
لم تكن المظلومية لدى القوى الإسلاموية سوى حاضنة لكافة الانسدادات والتوترات والصراعات التي خاضتها منذ تدشين الجماعة الأم عام 1928. في حين تؤشر خطابات المظلومية "وأصواتها ونداءاتها الداخلية الخفية والمعلنة" عن صلات بنيوية وهيكلية من الناحيتين النظرية والحركية في الأدبيات المؤسسة للجماعات الإسلاموية. إذ إنّ المسألة تتخطى كونها أداة لردم الفجوات وتجسير التباينات على خلفية أزمة تنظيمية مؤقتة أو مرحلية على خلفية تفجر التناقضات "الرئيسية" مع السلطة، أي سلطة، بل إنّ "خطاب المحنة" هو بمثابة الحامل الموضوعي لظاهر الأصولية الدينية، وأدلجة الخطاب الديني وتسييسه. الخطاب الذي يتبنّى نفي الآخر وتهميش وجوده وعزله بل قمعه، لدرجة فرض هوية قسرية على "الأمة" من خلال "الجماعة" وبوساطة "أستاذية العالم".
الآخر في فكر سيد قطب
عبّر قطب في كتابه: "معالم في الطريق" عن حمولاته النظرية التي استلهمها من التراث الديني الإسلامي لتصنيف السلطة بـ "جاهلية" أو "بربرية ما قبل الإسلام"، ثم تعميم هذا الوصف التكفيري على المجتمع، وبالتبعية نجح في المزاوجة بين أفكاره النظرية وطرحه الحركة، حيث كان "فكر حسن البنا لمن يطالعه فكر انتشار وذيوع وارتباط بالناس عامة، وهو فكر تجميع وتوثيق للعرى، وفكر سيد قطب هو فكر مجانبة ومفاصلة وفكر امتناع عن الآخرين، والفرق بينهما هو الفرق بين السلم والحرب". بل إنّ فكر قطب كان "فكراً لجيش مقاتل وليس فكراً لدعوة مفتوحة. إنّه ليس الفكر اللازم لبناء مجلس نيابي بل هو الفكر نفسه اللازم لبناء جيش مقاتل من الرجال. الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي، حسبما يوضح طارق البشري في كتابه: "الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر".
يقول قطب: "الأمة المسلمة ليست أرضاً كان يعيش فيها الإسلام، وليست قوماً كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي، إنّما الأمة المسلمة جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي…، وهذه الأمة، بهذه المواصفات، قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعاً".
ويردف: "نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية؛ تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير ممّا نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيراً إسلامياً...، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية! ". و"هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية، وهي الحاكمية. إنّها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أرباباً، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة، وفيما لم يأذن به الله".
التعالي بالدين كنقطة انطلاق نحو الهيمنة
انتقل سيد قطب لتعميم "الجاهلية وتكفير المجتمع قائلاً: "الناس ليسوا مسلمين ـ كما يدعون ـ وهم يحيون حياة الجاهلية، وإذا كان فيهم من يحب أن يخدع نفسه أو يخدع الآخرين، فيعتقد أنّ الإسلام يمكن أن يستقيم مع هذه الجاهلية فله ذلك، ولكنّ انخداعه أو خداعه لا يغير من حقيقة الواقع شيئاً، ليس هذا إسلاماً، وليس هؤلاء مسلمين". ومن ثمّ "على أصحاب الدعوة الإسلامية حين يدعون الناس إلى إعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أوّلاً إلى اعتناق العقيدة ـ حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنّهم مسلمون! ـ يجب أن يعلموهم أنّ الإسلام هو "أوّلاً" إقرار عقيدة: "لا إله إلا الله" بمدلولها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله وحده في أمرهم كله، وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم، وإقرارها في ضمائرهم وشعائرهم، وإقرارها في أوضاعها وواقعهم". إذ إنّ "المجتمع المسلم لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أنّ عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنّها لا تدين بالعبودية لغير الله... لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور، ولا تدين بالعبودية لغير الله في العبادات والشعائر، ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع... ثم تأخذ بالفعل في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة، تنقي ضمائرها من الاعتقاد في ألوهية أحد غير الله ـ معه أو من دونه ـ وتنقي شعائرها من التوجه بها لأحد غير الله ـ معه أو من دونه ـ وتنقي شرائعها من التلقي عن أحد غير الله ـ معه أو من دونه ـ عندئذ ـ وعندئذ فقط ـ تكون هذه الجماعة مسلمة، ويكون هذا المجتمع الذي أقامته مسلماً كذلك. فأمّا قبل أن يقرر ناس من الناس إخلاص عبوديتهم لله… فإنّهم لا يكونون مسلمين.. وأمّا قبل أن ينظموا حياتهم على هذا الأساس، فلا يكون مجتمعهم مسلماً. لا إسلام في أرض لا يحكمها الإسلام، ولا تقوم فيها شريعته، ولا دار إسلام إلا التي يهيمن عليها الإسلام بمنهجه وقوانينه، وليس وراء الإيمان إلا الكفر، وليس دون الإسلام إلا الجاهلية، وليس بعد الحق إلا الضلال".
وبينما ظلت الجاهلية نقطة الارتكاز التي اعتمد عليها قطب لتحقيق أهدافه النظرية والعملية، فإنّ ذلك عنى التطبيق القسري داخل المجتمع المعاصر الذي هو بالأساس "صورة متطورة لهذه الجاهلية"، وخلق "العصبة المؤمنة" و"الجيل القرآني" الذي يقف على مسافة حادة وحيادية تجاه مجتمعه في حالة من "العزلة الشعورية"، دون ارتباط عضوي أو انتماء أو التماس هوية فيه. فالواجب، بناء على ذلك، أن تكون نظرة المسلم هذا للمجتمع مماثلة لنظرة الرسول والصحابة إلى مجتمعهم، وطليعة اليوم يجب عليها أن تسترشد بهذه القدوة في تحديد أسلوب عملها. وقد استخدم الرسول تكتيك المراوحة بين الانسحاب من المجتمع الذي يعيش فيه والاتصال به، وهو الذي اختار، على سبيل المثال، أن يهاجر من مكة إلى المدينة عندما وجد نفسه في موقف ضعيف، ليعود في النهاية فاتحاً للمدينة التي هجرها قبل ذلك.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AF%D8%A8_0.jpg.webp?itok=nRv3-VvG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_1_0_0_3_0.jpg.webp?itok=3Zhw-Qwm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/mnyr_0_6.jpg.webp?itok=rQl6wEvW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%A7_11_1_0_0.jpg.webp?itok=BexPd0sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85%D9%8A%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AD%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA..%20%D9%85%D9%86%20%D9%87%D9%88%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vAy5hbNG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_38_0_1.jpg.webp?itok=Ss7Oynoz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/LUmDCU9nEJkRIOikaC46rPDoYCHEymI_1NimLwC6x_7cjSYjJjtwGxvGag56bJXpJ9kdGNCtN4tMd7CPctfdotIfIFAJ5UDEhuMa0JPvIfWDi7CvCLe6j_5-TrU5jPCY3jBrXYHOfkj2SN0Ox1O0a2p0T_ddIBcNn39biHGmDj93eX1w6qvhHDrI6MQ3q-6b.jpg.webp?itok=3IHuCMIN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_77_0_0_5_0.jpg.webp?itok=ngaaISlJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_3.jpg.webp?itok=8LH0Zveq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_4_0_0_0.jpg.webp?itok=uCZJ0EQW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_3.jpg.webp?itok=JqgGrr-Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_14.jpeg.webp?itok=r1ivFgQk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_1.jpg.webp?itok=xDkoZQ_x)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%86_50_1.jpg.webp?itok=lVttV-Fk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ZlRsBiu6yFZYReAlbHSOwC_F2t6hm6ZfCfN_1U33lmvCVYHRYTxDqjAM4-xCNrblEp-Ua32wUd-fqxgFqIcJ3utIM2-SqW9F8DN3DHUZT7CyotVEgxH2x-B89og7T-WNJZQ78jPANB4ZimKCl7pO5K8K-XXzEtA8uycEAwCo-z-pjg2oyF-zquR7TwO4A4wB%20%281%29.jpg.webp?itok=1JRO_fDi)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/OUPg0it56SjYbmFDi4OF0nlf_FStDEHV2ojDF_t-Cw2iTlRBWllNC8ebxr9y9QOJX4CDQhRNvVcvQvua9p1cQo2UTjfYSRTxcNJW0CMcoEORJhiYa0oxX385O8m1MeztnRonJLeLnRw_dt-2wIq7VCZ15z0LP5HKDqceGgoRod6WS1yOo4Bd1uGhc3c9WSoR%20%281%29.jpg.webp?itok=eMHkqEvP)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0_dHBLQdmDsIkmNca_ufoHyKZdo8bs-rmxYa22oJTOPJIHeJrSOfGncvNUC73K-Ad0dNdEX9B8g7y4pu1J74F-b1QYvmDseESiSrdiOBezhWcanKckMhZ0MyxNMvfnQvPBEnPM2G7Pcn696o8pCF8TqtSNA7ZmzaIx5MBN7Pnb4HOqaUNzK_wn0A3zljqqsG%20%281%29.jpg.webp?itok=jsPeKV4R)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

