انتخابات تونس.. برلمان دون أغلبية وفوز منقوص لحركة النهضة الإخوانية

تونس

انتخابات تونس.. برلمان دون أغلبية وفوز منقوص لحركة النهضة الإخوانية

مشاهدة

09/10/2019

لم تكذّب الانتخابات التشريعية التونسية، التي جرت في 6 تشرين الأوّل (أكتوبر) الحالي، توقّعات المراقبين، بحدوث مفاجآتٍ قد تغيّر المشهد السياسي، وتكوين برلمانٍ مشتّتٍ، ومقسّمٍ، وفاقدٍ للأغلبية، التي لم تتحصل عليها أيّ قوّةٍ سياسيةٍ ولو نسبيةٍ، تمكّنها من العمل بأريحية، وذلك بعد أن أسفرت نتائج الانتخابات، حسب شركات سبر الآراء، عن تقدّم حركة النّهضة الإسلامية عن باقي الأحزاب بـ50 مقعداً فقط، مبدئياً، من أصل 217 عدد مقاعد مجلس النواب (البرلمان)، فيما تحتاج أيّ حكومة إلى 109 مقاعد كحدٍّ أدنى لتأمين نسبة خمسين زائد واحد الضرورية لنيل الثقة، لتعيينها في الآجال القانونية.

اقرأ أيضاً: تونس.. هل خطفت الانتخابات الرئاسية الأضواء من قبة البرلمان؟
وسارعت الأحزاب فور صدور النتائج الأوّلية غير الرسمية للاستحقاق الانتخابي إلى تأكيدها على عدم الدخول في أيّ تحالفٍ مع حركة النّهضة الإسلامية، حتّى لا ترمي عليها فشلها كما فعلت مع حليفها السابق (نداء تونس)، فيما أكدت استطلاعات رأي أنّ البرلمان سينقسم إلى كتلٍ صغيرة، غير متحالفةٍ، ولا متفقة، وهو ما فاقم المخاوف من إمكانية عدم التوصل إلى تشكيل حكومة في الآجال الدستورية، المحدّدة بأربعة أشهرٍ، مؤكّدةً إمكانية إجراء انتخاباتٍ مبكّرة، وفق ما ينص عليه القانون، في حال عجزت هذه الأحزاب عن التوافق حول حكومةٍ بأغلبية 109 أصوات.
 تونس تنتخب برلماناً جديداً بكتل مشتتة وغير متجانسة

سقوطٌ مدوٍ لـ "الحزب الحاكم"
أكبر مفاجآت الانتخابات التشريعية كانت الخسارة الساحقة التي مُني بها حزب نداء تونس (الشريك الأوّل في الحكم) الذي أسّسه الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، وتحصّل على المرتبة الأولى بـ86 مقعداً في انتخابات 2014، بعد حصوله فقط على نسبة 2 بالمائة قد تؤهّله لنيل مقعدٍ وحيدٍ أو مقعدين على أقصى تقديرٍ.

اقرأ أيضاً: مخالفات الانتخابات في تونس.. هل تسقط القوائم المنتخبة؟
ويرجع محلّلون هذا السقوط، إلى ما مرّ به الحزب خلال الخمس سنوات الماضية، من صراعاتٍ داخلية أفضت إلى انهياره، وتشقّقه إلى عدّة أحزابٍ، مُنيت هي الأخرى بخسارةٍ كبيرةٍ، باستثناء حزب "تحيا تونس"، الذي أسّسه رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، الذي تم تجميد عضويته من الحزب بسبب خلافاته مع نجل الرئيس، وتحصل على 16 مقعداً مبدئياً، إلى جانب وفاة زعيمه الذي كان يحظى بثقة جماهيريةٍ كبيرة.

أكبر مفاجآت الانتخابات التشريعية كانت الخسارة الساحقة التي مُني بها حزب نداء تونس

من جانبه، أقرّ الدبلوماسي السابق، والناشط بنداء تونس أحمد ونيس، أنّ الحزب انتهى سياسياً، ولن يستطيع العودة كما كان، مشيراً إلى أنّ خروج الشاهد وبعض القيادات الأخرى، وتكوين أحزابٍ تحمل نفس أفكار النداء أضعف الحزب، وأفرغه من الداخل.
وأضاف ونيس في تصريحه لـ "حفريات"، أنّ حافظ قايد السبسي، نجل الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، كان بإمكانه إنقاذ الحزب من الانهيار، لو أحسن تسييره حين تسلم إدارته من والده، واصفاً خسارة الحزب بـ"الخيبة المتوَقعة"، خصوصاً بعد تصدع الحزب منذ العام 2015، وانقسامه إلى عدّة أحزابٍ.
الانتخابات التشريعية غيبت أيضاً أحزاباً وسطيةً، لها تاريخها النضالي كحزب التكتل والمؤتمر من أجل الجمهورية، وأقصت أحزاباً أخرى تشكلت بعد الثورة كحزب آفاق تونس، والاتحاد الوطني الحر، بعد أن عاقبها ناخبوها؛ لأنّها تنكّرت لتعهّداتها ووعودها خلال انتخابات 2014، بعد أن وضعت يدها بيد حركة النّهضة.
 التونسيون يقصون اليسار من البرلمان

اليسار ينهار
مثّلت هزيمة القوى اليسارية صدمةً حقيقيةً لدى الأوساط السياسية في تونس، خصوصاً أنّ هذه القوى كانت ولفترةٍ قريبةٍ تمثّل ثقلاً سياسياً بعد أن قدّمت شهيدين من كبار قياداتها، هما محمد البراهمي وشكري بلعيد، اللذين قُتلا في عمليات اغتيال سياسي طالتهما منذ العام 2013، وشكّل ذلك حينها مشهداً فاصلاً في الواقع التونسي، أكسب الأحزاب اليسارية تعاطفاً جماهيرياً واسعاً، مكّنها من الحصول على 15 مقعداً برلمانياً في انتخابات 2014، غير أنّها خسرتها جميعها.

الانتخابات التشريعية غيبت أحزاباً وسطيةً لها تاريخها النضالي كحزب التكتل والمؤتمر من أجل الجمهورية

هذا وانهزم الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي (يساري)، الذي تقدم بقائماتٍ في أغلب الدوائر الانتخابية، وترأست بسمة الخلفاوي، أرملة الشهيد اليساري شكري بلعيد، قائمته عن دائرة تونس 1 (إحدى أهم الدوائر الانتخابية، التي فاز فيها زعيم حركة النهضة راشد الغنّوشي)، غير أنّها لم تتمكن من ضمان مقعدٍ في البرلمان، ما مثل صدمة لهذا الائتلاف ولمن كان يراهن على صعوده إلى البرلمان لتحقيق التوازن.
ويعتبر خروج اليسار من البرلمان سابقةً في تاريخ البلاد التونسية، لها انعكاساتٌ سلبية على المشهد السياسي، خاصّةً مع تاريخ اليسار في بناء الاتّحاد والمُعارضة، وفي مساندة التحركات الاجتماعية، التي تقودها الطبقات الفقيرة، والمهمّشة، والمعطلون عن العمل، منذ ثورة كانون الثاني (يناير) 2011.
وهو ما اعتبره المحلل السياسي باسل ترجمان نتيجة متوقّعة؛ لأنّ هذه القوى اليسارية اختارت أن تكون بعيدةً عن الواقع، "فهي بدل أن تسعى لخدمة المواطن، تحوّلت إلى قوى تتصارع فيما بينها وتتحارب على زعاماتٍ وهميةٍ، واعتبر كلٌّ منهم أنّه الزعيم والقائد، والوحيد الذي يملك القدرة على إنجاح المسار الثوري".
ودعا في تصريحه لـ"حفريات" القيادات اليسارية التي "تجاوزها الزمن"، ولم تعد قادرةً على تجميع القوى اليسارية حول فكرةٍ موحدةٍ، إلى الانسحاب من المشهد، وأن "تعي بأنّها فشلت في إقناع الناخبين، وليس كما يراودهم بأنّ الشعب هو من فشل في انتخابهم، وأن يتركوا المجال للأجيال الصاعدة لتنفيذ مشروع اليسار الكبير على أرض الواقع".
 صعود قوى يمينية في تشريعيات تونس 2019

برلمان دون أغلبية نيابية
رغم أنّ النتائج، غير الرسمية، وضعت حركة النهضة في المركز الأوّل، بفارقٍ بسيط عن خصمها حزب "قلب تونس"، فإنّ عدم حصولها على مقاعد وازنة وصعود كتلٍ برلمانية صغيرة مشتتة ومتناقضة، سيطرحان "مصاعب" في نسج التحالفات داخل البرلمان، وفق ما يؤكده مراقبون محليون.
فحركة النّهضة التي تحصّلت على 50 مقعداً فقط، حسب النتائج الأوليّة لشركات استطلاع الرأي، بعد أن فازت بـ69 مقعداً في 2014، لن تستطيع تعيين رئيس حكومة بمفردها، أو تمرير حكومةٍ عبر منحها الثقة داخل البرلمان، دون تكوين تحالفاتٍ تمكّنها من تجميع 109 صوتٍ مطلوبةٍ، حتى تكسب هذه الحكومة الشرعية القانونية.

يعد خروج اليسار من البرلمان سابقةً في تاريخ البلاد التونسية لها انعكاساتٌ سلبية على المشهد السياسي

ومنذ إعلان النتائج الأوليّة للانتخابات التشريعية، سارعت الأحزاب الفائزة بمقاعد برلمانية إلى الإعلان عن مواقفها الرافضة لأي محاولةٍ للتحالف مع حركة النّهضة الإسلامية؛ حيث عبّر كلٌّ من حزب قلب تونس الذي تحصل على المرتبة الثانية بأكثر من 35 مقعداً، والدستوري الحر (ثالث قوة في البرلمان) والتيار الديمقراطي وحركة الشعب عن رفضهم الدخول في تحالف مع حركة النهضة، وهو ما يعقّد فرص تشكيل ائتلافٍ حكومي.
هذا التشتّت اعتبره المحلل السياسي رافع الطبيب "تخبّطاً في الهزيمة"، لافتاً إلى أنّ العالم يشهد لأوّل مرّةٍ انتخاباتٍ ليس فيها منتصرون؛ لأنّ الكلّ منهزم؛ لأنّ نسبة مشاركة الشعب فيها، التي لم تتجاوز 40 بالمائة، خير دليلٍ على ذلك، معتبراً أنّ "من صعدوا إلى البرلمان اختارهم أقل من ربع الشعب التونسي".
وأضاف الطبيب في حديثه لـ"حفريات"، أنّ هناك من الأحزاب من تحصّل على نسبة 6 بالمائة من مجموع لناخبين، أي 2 بالمائة فقط من مجموع التونسيين، ويطالب بأن يتسلّم وزارت السيادة (الداخلية والعدل)، مشيراً إلى أنّ أغلب من صعدوا إلى البرلمان غير قادرين على تسيير دواليب الدولة، مشدّداً على أنّ هذه الأحزاب "مجرّد مجموعاتٍ صغرى لا تمثّل حالة شعبيّة ولا ديمقراطية".

 

سيناريوهات محتملة
تشتّت الكتل النيابية واختلاف مرجعياتها، وصعوبة توفير النصاب القانوني لمنح الثقة للحكومة التي تتطلب 109 أصوات على الأقل بالنظر إلى تشرذم البرلمان وتباعد توجهات كتله الفائزة بعضويته، طرح إمكانية الذهاب إلى انتخاباتٍ مبكّرة في آذار (مارس) المقبل، وهو ما قد يتسبّب في وضعٍ سياسي هش، وعدم استقرارٍ حكومي، سينعكس سلباً على أداء البرلمان والحكومة معاً.

منذ إعلان النتائج الأوليّة سارعت الأحزاب الفائزة بمقاعد للإعلان عن مواقفها الرافضة للتحالف مع حركة النّهضة

وينص الدستور التونسي على أنّ رئيس الجمهورية المنتخب يُكلّف، وفي أجل أسبوعٍ من الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، الحزب الفائز أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عددٍ من المقاعد بمجلس نواب الشعب بتكوين الحكومة، في ظرف شهرٍ واحدٍ، وإن فشلت يُمدد لها شهر آخر.
وفي حال فشل الحزب الفائز في تكوين حكومةٍ خلال شهرين، أو في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب بـ109 أصوات، يقوم رئيس الجمهورية في أجل 10 أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة، كما يمكن للرئيس حل البرلمان في حال مرت 4 أشهر دون تكوين حكومة، ومنحها الثقة.
ويرى المحلّل السياسي باسل ترجمان في حديثه لـ"حفريات"، أنّ تونس ستقبل على خمس سنواتٍ من حكم القوى اليمينية، إن نجحت حركة النّهضة في تشكيل حكومةٍ، بالتحالف مع ائتلاف الكرامة، وحزب الرّحمة (يتبنون أفكاراً يمينية)، اللذين انطلقا في توجيه اتّهامات خطيرة للسفير الفرنسي بتونس، بعد أقلّ من 48 ساعة من صدور النتائج الأولية، فيما تحدّث أحد المنتخبين لعضوية البرلمان، عن ضرورة منع الأطباء الرجال من توليد النساء، وهو ما اعتبره خطراً على الأمن والسلم الاجتماعي لتونس، ولعلاقاتها الإقليمية والدولية.

الصفحة الرئيسية