فقدان منازلهم، وهو واقع إنساني بالغ الهشاشة تحاول دولة الاحتلال توظيفه كورقة ضغط سياسي، عبر رهن التعافي وإعادة الإعمار باشتراطات سياسية وأمنية.

حياة داخل فصل دراسي

تصف عبدو منزلها الذي كان عبارة عن شقة متواضعة في الطابق الثالث من مبنى سكني يضم عائلة زوجها، وتقول: "البيت لم يكن فخماً، لكنّه كان حلم سنوات من التعب، وكل زاوية فيه كانت تحمل ذكرى، غرفة أطفالي، المطبخ الصغير الذي كنت أعد فيه الطعام، الشرفة التي كنا نجلس فيها مساء، اليوم لا يوجد شيء".

وتقيم عبدو حالياً في مدرسة تابعة للأونروا تحولت إلى مركز إيواء داخل فصل دراسي لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار، وتعيش فيه أربع عائلات.

وتصف المشهد: "نحن 23 شخصاً في غرفة واحدة، ننام متلاصقين، ولا يوجد مكان لتغيير الملابس بخصوصية، الحمامات مشتركة بين مئات الأشخاص، والمياه قليلة، والكهرباء مقطوعة".

وعن يومها المعتاد تقول: "أستيقظ قبل الجميع لأقف في طابور المياه، أحياناً أنتظر ساعتين أو ثلاثاً، وبعدها أبحث عن شيء أعدّه للأطفال، المساعدات لا تكفي دائماً، وأحيانا تمرّ أيام دون أن نحصل على شيء".

وتوضح عبدو: "العبء الأكبر يقع على النساء داخل مراكز الإيواء، فالمرأة مسؤولة عن الأطفال، وعن الطعام، وعن النظافة، وعن تهدئة الخوف، لكن من يهدئ خوفها هي؟".

الإيجارات... حلم مستحيل

حاولت العائلة البحث عن شقة للإيجار بعد أشهر من النزوح، لكنّ الصدمة كانت في الأسعار، وتتابع: "الإيجار الذي كان 200 دولار شهرياً سابقاً، أصبح 600 دولار وأكثر، ومن أين لنا هذا المبلغ؟ زوجي كان يعمل عاملاً يومياً، والآن لا يوجد عمل، حتى لو وجدنا بيتاً، لا نستطيع تحمل التكلفة".

وتكمل بمرارة: "نشعر أننا عالقون، لا بيت لنا، ولا قدرة على استئجار بيت، وليس هناك أفق واضح لإعادة الإعمار".

وتضيف: "حتى أنا لم أعد كما كنت، وأشعر بتعب دائم، وتوتر، وخوف من المستقبل، فالمرأة في بيتها تشعر بالأمان، أمّا هنا فنحن مكشوفون".

وتؤكّد أنّ "فقدان السكن ليس مجرد فقدان لجدران وسقف، بل هو فقدان للاستقرار الاجتماعي والأسري، فالبيت كان يجمعنا، أمّا الآن فنحن مشتتون نفسياً، حتى علاقتنا كعائلة تأثرت بسبب الضغط والاختناق وقلة الخصوصية".

وتختتم عبدو حديثها قائلةً: "لا أطلب المستحيل، أريد بيتاً صغيراً، وباباً نغلقه علينا، وسريراً ينام عليه أطفالي بأمان، وأن نعيش حياة عادية مثل أيّ إنسان في هذا العالم".

ذوو الإعاقة وأزمة السكن

في زاوية خيمة صغيرة مثبتة بأوتاد خشبية على أرض غير ممهدة بخان يونس جنوب قطاع غزة، يجلس أحمد شلبي (29 عاماً)، وهو شاب يعاني من إعاقة حركية دائمة نتيجة إصابة سابقة في ساقيه، بعد أن تعرّض منزله لدمار جزئي كبير وأصبح غير صالح للسكن.

وقبل الحرب كان شلبي يعيش في منزل مع أسرته في مدينة غزة، تمّ تصميمه بما يتناسب مع احتياجاته، اليوم يجد نفسه في مساحة ضيقة لا تراعي أبسط متطلبات الحركة الآمنة.

ويبتسم ابتسامة حزينة، ويتابع: "مرت الأيام، ثم الأسابيع، ثم الشهور، وعرفنا لاحقاً أنّ بيتنا لم يعد قائماً، فكان المنزل، كما يصفه، نتيجة سنوات من العمل الشاق لوالدي في الداخل الفلسطيني، فتمّ بناء البيت طابقاً فوق طابق، وكل حجر فيه كان من تعبنا".

