النقد الثقافي بين جدليات الترف وتجليات الضرورة

النقد الثقافي بين جدليات الترف وتجليات الضرورة

مشاهدة

15/07/2020

شكّلت بنيوية "دي سوسير" اللغوية وبنياتها الهندسية والمعمارية، وانزياحاتها التي أسست لمنهج نقدي داخل نصي أتى حتى على المذاهب الفكرية والمنطلقات الفلسفية والتوجهات الأيديولوجية، شكّلت محطة بارزة ومفصلية في تاريخية تبدل سبل التناول والتعاطي وحتى التنظير ذاته. بيد أنّ توجهات نقدية حديثة لاحقة كانت قد جاءت من رحم البنيوية قامت هي ذاتها بالتصدّي للبنيوية ومقولاتها، وذلك لإثبات أنّ النص وحده، وعلى أهميته، لن يكون وحيداً لا شريك له في فهم النصوص وتبيان معانيها، ولا تخفى هنا تلك المرجعيات الفلسفية التي تفيأت في ظلال البنيوية وفي إطار ردود حاسمة ورفض مطلق للبحث خارج النصوص عن دلالات جاهزة ومعلبة، فكانت ثورة إذ ذاك على المناهج التاريخية والرومانسية والرمزية والسياقية عموماً، وإن كانت المقولات المؤسسة للبنيوية مثار جدالات عميقة تمّ الكشف عنها لاحقاً في أواسط القرن الماضي، لا سيّما بعد ترجمتها إلى الفرنسية.

ميزة مناهج النقد الأدبي الحديث، التي نشأت في الغرب، أنّها تزامنت تطوّرياً مع المستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تلك المرحلة

إنّ ميزة مناهج النقد الأدبي الحديث، التي نشأت في الغرب وخاصة على ضفتي الأطلسي، تكمن في أنّها تزامنت تطوّرياً مع المستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي زامنتها واشتبكت معها، بما فيها من إشكاليات مرتبطة بالنهضة الأوروبية ولاحقاً بالحربين العالميتين؛ الأولى والثانية، ومعسكري الرأسمالية والشيوعية وما طرحته من مفاهيم مرتبطة بالحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتسلل تلك المفاهيم إلى الأدب بوصفه مرآة عاكسة ومحاكاة في أبسط تجليات الوظيفة الأدبية...، ما استدعى لدى نفر من المنظّرين استدعاء سؤال "أدبية الأدب" ونظرية "الأجناس الأدبية ووظيفة الأدب"، فكانت تلك المناهج الترجمة الأمينة لتلك التطوّرات في مجال النقد الأدبي التابع بدوره.

اقرأ أيضاً: العقل النقدي.. أولوية مُلحّة لمواجهة الفكر المتطرف

مع بداية العقد الأخير من القرن الماضي -بعد سقوط الاتحاد السوفييتي-  ظهرت حزمة أفكار ما بعد الحداثة، القائمة على مصفوفة قيمية واسعة من الأفكار في حقول المعرفة والحضارة المختلفة "الفنون، الدراما، العمارة، الأدب، الاجتماع والاقتصاد والسياسة"... وعلى كلّ ما له صلة بالسلوك الإنساني، وجوهرها هدم كلّ تلك الثوابت والمحدّدات والمسلّمات التي تسيّدت ردحاً من الزمن، بما في ذلك سقوط الأفكار الكبرى بأنساقها المضمرة، وخاصّة تلك الأنساق المغلقة على نفسها.

اقرأ أيضاً: طيب تيزيني في ذمة القراءة والنقد

في الأدب تسيّد الفصل الحاد بين ثلاثية "الناصّ، والنصّ، والمتلقي"، فمات المؤلف وأغرق البنيويون في إعلاء شأن النص المحايث وتجريده ممّا يسبقه أو يلحق به حتى عصر البنيوية التكوينية ومحاولات غولدمان الخروج من هذا المنزلق، فجاء الردّ عبر مفاهيم الشراكة في إنتاج النصوص وبمرجعيات الدلالة المتولدة في المعنى وحواضنها الأصيلة، فقد جاءت نظريات أدبية توسّعت بالردّ على البنيوية، فكان النقد الثقافي نتاجاً من نتاجات النقد الجديد في أمريكا، اتخذ من مفاهيم الأنساق المضمرة والبحث والتنقيب عنها في النصوص المهيمنة والمهمّشة عنواناً له، وفقاً لتفكيكية جاك دريدا والنقد الكولونيالي وفضاءات النقد النسوي، بحثاً عن الثنائيات الضدّية وتشريحها، ليس بهدف إبراز التناقض الكامن فيها، بل بهدف دراسة منهجية لتلك النصوص، جوهرها أنّ معاني النصوص خارجها، ولم تكن يوماً وليدة النص المنكفئ على نفسه.

اقرأ أيضاً: تجليات النقد والتنوير عند طه حسين

يواجه النقد الثقافي، شأنه شأن مناهج النقد الأدبي الحديث، إشكاليتي: المفهوم والمصطلح، وفيما إذا كانا مفهومين نقديين يتوسّلان النص بغية تحليله ومعالجته والبحث عن جمالياته، إنّ إضافة كلمة الثقافي، بما هي عليه الثقافة من إشكالية مرتبطة بعدم استقرار المصطلح والمفهوم وارتباطها بمفهوم الحضارة بشقيه المادي والثقافي، كانت سبباً في مواصلة غموض المصطلح، إلّا أنّ معايير النقد الثقافي ومرتكزاته يمكن استكشافها من دراسات النقد الثقافي والمقولات المؤسسة له؛ فهو يُعنى بالمؤلف، والسياق، والمقصدية، والقارئ، ومرجعيته في قراءة النصوص وتقييمها وفق مسلّمات ثقافية وسياسية وأخلاقية سابقة على وجود النص، إنّها في الحقيقة "أنساق مضمرة لدى الناقد"، يستبطنها النص وفقاً لفرضية ولادتها، في وعي من المؤلف أو بدونه، مع ترجيح أنّها خارج وعيه، وتؤكد أدبيات رموز هذا النقد أنّ هدفه ليس إصدار أحكام قيمة على النصوص وفقاً لثنائية: الخطأ والصواب، بقدر ما يهدف إلى كشف العيوب النسقية التي توجد في الثقافة والسلوك ذاته، وذلك بعيداً عن الخصائص الجمالية والفنية، وبالتالي تعرية الخطابات المؤسساتية والفوقية المهيمنة وشروطها لفرض مقاييسها على الجماهير، وهو ما جعلها تستظهر التزاماً بالماركسية الاجتماعية الجديدة وتستلهم مقولاتها منها في بادئ الأمر، وذلك ليس في إطار الأجناس الأدبية، بل في إطار وظيفة الأدب ورسالته التطهيرية.

اقرأ أيضاً: إبراهيم السكران: السلفية المغلقة ترتدي قناع النقد

 يبدو اليوم أنّ ردّات الفعل الحادة التي قوبلت بها مقولات النقد الثقافي أصبحت أقلّ حدّة مما كانت عليه، بعد أن أصبحت مسوّغات هذا النقد مقبولة بفضل ما يطرحه من مقاربات قادرة، وإلى حد كبير، على فهم وتحليل النصوص الجديدة وتمظهراتها الخطابية الجديدة التي تعبّر عنها نصوص إشكالية في التقييم والتصنيف بوصفها أدباً خالصاً، أو تتضمّن بعضاً من السمات الأدبية التي تمكّنت وبنجاح من توظيف الحامل الجديد لها ممثلاً بالتكنولوجيا وتعبيريتها التواصلية الجديدة؛ تلك التكنولوجيا التي لا تحفل بالأطر والمحدّدات ولا بالقوالب المعلبة، وضربت عرض الحائط بثنائية الشكل والمضمون، ومعياريات اللغة، وإذا كانت البنيوية بمقارباتها المحايثة ترنّحت ولم تصمد طويلاً، فإنّ السيميائية، بما فيها السيميائيات الثقافية كما يراها "يوري لوتمان"، ما زالت الابنة الشرعية التي كتبت لها الحياة، وتشكّل إحدى المحاور المرجعية للنقد الثقافي، في حين كان موت المؤلف "رولان بارت" الابن الشرعي القابل للحياة الذي تحوّل وفق عبد الله الغذامي إلى "المؤلف المضمر".

من هنا فإنّ مسوّغات مقولات "ليتش وعبد الله الغذامي" وغيرهما حول لحظة تاريخية فارقة تولي اهتماماً بدراسة الخطابات وفق مرجعيات النقد الثقافي أصبحت ضرورة ترتبط بالواقع وليست ترفاً وتزوداً لا طائل منه، فبعد أن قلت أهمية علوم البلاغة الكلاسيكية وقدرتها بوصفها جوهر النقد الجمالي على تفسير الخطابات والنصوص، باتت الخطابات المفصلة بتقانات تواصل حديثة تطرح شيفرات متوافق عليها بتواطؤ بين المرسل والمستقبل، وتقع تفسيراتها خارج هذا الملفوظ، بالتزامن مع تحوّلات فرضتها التطوّرات التكنولوجية الناجمة عن تبدل أدوار المرسلين والمستقبلين، وهي ميزة من ميزات التفاعلية التي تقدّمها خدمات التكنولوجيا.

اقرأ أيضاً: "عقلة الإصبع".. كيف لملكة النقد أن تجد لها مكاناً في مجتمعاتنا العربية؟

إنّ محورية النقد الثقافي تنطلق من مرجعية مفادها أنّ الأدب الفني والجمالي ما هو إلا ظاهرة ثقافية مضمرة تختفي خلف الخطابات المعلنة، وتشير إلى سياقات "تاريخية وسياسية واجتماعية وثقافية" غير معلنة هي أيضاً، ولهذا فإنّ هذا النقد يفكك النصوص والخطابات في كلياتها، ويكشف عمّا وراء سطحية اللغة، بما فيها من جماليات، ويكشف ما تضمره من أنساق، مستعيناً بمعارف إنسانية "اجتماعية ونفسية وأنثروبولوجية... إلخ".

كما هو حال مناهج النقد الأدبي الحديثة، فإنّ أحداً لا يستطيع أن يزعم أنّ النقد الثقافي ينتمي في جذوره إلى النظرية الأدبية في النقد العربي، حيث نشأ هذا المنهج مستلهماً ثورة فكرية وحضارية عميقة اجتاحت أوروبا في الستينيات، ودارت رحاها في العواصم الأوروبية وحواضرها  "باريس، فرانكفورت، لندن، براغ... إلخ"، وراحت تناقش أفكاراً ومقاربات فلسفية حول الطبقات الاجتماعية الحاكمة وموضوعات السلطة والهيمنة والعقلانية، وباتجاهات قصدت تفكيكها ونقضها، فكانت اللغويات واللسانيات إحدى ميادين صراعاتها، وهو ما عبّرت عنه أفكار "إدوارد سعيد، رولان بارت، بوديار، لوتار، ميشيل فوكو، ولاحقاً فوكوياما وهنتنغتون"، تلك المقولات والأفكار التي وجدت ساحتها في النقد الأدبي حتى في ما بعد البنيوية والتفكيكية والجنوسة والنسوية والماركسية الجديدة وعلوم الاتصال والسرد التكنولوجي... إلخ.

يطرح النقد الثقافي جملة من الإشكاليات التي تتمظهر بأشكال وصور غائرة في عمق الوجدان الجمعي للشعوب والمجتمعات أكثر من كونه يطرح حلولاً، وهذا ربما ما يجعله يبدو أنّه تناقض بين كونه منظومة قيم ما بعد الحداثة التي تشكّل مرجعيات النقد الثقافي، أو تؤكّد على مقولة سقوط الأفكار الكبرى، والبحث عن تلك الأفكار في النصوص والخطابات، ويبدو أنّ همّ النقد الثقافي هو كشف وتعرية وتفكيك تلك الأفكار دون تقديم بدائل لها؛ إذ إنّ تقديم البدائل ليس مهمّة النقد، ولا صنيعته في الأصل.

من بين الإشكاليات التي طرحها هذا النقد تلك الحالة المراد لها أن تكون مرجعية في دراسة النصوص وتحليلها، بقصد تذويب هويّة النصوص الأدبية الجمالية عبر التركيز على ما وراءها من أنساق مضمرة تتساوى في الخطاب الأدبي وغير الأدبي، فقد دخلت أدوات المعارف والعلوم الإنسانية ساحة التقييم والنقد لتلك النصوص، وهو ما يؤكّد مقولات النظرة المتعالية للأدباء والنقد الأدبي الكلاسيكي والتزامهم بالقوالب الجامدة والمعلبة والمفاهيم التقليدية في التعامل مع النصوص، واتهامهم النقد الثقافي بالاهتمام بالأدب والنصوص الأكثر رداءة لكتّاب مغمورين، على حساب نصوص إبداعية لكتّاب مشهورين ومعروفين!

محورية النقد الثقافي تنطلق من مرجعية مفادها أنّ الأدب الفني والجمالي ما هو إلا ظاهرة ثقافية مضمرة تختفي خلف الخطابات المعلنة

إنّ حقيقة النقد الثقافي هي أنّه أحد طرفي معركة كبيرة متواصلة  في ساحات وميادين متعددة من بينها الأدب، وكذلك أدب السلطة المتعالي ومحدّداته وقوالبه والتزامه وقتاله بشراسة في الواقع والحفاظ عليه بما يضمن استمرار بقاء تلك السلطة من جهة، وأدب الجماهير من جهة أخرى، فمن خلال تلك الخطابات الجماهيرية نتعرّف على القيم الحضارية والإنسانية التي عكستها مقامات الهمذاني والحريري...، في الوقت الذي لم يقدّم لنا المتنبي وأبو تمام إلّا أنساقاً مغلقة للخلفاء والأمراء، وحروبهم ومعاركهم وانتصاراتهم، يقابلها اليوم هذا الأدب الرقمي والنكات والأهازيج والأغاني والرسومات، بما تعكسه من أنساق جماهيرية تفتّت المسكوت عنه الذي تحرص السلطة على إبقائه أو تحاول تجييره لصالحها كما يظهر، وبدون هذا النقد ما كانت تلك البرامج الحوارية التي تشهدها المحطات الفضائية في موضوعات "الجنس، الدين، المرأة، السياسة" لترى النور، وبدون هذا النقد أيضاً لن نكون قادرين على تفسير النصوص الجديدة التي لا تحفل بمعيارية اللغة وقوالبها وقواعدها الجامدة، وحتى لا يتم وصفه بأنه أدب النخبة، فإنّ ما يضمره من قيم وأنساق مضمرة ما هو في حقيقته إلّا وجه من وجوه أدب العامّة ويمثل المرحلة التي أنشئ فيها، فالنصوص لسياقاتها نعم، غير أنها لمضمونها دون قالب الطبقية ومستوى المرسل ومستقبليه؛ إذ لم تكن القيمة الأدبية والجمالية منذ عصر نيتشه ونظرية الجمال خاصة بطبقة ما أو فئة ما، ولا المُقاوم ضدّ المحتل يملك الرفعة والنبل وحده، ولا الثري يمنحها لمن يريد، فالأنساق اليوم على قدم مساواة واحدة، القيمة فيها لا تتلوّن بلون السياق المحيط، كما أنّها لم تكن بنت الهيكلية الهندسية في النص.


الصفحة الرئيسية