سيد قطب: محاولة إيقاف الزمن وتأجيل النهضة الفكرية (7)

سيد قطب: محاولة إيقاف الزمن وتأجيل النهضة الفكرية (7)

مشاهدة

04/02/2020

اعتاد عموم الإسلاميين، الذين يعتقدون بوجوب أسلمة مجتمعاتهم من جديد، على المطالبة بتطبيق الشريعة ولو عبر مراحل. فتنفيذ الأحكام الفقهية خاصة تلك الوارد فيها نص من القرآن الكريم أو السنّة النبوية، تعتبر من وجهة نظرهم مؤشراً مهماً وضرورياً لقياس درجة الإيمان بالله تعالى والتسليم له. ووضعت لهذه المهمة شعارات وكتب وخطط واستراتيجيات، ونظمت من أجلها تحالفات ومبادرات في الكثير من الدول العربية وغيرها، ولجأ البعض من أجل ذلك إلى استعمال العنف بأشكاله المختلفة. كما ناورت حكومات في مراحل مختلفة عندما ادعت بكونها ملتزمة بتطبيق الشريعة، وشرعت فعلاً في تنفيذ بعض الأحكام لتثبت إخلاصها واحترامها للدين. فعلت ذلك ولا تزال من أجل كسب ود الإسلاميين أو تحييدهم وسحب البساط منهم. وبعض هذه الحكومات أقدمت على رفع شعار حماية الشريعة لمراوغة الرأي العام المحلي وإبعاده عن مشكلات أخرى تريد هذه الحكومة أو تلك إخفاءها وعدم تحمل المسؤولية عنها مثلما حصل مع جعفر النميري أو عمر البشير في السودان.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: تأملات في مشروع ملغوم (1)
الفكرة المحورية التي لا يزال يدافع عنها معظم الإسلاميين تستند إلى الفرضية التالية التي تتمثل في اعتبار القانون هو الذي يغير الواقع ويحول الدول والمجتمعات من مسار إلى آخر وليس الخطاب في حد ذاته. فالخطاب يساعد على تمهيد الأرضية لتحقيق التغيير المنشود، لكن التشريعات التي تسهر على تنفيذها أجهزة الدولة مستعينة بالشرطة والقضاء هي التي تجبر الأفراد والجماعات على تعديل حياتهم وتغيير اتجاهاتهم خوفاً أو طمعاً، وهو الذي يؤدي إلى التكيف مع السلطة القائمة.

يمكن اعتبار ما طرحه قطب برنامجاً لتأسيس جماعة صغيرة أو لبناء طائفة لها قواعدها وليس مشروعاً لأمة أو دولة

عندما بدأ سيد قطب في تحوّله الفكري من الإسلام الثقافي إلى الإسلام الحركي اعتقد مثل الآخرين بأنّ ما ينتظره المسلمون منه ومن غيره من المثقفين والعلماء والخبراء هو تقديم بدائل إسلامية تكون قابلة للتنفيذ، وتثبت للجميع بأنّ الحلول الحقيقة لا يمكن البحث عنها خارج دائرة المرجعية الاسلامية. ولأجل ذلك كتب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" و "معركة الإسلام والرأسمالية" وخاصة كتابه "نحو مجتمع إسلامي". لكن بعد المنعرج الفكري الجديد الذي دخله، اعتقد أنّ بذل الجهود في هذا الاتجاه مضيعة للوقت.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: الوجه المطمئن مقابل الوجه الآخر (2)
كتب بعد هذا التحول أنّ الناس "ليسوا في حاجة إلى أن نعرض عليهم نظام الإسلام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي أو القانوني، ونحو ذلك، لأنّ هذه الأنظمة إنما ينتفع بها المؤمنون بها، وبأنّها من عند الله. أما من لا يؤمن بها فيجب أن نعرض عليه (العقيدة أولاً) حتى يؤمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، وبالشريعة حاكمة".
وأضاف "إنّ الجاهلية تضغط على بعض أصحاب الدعوة الإسلامية، وتسألهم: أين تفصيلات نظامكم؟ وماذا أعددتم لتنفيذه من دراسات ومن فقه مقنن على الأصول الحديثة! كأنّ الذي ينقص الناس في هذا الزمان لإقامة شريعة الإسلام هو مجرد البحوث الإسلامية". ورأى قطب في ذلك سخرية ومناورة ) ! ( وحذر من الوقوع فيها.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: القفز نحو المواقع الخطرة (3)
بناء عليه "لا معنى لما يحاوله المحاولون من علماء العصر لما سموه تطوير الفقه الإسلامي أو تجديده أو إحياء الاجتهاد فيه؛ إذ لا فائدة من ذلك كله مادام المجتمع المسلم غائباً، يجب أن يقوم المجتمع المسلم أولاً ثم نجتهد له في حل مشكلاته في ضوء واقعنا الإسلامي".

عمّق قطب أزمة الإسلام السياسي بدل أن يخفف منها أو يعالجها من جذورها؛ فالأزمة فكرية بامتياز

كان سيد قطب منسجماً مع نفسه في سياق مرحلته الجديدة؛ لأنّه لم يعد مؤمناً بوجود المجتمع أو الأمة الإسلامية، لهذا سقط المبرر الواقعي لتقديم حلول وبدائل موجهة لكيان لم يعد قائماً ولمستهلكين انقرضوا تماماً. وبناء عليه أصبح المطلوب في هذه المرحلة إعطاء الأولوية كلياً للجانب العملي والحركي، والتخلي نهائياً عن المجال النظري والفكري. 
هكذا عمّق سيد قطب أزمة الإسلام السياسي بدل أن يخفف منها أو يعالجها من جذورها. فالأزمة في بعد من أبعادها هي أزمة فكرية بامتياز، وليست كما يقال تنظيمية أو روحية أو حتى سياسية. فهذه الحركات التي وصل بعضها إلى الحكم، وتوفرت لديها فرصة كي تمسك بدواليب السلطة وتقود دولة ما أو تشارك في تسييرها، أصابها ارتباك شديد وبدت فاقدة للرؤية الاستراتيجية، ولا تملك بدائل حقيقية وقادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: الجاهلية نظرية في الخروج من التاريخ (4)
في هذا السياق، بدل أن يدفع صاحب "المعالم" نحو تعميق النقاش الفكري حول قضايا إعادة البناء والتأسيس، قام بتحويل وجهة نظر القائمين على الدعوة والشأن الديني عموماً، قافزاً على البناء القائم بأزماته ومخاطره، واعتبر أنّ المطلوب في هذا الظرف العصيب الذي تمر به الأمة هو دعوة الناس كل الناس إلى العقيدة الصافية بعيداً عن أفكار البشر وفلسفاتهم القديمة منها والحديثة.

اقرأ أيضاً: سيد قطب و"الظلال".. اختل المنهج فسقط البناء (5)
يمكن اعتبار ما طرحه قطب برنامجاً لتأسيس جماعة صغيرة أو "رؤية" لبناء طائفة لها قواعدها وأصولها، لكن لا يمكن أن يكون ما كتبه مشروعاً لأمة أو دولة. فالزمن لا يتوقف، واحتياجات الناس لا يمكن تأجيلها بناء على رغبة فلان أو علّان. فالحياة تدفّق مستمر، تعجّ بالمشاكل والمستجدات، وتطلب حلولاً عاجلة وأخرى آجلة. لهذا لم تتمكن أفكار قطب أن تصمد طويلاً على أرض الواقع، رغم انتشارها في أوساط الشباب الإسلامي بالخصوص. صحيح أنّ إعدامه كان عاملاً حاسماً في إضفاء هالة من الاحترام لشخصه، وفي الإقبال على كتبه وأفكاره، لكن كلما حاول البعض أن يجعل منها أرضية لتأسيس تجربة سياسية أو مجتمعية إلا وكانت النتائج مأساوية وعقيمة. إذ بدل أن تحصل نهضة وتبنى دولة حقيقية، انقلبت الأوضاع باستمرار إلى كوارث وصراعات مفتوحة على جميع الاحتمالات السيئة.

اقرأ أيضاً: سيد قطب والصحابة: الانتقاء وفن تلميع التاريخ (6)
ما لم يدركه سيد قطب وآخرون ساروا على نهجه أنّ أزمة العالم الإسلامي ليست فقط فكرية، وإنما هي أعمق من ذلك بكثير. إنها في العمق أزمة العقل العربي والإسلامي الذي تمت صياغته عبر قرون بطريقة جعلته في معظم الحالات ينتج أجوبة خاطئة عن أسئلة غير صحيحة أو غير دقيقة أو كونها وضعت في الزمن الخطأ ووجهت لأطراف غير مؤهلة للإجابة عنها. هذه المسألة انتبه لها محمد عابد الجابري في موسوعته الشهيرة عندما تجاوز دراسة الخطاب ليتحدث عن العقل العربي المنتج للخطاب. إذ عندما تكون آلة التفكير تعاني من عطب ما فذلك من شأنه أن يؤثر بالضرورة على مرودها وانتاجها النظري والعملي. لهذا يستمر الجدل بين خبراء التربية حول أزمة التعليم، ويركزون بالخصوص على المناهج المعتمدة في نقل المعارف أكثر من انشغالهم بمحتوى هذه المعارف. فهم مهتمون أكثر بطريقة التفكير وكيفية بناء العقل المتلقي. السؤال يكون أحياناً أهم من الإجابة باعتباره المقدمة الضرورية لطبيعة الجواب وماهيته. ولكونه ربط العقل بالثقافة الموروثة والمهيمنة انتهى الجابري إلى القول "لا نمارس النقد من أجل النقد بل من أجل التحرر مما هو ميت أو متخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي".

الصفحة الرئيسية