ولم يكن البيت مجرد جدران، كان وسيلة نجاتي، بهذه العبارة يكمل شلبي حديثه وهو ينظر إلى الأرض الرملية التي تعيق حركة كرسيه المتحرك، ويضيف: "الناس تفقد بيوتها، وهذا مؤلم للجميع، لكن بالنسبة إليّ، البيت لم يكن فقط مكاناً للسكن، كان مصمماً ليسمح لي بالحركة دون مساعدة دائمة".

ويوضح: "كنت أستطيع الاعتماد على نفسي داخل البيت، أتحرك بحرية، وأدخل الحمام دون مساعدة، وأفتح الباب وأخرج، الآن فقدت هذا الاستقلال".

لحظة النزوح كانت العبء الأثقل

عند اشتداد القصف، اضطرت الأسرة للمغادرة سريعاً، ويصف شلبي تلك اللحظة بتأثر واضح قائلاً: "الكل كان يركض، ووالدتي كانت تحمل بعض الأغراض، وإخوتي يساعدون بعضهم بعضاً، أمّا أنا، فكنت بحاجة لمن يحملني مع الكرسي".

ويتوقف قليلاً، ثم يكمل: "شعرت أنني عبء عليهم، الطريق لم يكن ممهداً، والناس تتدافع، وسقطت مرة، وأصبت بكدمات، كانت لحظات صعبة نفسياً قبل أن تكون جسدياً".

ويؤكّد شلبي أنّ النزوح لم يكن مرة واحدة، فقد انتقل مع عائلته بين ثلاثة أماكن خلال أشهر قليلة، في البداية لجؤوا إلى بيت أقاربهم، لكنّ العدد كان كبيراً جداً، ثم انتقلوا إلى مدرسة تحولت إلى مركز إيواء، وبعدها اضطروا لمغادرتها بسبب الاكتظاظ الشديد إلى أحد المخيمات.

ويشرح ظروف الحياة في مخيم الإيواء: "العائلات تفصل بينها أغطية معلقة، لا خصوصية، ولا راحة، والأطفال مرضى بسبب البرد والرطوبة، وأحياناً أشعر أننا نعيش في مخيم مؤقت بلا نهاية".

الإيجارات تلتهم ما تبقى

ومع تزايد أعداد النازحين ارتفعت أسعار الإيجارات بشكل حاد، "بحثنا عن شقة صغيرة في جنوب قطاع غزة، ووجدنا شقة بلا نوافذ تقريباً، يطلب صاحبها مبلغاً يعادل ثلاثة أضعاف الإيجار السابق قبل الحرب، فكيف ندفع؟ ولا يوجد عمل، وليس لدينا دخل ثابت حالياً".

ويقول بنبرة ثابتة رغم التعب: "الحرب قد تهدم الحجر، لكننا نحاول أن نحافظ على ما تبقى من إنسانيتنا، البيت سيبنى يوماً ما، لكنّ الأهم أن تبقى عائلاتنا متماسكة".

ويضيف: "الإعاقة ليست المشكلة بحد ذاتها، المشكلة حين لا تكون البيئة مهيأة، لو كانت الأرضية صلبة، والحمام مناسباً، لاستطعت التأقلم بشكل أفضل".

القصف لا يثير  الخوف على حياته فقط، بل على قدرته على الهروب في حال الطوارئ، ويتابع شلبي: "حين أسمع انفجاراً قريباً، أوّل ما أفكر فيه كيف سأتحرك بسرعة إذا اضطررنا للهرب؟ إنّ الشعور بالعجز أمام الخطر أقسى من الخطر نفسه". ويضيف شلبي بنبرة ثابتة: "فقدت بيتي، لكنني لا أريد أن أفقد استقلالي، أريد فقط بيئة تمكنني من العيش بكرامة، فهذه أشياء قد تبدو صغيرة لكنّها تعني لي حياتي".

زيادة الطلب على المساكن

يرى الكاتب والمحلل الاقتصادي محمد جودة أنّ "الحرب الإسرائيلية على غزة أدت إلى زيادة حادة في الطلب على المساكن المتاحة، مع تدمير آلاف الوحدات السكنية، وهذا الضغط أدى إلى ارتفاع الإيجارات بشكل مضاعف مقارنة بالفترة السابقة، فالسوق الذي كان محدود العرض بات شبه مشلول، وأصبح هناك صعوبة كبيرة في الوصول إلى السكن المناسب للأسر ذات الدخل المحدود".

ويضيف جودة: "الوحدات السكنية المدمرة بالكامل تفقد كامل قيمتها السوقية، بينما الوحدات المتضررة جزئياً تصبح أقلّ جذباً للمستأجرين والمشترين، ممّا يقلل من قيمتها الفعلية".

ويشير: "الأسر التي فقدت منازلها تواجه أعباء مالية مضاعفة، عبر دفع إيجار مرتفع أو شراء مواد لتأمين مأوى مؤقت، وهذا كله يضغط على ميزانية الأسر ويزيد من مستوى الفقر، خاصة بين الطبقات المتوسطة والدنيا".

ويتابع جودة: "مع توقف العديد من الأنشطة الاقتصادية وارتفاع أسعار الإيجارات والسلع الأساسية تنخفض القدرة الشرائية للأفراد، حتى الأسر التي لم تدمّر منازلها بالكامل تجد نفسها مقيدة مالياً بسبب زيادة النفقات الطارئة، وهو ما يؤدي إلى ركود اقتصادي أوسع".

ويوضح: "القيود على دخول مواد البناء تجعل إعادة الإعمار مكلفة وبطيئة، وهذا يرفع تكلفة المساكن ويزيد أزمة الطلب والعرض، ويجعل الحلول المؤقتة أكثر استمراراً من المتوقع، وهو ما يثقل كاهل الأسر والاقتصاد المحلي على حد سواء".

ويُحذّر جودة من أنّ "استمرار أزمة السكن بغزة له تداعيات طويلة المدى كارتفاع مستمر في أسعار الإيجارات، وتفاقم الفقر وارتفاع معدلات البطالة، ممّا يؤدي إلى نزيف اقتصادي وفقدان رأس المال البشري".

ويؤكد جودة أنّ "الحلول الاقتصادية الممكنة لتخفيف الأزمة، هي تقديم دعم مباشر للأسر النازحة عن طريق تقديم منح إيجار ومساعدات نقدية، والضغط على الاحتلال الإسرائيلي لتسهيل إدخال مواد البناء لإعادة الإعمار بشكل أسرع، وتنظيم سوق الإيجار مؤقتاً لمنع المضاربة وارتفاع الأسعار غير المبرر".

النساء والرجال تحت ضغط مضاعف

تقول الإخصائية النفسية بمركز العودة الصحي في غزة أماني محمود: إنّ "فقدان المنزل يُعدّ صدمة نفسية عميقة، لأنّه يمثل الأمان والاستقرار والخصوصية والهوية، وحين يفقد الإنسان منزله فجأة، يشعر بأنّ أساس حياته قد اهتز، وهذا يولد حالة من القلق المزمن".

وتوضح: "الاكتظاظ وغياب الخصوصية يرفعان مستويات التوتر، فالإنسان يحتاج لمساحة شخصية يشعر فيها بالسيطرة والهدوء، وفي مراكز الإيواء تختفي الحدود الخاصة، ممّا يؤدي إلى احتكاكات أسرية ومجتمعية متكررة، ومشكلات سلوكية وعدوانية نتيجة الضغط المستمر".

وتتابع: "النساء يتحملن عبئاً نفسياً مضاعفاً، فإضافة إلى خوفهن الشخصي، يشعرن بمسؤولية حماية الأطفال، كما أنّ غياب الخصوصية قد يزيد من الشعور بالإجهاد والإرهاق النفسي، ممّا يؤدي إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين الأمهات في بيئات النزوح".

وتوضح: "البيت والعمل مرتبطان بالشعور بالهوية والقدرة على الإعالة، وعندما يفقد الرجل الاثنين معاً يشعر بفقدان القيمة الذاتية، وهذا يؤدي إلى إحباط شديد وانسحاب اجتماعي، وأحياناً سلوكيات اندفاعية نتيجة الشعور بالعجز".

وتكمل: "فقدان المنزل له تأثير مضاعف على ذوي الإعاقة، فهم لا يفقدون فقط بيوتهم، بل يفقدون بيئة مهيأة لاحتياجاتهم، فالشعور بفقدان الاستقلالية قد يسبب اكتئاباً حاداً وإحساساً بالعجز".

وعن احتمالية استمرار الآثار النفسية بعد انتهاء الحرب، تؤكد محمود أنّه "بعد إعادة الإعمار يبقى الخوف من تكرار التجربة، فبعض الأفراد يعانون لسنوات من القلق المزمن، لأنّ إعادة بناء الحجر أسهل من إعادة بناء الشعور بالأمان".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية