المسلمون في نيبال: أقلية تعيش في وئام مع المجتمعات المحلية

المسلمون في نيبال: أقلية تعيش في وئام مع المجتمعات المحلية

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
05/03/2018

الإسلام دين أقلية في نيبال، الدولة العلمانية منذ عام 2007، وفي عام 2011، حسب التعداد، شكّل المسلمون 4.4 في المائة من السكان؛ أي نحو 000 160 1 نسمة، وقد دخل الإسلام البلاد على يد مهاجرين من الهند بشكل رئيس.

المسلمون النيباليون، هم في الغالب من السنّة، لكنّهم مجموعة غير متجانسة. ويأتي أسلافهم من أجزاء مختلفة من جنوب آسيا والتبت، حوالي 95٪ من المجتمع الإسلامي في نيبال، يعيشون في منطقة تيراي، ويعيش الآخرون أساساً في كاتماندو، وفي التلال الغربية. والمقاطعات التي يوجد فيها عدد كبير من المسلمين هي روتاهات (19.7 في المائة من سكان المقاطعة)، وبارا (13 في المائة)، وبارسا (14.5 في المائة) في وسط تيراي وكابيلفاستو (18.2٪)، وبنك (19.0٪) في غرب تيراي، وسراها (7.5٪)، وسونزاري (11.5٪) في شرق تراي.

قيم إسلامية محل إعجاب

هذه الأقلية من المسلمين تعيش في نيبال منذ فترة طويلة، لكن في هذا البلد، ذي التقاليد الهندوسية، يسير التعايش على ما يرام؛ بل إنّ بعض قيم الإسلام أصبحت محلّ إعجاب خاص من قبل مجتمعات الديانات الأخرى.

هؤلاء المسلمون الذين يعيشون في نيبال منذ عدة قرون، لديهم خبرة تاريخية مشتركة مهمّة، يتشاركونها فيها مع الأغلبية الهندوسية، ويقاسمونها القومية نفسها. ورغم ذلك، لا تزال المجتمعات الإسلامية في تيراي تعيش في ثقافة أجدادها، كما هو حالها أيضاً في ولايات أوتار براديش وبيهار الهندية، وتتعايش مجتمعات أربعة متميزة في تاريخ الإسلام النيبالي: التبتيون، الكشميريون، والتشوريتس، والمادسيس.

دخل الإسلام البلاد على يد مهاجرين من الهند بشكل رئيس

خبراء في صناعة الأسلحة والحلي

ووفق المؤرخين، وصل مسلمو نيبال من الهند في زمن الملك راتنا مالا، في القرن السادس عشر، للعمل كخبراء في صناعة الأسلحة والحلي، ومكثوا في البلاد ولم يغادروها. لم تعترف بهم الدولة النيبالية كمجتمع متميز إلّا عام 1963، وفي الوقت الحاضر؛ يمثّل المسلمون النيباليون حوالي 4.4٪ من سكان نيبال.

الإسلام المعاصر

في الواقع، لا تزال الهندوسية دين الدولة النيبالية، على حساب الأقليات الدينية الإسلامية والمسيحية، فهناك 3600 مسجد في البلاد، والعدد نفسه من المدارس القرآنية، الهندوسية تفرض حرق الجثث، لكنّ هناك استثناء؛ حيث إنّ المسلمين والمسيحيين يدفنون موتاهم في المناطق المعزولة نسبياً، ومع ذلك؛ ففي كاتماندو، حرقت السلطات في المعبد الهندوسي في باشوباتيناث بعض الجثث، بعد إعاقة مراسم الدفن، وتسبّب هذا الحدث في احتجاجات وإضرابات عن الطعام، من قبل المسلمين والمسيحيين، عام 2011.

في العقد الماضي، عانى المسلمون من هجمات عديدة من قبل متطرفين هندوس؛ ففي عام 2011، قتل الأمين العام للاتحاد الإسلامي لنيبال على أيدي متطرفين لأسباب غير معروفة.

 مسجد في كاتماندو عاصمة نيبال

مسلمو نيبال شعب مسالم

على عكس صورة الإسلام العنيف، التي ولدت من مفهوم الإسلاموفوبيا، والتي صنعها الغربيون؛ فإنّ المسلمين النيباليين شعب سلمي ومسالم، وقلّما يذكرون بالسوء، وبصرف النظر عن بعض التوترات الدينية التي تعود إلى الماضي، يعيش المجتمع النيبالي في وئام وتضامن بين المجتمعات المحلية، وتشهد على ذلك تبادل المساعدة الدينية التي تميز سكان وادي رامبور (في شمال الهند).

وصل مسلمو نيبال من الهند في القرن السادس عشر، للعمل كخبراء في صناعة الأسلحة والحلي

ففي رامبور، يعيش حوالي 20000 نيبالي من الطائفة البراهمانية، على وجه الخصوص، ومن مختلف الأصول العرقية، بما في ذلك العديد من المسلمين الذين استقروا هناك منذ قرون. يقول محمد إسماعيل، المقيم في مدينة رامبور: "من المؤكّد أنّه يوجد في رامبور أكبر تجمع للمسلمين في المنطقة، مع ما يقرب من 70 عائلة و700 عضو".

شعب يعيش في رفاه

المجتمع الإسلامي في رامبور، يعيش في رفاه نسبي، أكثر من 80٪ من الشباب يختارون وظيفة في الخارج، وخاصة في دول الخليج. وهناك نسبة عالية أخرى من السكان الذين يعملون في الحياة الاقتصادية المحلية.

في المقابل، وفق خورشيد، وهو طالب في جامعة تريبهوفان في كيرتيبور (بالقرب من كاتماندو)، لا يعمل أيّ مسلم تقريباً في الوظائف الحكومية، باستثناء ثلاثة معلمين في المدارس المحلية والمهنية الصحية، ولم ينخرط أي منهم في سلك الجيش أو الشرطة.

ويقول نيل سارو، وهو محاسب: "لكنّ بعضهم يلعب دوراً نشطاً على الساحة السياسية المحلية". ويقول شيخ أيوب، وهو مدير مجلة "مادهور سانديش" الشهرية: "يشارك المجتمع أيضاً في تحرير المرأة وتعليمها، توجد مدرسة (مدرسة قرآنية) تمت الموافقة على فتحها من قبل وزارة التربية والتعليم، لكن لا توجد إعانة حكومية في الوقت الراهن، كما ينتظر بناء مسجدين جديدين المساعدة من الدولة أيضاً".

مزار رامبور

شعب يعتمد على موارده الخاصة

المسلمون النيباليون لا يشكون ولا يتذمّرون كثيراً، رغم أنّهم يودّون أن تقدّم لهم الدولة الحدّ الأدنى من الدعم، لكنّ المجتمع يعتمد في معظمه على موارده الخاصة؛ فعلى سبيل المثال، أرسل الرجال العاملون في الخليج الأموال إلى القرية، وسمحت هذه الأموال بتأمين منح دراسية لليتامى. ويتميز المجتمع المسلم بسمات يمكن أن تلهم المجتمعات الأخرى، وعلى رأسها التضامن؛ الأغنياء يساعدون الفقراء من خلال الشراكة، على سبيل المثال، في تمويل احتفالات العيد (عيد الفطر وعي الأضحى).

تطوّر تحرّر المرأة

رغم أنّ تحرير المرأة ما زال متعثراً في جميع أنحاء البلاد، فإنّ مشاركة المرأة المسلمة في الحياة السياسية والاجتماعية في رامبور، أقلّ نسبياً من مشاركة نساء المجتمعات الأخرى، غير أنّ الحالة آخذة في التغير والتطور، فقبل عدّة أعوام، أسّست نساء رامبور المسلمات منظمتهن للدفاع عن حقوقهن. وبالمثل، أنشئ نادٍ للشباب، تحت اسم مجتمع الشباب الإسلامي، ينظم النادي فعاليات رياضية واجتماعية وثقافية.

فتيات نيباليات مسلمات

تأثّر المسلمين بثقافة المجتمع المحلي

مسلمو رامبور قريبون جداً من مجتمع الباهادي (السكان الذين يعيشون في التلال، في مقابل جبال الهيمالايا أو السهول)، فيما يتعلّق باللغة والمظهر البدني واللباس، وهم يعترفون بأنّ ثقافتهم تتأثر بعمق بمجتمع البهادي، الذي يعيشون فيه، وقد تبنّوا هذه التقاليد دون التخلّي عن عاداتهم الدينية. لذلك؛ فمن الشائع أن نرى الرجال المسلمين يرتدون الملابس التقليدية النيبالية، مثل "الدورا سوروال" النيبالي، والتوبي (القبعة) الشائعة في المنطقة؛ بل ويذهب الرّجال المسلمون للصلاة في المساجد وهم يرتدون هذه الملابس.

تماسك المجتمع الإسلامي

على الصعيد الوطني، ولإظهار تماسك المجتمع الإسلامي في نيبال، تمّ إنشاء المنتدى الوطني الإسلامي، عام 2008، بناء على القناعة بأنّ الهوية الإسلامية، لا شكّ ستحظى برعاية أفضل وأوسع، إن هي انتظمت في إطار الدولة، ويؤمن المنتدى بهوية جماعية نيبالية، وقد أعطى لنفسه مهمة الدفاع عنها، جنباً إلى جنب، مع حمايته الاجتماعية لبقية الديانات.

العلمانية والاعتراف بالأقليات الدينية

المسلمون هم ثاني أكبر أقلية دينية في البلاد بعد البوذيين، ومنذ إعلان الدولة العلمانية، عام 2007، تم الاعتراف بالأقليات الدينية، وبعض الأعياد، مثل: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الميلاد، أو عيد لوسار (السنة التبتية الجديدة)؛ حيث أصبحت هذه الأعياد عطلاً رسمية، غير أنّ مصير المسلمين في نيبال لم يكن في الماضي منصفاً دائماً، فقبل عام 1963، كان التسامح قائماً معهم، لكنّهم كانوا خاضعين للقانون النيبالي، الذي يستند، إلى حدٍّ كبير، إلى الديانة الهندوسية، وفي تلك الأثناء تعهّد المسلمون، بشكل خاص، بعدم التبشير بدينهم.

الدعوة للأخذ بنداء البابا من أجل نبذ العنف

بمناسبة احتفالات عيد الأضحى المبارك، عيد النحر في الإسلام، دعا رئيس الجالية المسلمة في نيبال أتباع الدعوة إلى الحوار ونبذ العنف، التي أطلقها البابا بندكتس السادس عشر، خلال اللقاء بين الأديان عام 2011.

أكثر من 80٪ من الشباب يختارون وظيفة في الخارج، وخاصة في دول الخليج

وقال حسين نزرول لـصحيفة "آسيانيوز": "إنّنا نأخذ نداء البابا على محمل الجدّ، ونريد نشره في جميع أنحاء العالم، في الأشهر الأخيرة، تلقينا الكثير من الدعم من الطوائف الدينية الأخرى".

مسلمو نيبال يكافحون، منذ أعوام، جنباً إلى جنب، مع المسيحيين وغيرهم من الأقليات الدينية، من أجل السلام بين الأديان، وضدّ التطرف الديني الذي أثار انقسامات قوية بين المجتمعات المحلية في السنوات الأخيرة.

ملحمة الفتاة النيبالية المسلمة

تمكّنت نسرين الشيخ، النيبالية المسلمة، البالغة من العمر 17 عاماً، من إنشاء جمعية تساعد النساء الأخريات في بلدها، ورغم العوائق، فإنّ المراهقة الشابة تثير الآن إعجاباً منقطع النظير من المجتمع الدولي.

فيما كانت موعودة لمحنة الزواج القسري، تمكّنت نسرين الشيخ من التخلص من أغلالها، وأصبحت مدافعة قوية عن حقوق المرأة، وقد استطاعت هذه الشابة، التي تثير الإعجاب اليوم في المجتمع الدولي، أن تدير، في غضون أعوام قليلة، جمعية تساعد النساء الأخريات، من خلال الحرف اليدوية والتعليم.

نسرين الشيخ

نسرين الشيخ تهجر الزواج القسري

في حين تتزوج معظم الفتيات قسراً عند سنّ البلوغ، قررت نسرين الشيخ، وهي في الـ 14 من العمر، الفرار من مسقط رأسها متجهة نحو العاصمة النيبالية "كاتماندو"؛ فعندما يتزوجن بالقوة في معظم الأحيان، توضع النساء تحت وصاية أزواجهن، وتخضع حقوقهن لسلطة الزوج، لكنّ هذه الفتاة رفضت هذا الظلم، وقررت مغادرة بيت الأهل مع شقيقها وشقيقتها، وعندما استقرّوا في العاصمة، تعلّمت الخياطة، وصناعة "الإكسسوارات" والحقائب، لتؤمّن لنفسها دخلاً بائساً، وتعلّمت اللغة الإنجليزية مع ليزلي جون، وهو رجل أمريكي تعرفت عليه بالصدفة في أحد الشوارع، وإذ صممت ألّا تخضع لأّي إملاء، حتى لو كان دينياً، قررت نسرين، استئجار محل صغير لإنشاء أول محل للخياطة، وهكذا، ولد محل الحرف اليدوية النسوية "Local Women’s Handicrafts"، ومن هنا انضمت العديد من النساء إلى قضيتها، وساعدها بعض الأصدقاء في تمويل مشروعها.

وفي عام 2013، تزوّد المشروع بورشة عمل، ويقع هذا المحل على بعد 20 دقيقة من كاتماندو، وتم تمويله بمساعدة العديد من الأصدقاء، وتأمل نسرين في أن تكون هي أوّل من يعلن بناء ورش عمل أخرى في جميع أنحاء البلاد. ومنذ عام 2016، سجلت هذه المبادرة كجزء من المنظمة غير الحكومية "لوكوم/ LocWom"، ومقرّها في بورتلاند. واليوم، يتم استضافة نسرين الشيخ كضيف شرف من قبل عدة جامعات أنجلو ساكسونية، وتدعى أيضاً –بانتظام- للتحدّث في مختلف المؤتمرات لتعزيز ريادة الأعمال الاجتماعية والتضامن (بما في ذلك مؤتمر "أسباير القيادة" (Aspire Leadershi) في لندن) .

الخروج من الفقر والتابوهات من خلال العمل والتعليم

اليوم، مكّن مشروع "لوكوم LocWom"، ومحلّ الحرف اليدوية النسوية (LocalWomenHandicrafts)، اللذان يعملان على أساس مبدأ الخدمة العادلة، أكثر من مئة امرأة من أن يصبحن مستقلات مالياً، ويتخلصن من تبعية زوجية لا مفرّ منها، وهناك حالياً 35 امرأة يأتين للعمل كلّ يوم. إضافة إلى ذلك، أنشأت لوكوم مركز التمكين الذي يربط بالأنشطة الحرفية والمبيعات التي تجري في المحل، كما تم إنشاء عيادة صحية وخطة تعليمية للأطفال والفتيات اللواتي يعانين من صعوبات، فضلاً عن تنظيم مؤتمرات مكرّسة لتعزيز روح المبادرة المحلية في نهج نسوي تضطلع به النساء.

تعمل جمعية نسرين الآن على تثقيفِ وتوعية النساء النيباليات حول مسائل هامة، مثل العادة الشهرية

تثقيف وتوعية النساء

أخيراً، تعمل الجمعية الآن على تثقيف وتوعية النساء النيباليات حول مسائل مهمة، مثل الدورة الشهرية.

منذ إعلان الدولة علمانية عام 2007، تم الاعتراف بالأقليات الدينية، وبعض الأعياد مثل: عيد الفطر وعيد الأضحى، وعيد الميلاد

في الواقع، يظلّ الحيض موضوعاً محرماً جداً في نيبال، وما زال مرتبطاً بالعار والشوائب، ولا يزال من الشائع في البلد أن ترفض الأسرة فتاة أثناء الددورة الشهرية، وأن تضطر الفتاة إلى النوم خارج المنزل، إضافة إلى ذلك؛ فإنّ قواعد النظافة الأساسية غير معروفة في معظمها من قبل الفتيات، ولا تزال وصمة العار المرتبطة بالدورة الشهرية قوية للغاية، وهذا هو السبب الذي جعل المسلمة المكافحة نسرين، وأعضاء جمعيتها، يوزعون المناشف القطنية القابلة لإعادة الاستخدام، التي يصنعونها بأنفسهم، كما تقدم للفتيات أيضاً معلومات أساسية عن الدورة الشهرية والجهاز التناسلي أثناء ورش العمل.

نسرين الشيخ ضيف شرف الجامعات العالمية

اليوم، أصبحت المسلمة السنية نسرين أيقونة رمزية في الدفاع عن حقوق المرأة في نيبال. وعلى الصعيد الدولي، فهي أيضاً ضيفة شرف لعدة جامعات أنجلوسكسونية.

في الواقع؛ تتم دعوتها بانتظام للتحدث في مختلف المؤتمرات، بما في ذلك مؤتمر "قيادة أسباير" في لندن.

المراهقة النيبالية المسلمة، صارت الآن مثالاً متميزاً للجمعيات الخيرية، وهي في الـ 17 من عمرها فقط.

عن  la-croix.com وcourrierinternational وminutenews.fr

الصفحة الرئيسية