النفط لن يقرّر مستقبل العراق… المياه ستفعل ذلك

النفط لن يقرّر مستقبل العراق… المياه ستفعل ذلك


31/07/2022

ترجمة: محمد الدخاخني

العراق في حالة هشّة، ويمكن أن يؤدّي تزايد أزمات المياه والتّصحّر، وتغيّر المناخ إلى زيادة عدم الاستقرار، بل وحتّى العنف في المستقبل.

يأتي حوالي 98 في المئة من المياه السّطحيّة للعراق من نهريْ دجلة والفرات وروافدهما، وقد شَهِد كلا النّهرين بشكل طبيعيّ تدفّقات متناقصة من المياه إلى العراق وسوريا منذ عقود، لكنّ التّدفّقات تباطأت بشكل كبير في الأعوام الأخيرة بسبب تطوير مشاريع سدود في تركيا.

جزءٌ كبيرٌ من المنطقة العراقيّة الواقعة على الحدود مع تركيا كرديّ، والعلاقات التّركيّة الكرديّة محفوفة بالصّعوبات منذ فترة طويلة بشكل استثنائيّ، والمياه جزء من تلك التّوترات، وتخطّط المناطق الكرديّة لبناء سدود أمام المزيد من المياه، وسيؤدّي ذلك إلى توتّرات مع الجنوب.

على الأكثر، يأتي 6 في المئة من المياه المتدفّقة إلى العراق من أنهار إيران إلى نهر دجلة، كما تراجعت التّدفقات من أنهار إيران بسبب بناء السّدود وانخفاض هطول الأمطار هناك.

المياه المالحة تنتقل إلى أعلى نهر شطّ العرب وإلى منسوب المياه الجوفيّة التي يُعتمد عليها في الزّراعة والشّرب

بطبيعة الحال، يمكّن ضعف العراق إيرانَ في سعيها للهيمنة والنّفوذ الخبيث في المنطقة، لا سيما في جنوب العراق، حيث تتمتّع إيران بالفعل بالنّفوذ؛ بسبب نقص الطّاقة والغذاء، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى الإجهاد المائيّ، اضطّر العراق إلى استيرادهما بشكل متزايد من إيران.

كما أدّى الإجهاد المائيّ في العراق إلى زيادة البطالة في الرّيف، واعتاد ربع سكّان العراق على الزّراعة في عملهم، ومع انخفاض العمالة الزّراعيّة، زادت الهجرة إلى المدن.

زيادة الضّغوط الاجتماعيّة

أدّت الهجرة من الرّيف إلى الحضر إلى زيادة الضّغوط الاجتماعيّة والضّغط على الموارد في العديد من المدن العراقيّة، بالنّظر إلى أنّ العمالة في الزّراعة والصّناعات ذات الصّلة آخذة في الانخفاض؛ فإنّ إغراء كثيرين بالذّهاب إلى الصّناعات غير المشروعة والمؤسّسات الإجراميّة آخذ في الازدياد، ومع وجود مستويات هائلة من البطالة بين الشّباب؛ فإنّ المشكلة تزداد سوءاً.

علاوةً على ذلك؛ فإنّ الصّراعات الإثنيّة والطّائفيّة معرّضة لخطر الازدياد مع ندرة المياه وانتشار التّصحّر، ومع تفاقم الإجهاد المائيّ، يمكن أن تكون هناك زيادات كبيرة في الهجرة الخارجيّة من العراق.

العراق بالفعل في حالة يُرثى لها عندما يتعلّق الأمر بإمدادات المياه، وإذا لم يتغيّر شيء بسرعة، فسوف يواجه مستقبلاً أكثر قتامة وأكثر صعوبة، عندما يتعلّق الأمر بالمياه

أدّت النّدرة المتزايدة للمياه إلى تدمير بعض قطاعات المجتمع. على سبيل المثال لا الحصر، أهوار الجنوب التي جفّت إلى حدّ كبير، فالمياه المالحة تنتقل إلى أعلى نهر شطّ العرب وإلى منسوب المياه الجوفيّة التي يُعتمد عليها في الزّراعة والشّرب، ونتيجة لذلك، شرع السّكّان في النّزوح.

أنظمة الأنهار التي كانت يوماً ما قويّة لم تعد كذلك، ويؤثّر هذا التّغيير الهائل على معيشة أمن البلد وثقافته وأمنه، تؤدّي آثار أزمات المياه والتّصحّر وتغيّر المناخ إلى تمزيق المجتمعات.

انخفاض معدّل هطول الأمطار

من الواضح؛ أن تغيّر المناخ يؤثّر على البلاد، وأدّت العواصف التّرابيّة المتزايدة، وانخفاض معدّل هطول الأمطار، وانخفاض إمكانيّة التّنبّؤ بها، وزيادة درجات الحرارة إلى جعل الحياة صعبة للغاية بالنّسبة إلى كثيرين، وزاد تبخّر المياه في الخزّانات والأنهار والمزارع.

تنبع بعض المشكلات من قضايا دوليّة، مثل المياه المشتركة القادمة إلى العراق، والتي تبدو الدّول الأخرى أقلّ استعداداً بشكل متزايد لمشاركتها، وما من شكّ في أنّ الحكومة في بغداد تُدرك أنّ هذا جزء رئيس من مشكلات المياه في البلاد، وأنّ الغضب الشعبيّ نحو جيران البلاد آخذ في الازدياد.

تقع البصرة على مجرى شط العرب المائي، الذي شكله التقاء نهري دجلة والفرات الذي يصب في الخليج

كيف يطلبُ العراق من إيران وسوريا، اللتين تعانيان من ندرة المياه، المزيد من المياه؟ كيف يطلبُ العراق من تركيا المزيد من المياه في وقتٍ تقوم فيه الأخيرة بمراكمة تهدئة وتطوير جنوب شرقها المضطرب على مشاريع ريّ وسدود ضخمة تقلّل من تدفّق المياه إلى العراق؟

لا توجد اتّفاقيّات قويّة وطويلة الأجل بشأن تقاسم المياه مع أيّ من جيران العراق، على الرّغم من وجود العديد من المحاولات في هذا الشّأن منذ عشرينيّات القرن الماضي.

ترى تركيا في نهريْ دجلة والفرات مياه عابرة للحدود مصدرها حوض المياه نفسه في بلادها، وتنظر كلّ من سوريا والعراق إلى نهرَي دجلة والفرات، بوصفهما نُظُم مياه مشتركة، وترى إيران أنّ مياه روافدها التي تتدفّق إلى العراق مياه خاصّة بها.

لا توجد اتّفاقيّات قويّة وطويلة الأجل بشأن تقاسم المياه مع أيّ من جيران العراق، على الرّغم من وجود العديد من المحاولات في هذا الشّأن منذ عشرينيّات القرن الماضي

ومع ذلك، يُعدّ الفساد من بين أكثر المشكلات ضرراً، غالباً ما تكون البيروقراطيّة في العراق طائفيّة وحتّى قبليّة بطبيعتها، ممّا يجعل تحقيق تغييرات إيجابيّة في قضايا الموارد أكثر صعوبة.

يمكن أن تكون إدارة متكاملة بشكل أفضل للمياه حلّاً، ومع ذلك، يجب أن يأخذ هذا النّظام المتكامل القضايا الوطنيّة والمحلّيّة والقبليّة في الاعتبار.

تستخدم صناعة النّفط كمّيّات هائلة من المياه، لكنّ العراق يُعدّ أحد أكثر البلدان اعتماداً على النّفط على هذا الكوكب من أجل عائدات التّصدير، والميزانيّة الحكوميّة، والنّاتج المحلّيّ الإجماليّ.

ما الحل الآخر؟

الحلّ الآخر المحتمل هو النّظر إلى كفاءة المياه، وقد يشمل ذلك الابتعاد عن المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه مثل القمح والأرز، لكن هناك إهدار مائي ضخم ينجم عن طريقة ريّ هذه المحاصيل أيضاً، خمسة وثمانون في المئة من استخدامات المياه في العراق، وتكون في الزراعة بُغية زراعة محاصيل تفتقر إلى كفاءة المياه باستخدام أنظمة ريّ تفتقر بدورها إلى كفاءة المياه.

أيضاً، هناك نفايات ناجمة عن البنية التّحتيّة المائيّة سيّئة الصّيانة في البلديّات، لكن هذه الكمّيّات ليست قريبة من نفايات الزّراعة.

مياه الصرف الصحي التي ينتجها العراق، البلد الذي يبلغ عدد سكانه 38 مليون نسمة تسمم نهري دجلة والفرات

تمتدّ المشكلة إلى نوعيّة المياه القليلة المتوفّرة؛ الإسهال والكوليرا والأمراض المنقولة عبر المياه تحدث كثيراً، وتعدّ جودة المياه وكمّيتها من القضايا المتعلّقة بالنّظافة والصّحّة في أجزاء كثيرة من البلاد، وأكثر المتضرّرين هم النّساء والفتيات، الصّغار والكبار؛ فهذه المجموعات في كثير من الأحيان يجب أن تمشي مسافات طويلة في بعض الأماكن للحصول على المياه.

يُعدّ التّعليم والتّدريب الأفضل بشأن قضايا المياه أمراً حيويّاً على مستويات المجتمع العراقيّ كافّة، والمطلوب إدارة أفضل للمياه، وفي الوقت نفسه، تُعدّ طرق استخدام المياه الأكثر كفاءة وإنتاجيّة ضروريّة، إلى جانب طرق أكثر إنتاجيّة لحلّ النّزاعات حول المياه.

البلد، بالفعل في حالة يُرثى لها عندما يتعلّق الأمر بإمدادات المياه، وإذا لم يتغيّر شيء بسرعة، فسوف يواجه مستقبلاً أكثر قتامة وأكثر صعوبة، عندما يتعلّق الأمر بالمياه.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

بول سوليفان، ذي ناشونال، 21 تمّوز (يوليو) 2022

مواضيع ذات صلة:

هذه أكثر الدول تضرراً من شح المياه في العالم

جفاف وأمراض منقولة.. فصائل أنقرة تحارب أكراد سوريا بمياه الشرب

لماذا أصبحت أزمة المياه في العراق ورقة ضغط بيد تركيا؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية