المواجهة الغربية مع الإخوان من الاحتواء السياسي إلى الردع القانوني والأمني

المواجهة الغربية مع الإخوان من الاحتواء السياسي إلى الردع القانوني والأمني

المواجهة الغربية مع الإخوان من الاحتواء السياسي إلى الردع القانوني والأمني


03/05/2026

لا تبدو هذه التحركات الأوروبية تجاه تحجيم الإخوان معزولة عن سياق أوسع من القلق المتنامي في العواصم الغربية والولايات المتحدة تجاه ما يُوصف بـ "الإسلام السياسي"، القائم على التغلغل المؤسسي طويل الأمد بدل المواجهة المباشرة. فبحسب تقديرات أمنية وتقارير رسمية متداولة، فإنّ المقاربة الجديدة لا تركز على البُعد الأمني فقط، بل تمتد إلى تحليل أدوات التأثير الاجتماعي والثقافي والتعليمـي التي يُعتقد أنّ هذه الشبكات تستخدمها لبناء حضورها داخل المجتمعات الأوروبية. وتشير هذه الرؤية إلى أنّ التحدي لم يعد مرتبطاً بالهياكل التنظيمية التقليدية بقدر ما يرتبط بقدرة هذه التيارات على إنتاج فضاءات موازية داخل الأحياء الحضرية، والاندماج في مؤسسات المجتمع المدني، وتوظيف الأدوات الرقمية في تشكيل خطاب هوياتي موازٍ، يعيد تعريف العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع.

وعليه، يثير هذا التحول إشكالية مركزية داخل أوروبا، تتعلق بحدود التوازن بين متطلبات الأمن القومي وحماية النموذج الليبرالي القائم على الحريات الدينية والمدنية. فبينما تدفع تيارات سياسية باتجاه تشديد الإجراءات وصولاً إلى الحظر الكامل، تُحذر أطراف أخرى من مخاطر التعميم وارتدادات ذلك على سياسات الاندماج والتماسك الاجتماعي، خاصة في ظل تنوع الجاليات المسلمة واتساع حضورها داخل البنية السكانية الأوروبية.

إدارة المخاطر

ومن منظور أوسع، يعكس هذا الجدل انتقال أوروبا من مقاربة "إدارة التعدد الديني" إلى مقاربة "إدارة المخاطر الإيديولوجية"، حيث لم يعد النقاش يدور حول الوجود الإسلامي بحد ذاته، بل حول طبيعة التمثيل السياسي والديني داخل هذا الوجود، وحدود العلاقة بين المرجعيات الدينية ومؤسسات الدولة. وتكشف التطورات الأخيرة عن تصاعد النزعة نحو إعادة صياغة الإطار القانوني المنظم لعمل الجمعيات والتمويلات الأجنبية، في محاولة لضبط قنوات التأثير الخارجي والحد من تشكل شبكات نفوذ عابرة للحدود. ويبدو أنّ هذا التوجه يحظى بزخم متزايد داخل عدد من الدول الأوروبية التي بدأت تعتمد مقاربات أكثر صرامة تجاه ما تعتبره "توظيفاً سياسياً للدين". ومع ذلك يبقى المشهد مفتوحاً على مسارات متعددة، تتراوح بين التشدد التشريعي المتصاعد، ومحاولات الاحتواء القانوني، وإعادة تعريف العلاقة مع التنظيمات ذات الطابع الديني السياسي. وهو ما يجعل من ملف الإخوان المسلمين في أوروبا أحد أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً، لارتباطه المباشر بأسئلة الهوية والاندماج وحدود الدولة الحديثة.

في المحصلة، لا يبدو أنّ أوروبا بصدد حسم نهائي قريب لهذا الجدل، بقدر ما تتجه نحو مرحلة إعادة تموضع استراتيجي، تُعاد فيها صياغة المفاهيم الحاكمة للعلاقة بين الدين والسياسة، في سياق دولي يتسم بتزايد الاستقطاب وتداخل التهديدات التقليدية مع أشكال جديدة من التأثير غير المباشر.

كما أنّه في سياق التحول المتسارع في المقاربة الأمريكية تجاه جماعة الإخوان، يبرز قرار واشنطن الأخير بتصنيف عدد من فروع التنظيم ضمن قوائم الإرهاب بوصفه نقطة انعطاف تعيد تعريف موقع الإسلام السياسي العابر للحدود داخل الحسابات الأمنية والاستراتيجية الأمريكية. ويأتي هذا التطور في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها مصالح أطراف من الإسلام السياسي السنّي مع شبكات النفوذ الإيراني، رغم التباينات العقائدية الظاهرة بين الطرفين، وهو ما تعيد واشنطن قراءته اليوم ضمن منظور "التشابك الوظيفي" لا "الاختلاف الإيديولوجي". وتشير المقاربة الأمريكية إلى أنّ بعض أذرع الإخوان في دول مثل مصر والأردن والسودان ولبنان لم تعد تُقرأ باعتبارها تنظيمات سياسية محلية فحسب، بل بوصفها ضمن منظومة أوسع ترتبط بحركة حماس، وتتشابك بصورة غير مباشرة مع الفضاءات الإقليمية المدعومة من إيران. هذا الربط، الذي يتجاوز التصنيفات التقليدية بين سنّي وشيعي، يعكس تحولاً في فهم واشنطن لطبيعة الفاعلين غير الدوليين، حيث تعامل الحركات الإيديولوجية باعتبارها شبكات مصالح متداخلة قابلة للتقاطع التكتيكي في ساحات الصراع.

من الاحتواء إلى الردع

في هذا الإطار، يُنظر إلى قرارات الإدراج في قوائم الإرهاب باعتبارها انتقالاً من مقاربة الاحتواء السياسي إلى منطق الردع القانوني والأمني، بما يشمل تجميد الأصول، وتقييد الحركة المالية، وتجريم أشكال الدعم المباشر وغير المباشر. ويعزز هذا التوجه إدراك أمريكي متزايد بأنّ الخطر لا يكمن فقط في البنية التنظيمية، بل في قدرتها على إعادة إنتاج النفوذ عبر واجهات مدنية ودعوية وتعليمية. وبالتوازي مع ذلك، تتقاطع المقاربة الفرنسية مع هذا الاتجاه، وإن من زاوية مختلفة، حيث باتت باريس تنظر إلى جماعة الإخوان باعتبارها تحدياً بنيوياً طويل الأمد لقيم الجمهورية والنموذج العلماني، وليس مجرد فاعل ديني أو اجتماعي، بحسب الباحثة الأمريكية إيرينا تسوكرمان. وقد اتجه الخطاب الرسمي الفرنسي خلال السنوات الأخيرة نحو توصيف التنظيم بوصفه شبكة تأثير اجتماعي سياسي تعمل داخل المؤسسات التعليمية والمدنية، بما يعزز القلق من تشكل فضاءات موازية داخل المجتمع الفرنسي.

وتعكس هذه التطورات مجتمعة اتجاهاً غربياً متزايداً نحو إعادة تعريف الإسلام السياسي ككل، باعتباره ظاهرة عابرة للحدود ذات أبعاد أمنية وهيكلية، لا مجرد تعبيرات دينية أو سياسية محلية، وفق تسوكرمان، ومن ثم، يتم التعامل مع الإسلام السياسي بوصفه بيئة حاضنة لاحتمالات التقاطع بين الفاعلين الإقليميين، بغضّ النظر عن اختلافاتهم المذهبية، وهو ما يبرر تشديد أدوات المواجهة القانونية والأمنية تجاهه.

وبذلك، تتبلور مقاربة أكثر صرامة تقوم على اعتبار الإسلام السياسي المنظم تحدياً مُركّباً يمسّ الاستقرار الإقليمي والنظام الدولي، ويستدعي إعادة صياغة أدوات التعامل معه بما يتجاوز منطق الإدارة السياسية إلى منطق الاحتواء الأمني والتفكيك المؤسسي التدريجي.

تتعامل المقاربة الأمريكية تجاه جماعة الإخوان بصورة متزايدة مع الحركة بوصفها منظومة شبكية عابرة للحدود، متعددة المستويات، وليست مجرد حزب سياسي تقليدي أو تيار ديني بالمعنى الضيق، وفق تسوكرمان، إذ تكمن قدرة هذا التنظيم على الاستمرار في مرونته البنيوية، ويمكنه العمل في آنٍ واحدٍ كفاعل سياسي، وشبكة خدمات اجتماعية، ومنظومة دينية، وحاضنة إيديولوجية. هذه البنية متعددة الأبعاد تمنحه قدرة عالية على تجاوز القمع الحكومي، وإعادة إنتاج نفسه عبر الحدود، والحفاظ على نفوذه حتى في حال حظر فروعه الرسمية أو إضعافها.

تقول تسوكرمان: "تشكّل هذه المرونة التنظيمية التحدي المركزي أمام السياسة الأمريكية، إذ إنّ واشنطن اعتادت التعامل مع كيانات ذات هياكل واضحة: قيادات مركزية، وسلاسل قيادة، وميزانيات محددة، وأذرع عسكرية منفصلة. غير أنّ جماعة الإخوان لا تتطابق مع هذا النموذج، إذ تعمل عبر مؤسسات متداخلة تشمل المدارس والمساجد والجمعيات الخيرية والنقابات المهنية وشبكات الطلبة والجاليات في الخارج ووسائل الإعلام، ضمن إطار لا يخضع بالضرورة لقيادة مركزية واحدة، لكنه يتقاسم مرجعية فكرية وخطاباً سياسياً واستراتيجية عامة".

مواجهة مفتوحة مع الإسلام السياسي

في هذا السياق، يصبح التقاطع بين بيئات مرتبطة بالإخوان وبين المصالح الاستراتيجية الإيرانية أقلّ تناقضاً ممّا يبدو في ظاهره، والحديث للمصدر ذاته،  فالفارق السنّي الشيعي، رغم أهميته العقائدية، لا يمنع وجود تقاطعات عملية ضمن إطار "الإسلام السياسي" الأوسع، حيث تلتقي أطراف متعددة حول خطاب "المقاومة" ورفض البنى السياسية القائمة المرتبطة بالغرب. فإيران، بوصفها دولة، تعمل عبر شبكات وكلاء وحلفاء إقليميين، بينما تنتج منظومة الإخوان فضاءات اجتماعية وإيديولوجية تُسهم بصورة غير مباشرة في دعم قوى مثل حركة حماس، من خلال الشرعنة الخطابية والتعبئة الاجتماعية وبناء البيئات الحاضنة.

وفي هذا الإطار، تُعدّ حركة حماس المثال الأبرز لهذا التقاطع، إذ تجمع بين ارتباطات تنظيمية حركية وفكرية مرتبطة بالإخوان من جهة، وعلاقات عملياتية مع إيران من جهة أخرى. ويعكس ذلك نمطاً أوسع من "التكامل الاستراتيجي غير المباشر"، كما توضح تسوكرمان، حيث تتداخل المصالح دون وجود قيادة موحدة أو تبعية تنظيمية مباشرة. فإيران توفر الدعم العسكري والمالي والإعلامي، بينما تسهم البيئات المرتبطة بالإخوان في توفير الشرعية الاجتماعية والإطار الإيديولوجي الذي يسمح باستمرار الفعل السياسي والعسكري لحماس.

وتتابع حديثها قائلة: "ينبغي عدم المبالغة في حدة الانقسام العقائدي بين الإسلام السنّي والشيعي في هذا السياق، إذ إنّ كليهما يشترك في رؤية سياسية تعتبر الصراع على الشرعية والهوية والسيادة محوراً مركزياً، وتستخدم خطاباً معادياً للغرب، وتتعامل مع القضية الفلسطينية كعنصر تعبئة أساسي. هذا الاشتراك لا يلغي الخلافات، لكنّه يسمح بتعاون وظيفي أو تقاطع مصلحي في ساحات إقليمية متعددة".


 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية