الليبيون يسعون للسلام وأردوغان يصر على الفوضى.. ما الجديد؟

الليبيون يسعون للسلام وأردوغان يصر على الفوضى.. ما الجديد؟

مشاهدة

21/01/2021

تجري المناقشات الطامحة لإقرار حلّ سياسي عاجل للأزمة الليبية على قدم وساق بين عدة عواصم عربية، وبدعم قوي من كافة القوى الإقليمية والدولية، وبرعاية الأمم المتحدة، بينما الأحداث المتسارعة على الأرض وأبرزها العمليات الإرهابية وإصرار حكومة فائز السراج المدعومة من تركيا على الإبقاء على الميليشيات المسلحة واستمرار نقل المرتزقة إلى الداخل تجعل جهود الحلّ مجرّد حبر على ورق، بينما تتفاقم أزمات أخرى طفت على السطح مؤخراً، أخطرها أزمة الخبز التي تهدد أكثر من نصف الليبيين بالجوع.

وبالرغم من الاتفاق السياسي بين المفوضين الليبيين على إقرار موازنة موحدة للبلاد العام 2021 هي الأضخم في تاريخها، إلّا أنّ الأزمة الاقتصادية تلقي بظلالها الكثيفة على الواقع الليبي، خاصة في ظلّ تفاقم أزمة الخبز والدواء والنقص الحاد الذي تشهده سوق السلع الغذائية.   

حلقات مفرغة

يرى مراقبون أنّ الصراع الليبي يدور منذ أعوام في حلقات مفرغة، وإن كانت الجهود الأممية والدولية التي تهدف إلى الاتفاق على حل سياسي محل تقدير واهتمام، إلا أنّ نتائجها تظل حبيسة الغرف المغلقة دون جدوى تعود على المواطن الليبي الذي يعاني الأمرّين على مدار أكثر من عقد، وتزيد أزماته يوماً تلو الآخر.

تجري المناقشات الطامحة لإقرار حلّ سياسي عاجل للأزمة الليبية على قدم وساق بين عدة عواصم عربية

الثلاثاء الماضي، اتفق المشاركون في جلسات اللقاء الثاني للّجنة الدستورية الليبية، الذي عُقد بمدينة الغردقة المصرية، على إجراء الاستفتاء على الدستور مع تعديل المادة السادسة باعتماد نظام الدوائر الـ3 بنظام 50+1وإلغاء المادة السابعة منه، وتحصين المراكز القانونية التي ستنتج عن هذا الاستفتاء، وذلك من خلال إيقاف نظر الطعون المتعلقة بقانون الاستفتاء وقانونية إصدار مشروع الدستور والتعديل العاشر للإعلام الدستوري الصادر في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2018، واتفق الحاضرون على استكمال المناقشات في الفترة ما بين 9 إلى 11 شباط (فبراير) المقبل، بحضور ممثلين عن المفوضية العليا للانتخابات.

اقرأ أيضاً: هل يبقى مرتزقة أردوغان في ليبيا؟.. المبعوثة الأممية وليامز تعلق

يقول الكاتب والباحث المختص بالشأن الليبي، رضا شعبان: إنّ نتائج جلسات الحوار الليبي جميعها "مجمّدة" حتى الآن، وستظلّ رهينة قدرة الأطراف الداخلية على التوافق حول الإخلاء الفوري للبلاد من الميليشيات، وإقرار الأمن في مختلف المناطق، ووقف التدخل الأجنبي الذي تفرضه تركيا، وكذلك الوقف الفوري لتهريب السلاح والمرتزقة إلى ليبيا، مؤكداً أنّ الحل السياسي يستحيل تحقيقه في ظلّ تهديدات أمنية وعسكرية، خاصة مع إصرار تركيا على دعم حكومة الوفاق بأعداد جديدة من المرتزقة، وفق ما أعلنه الجيش الليبي مؤخراً.

الكاتب والباحث المختص بالشأن الليبي، رضا شعبان

ويرى شعبان في تصريحه لـ"حفريات" أنّ "المسارين الاقتصادي والعسكري حققا نجاحاً وتقدّماً ملموساً، وخطوات فعلية في إطار توحيد القرار المالي في المصرف المركزي، وتوحيد الميزانية، وتثبيت سعر الصرف للدولار، وهو ما حرم التنظيم الإرهابي من سطوته وتفرّده بالقرار المالي الذي كان يستخدمه ورقة ضغط يتلاعب بها لتمويل الأنشطة الإرهابية من اعتمادات وهمية وفروق أسعار العملات في السوق السوداء.

رضا شعبان: نتائج جلسات الحوار الليبي ستظلّ رهينة قدرة الأطراف الداخلية على التوافق

ويؤكد الكاتب المختص بالشأن الليبي أنّ المسار العسكري حقق توافقاً بين مجموعة من الأطراف المتنازعة في الداخل بترحيب دولي على ضرورة خروج المرتزقة وتفكيك الميليشيات ونزع السلاح المنفلت.  

الإخوان عقدة المسار السياسي

ويرى شعبان أنه بالرغم من التطورات الإيجابية الأخيرة في المسار السياسي حول  وجود توافق على آلية اختيار سلطة مؤقتة لإدارة البلاد لمدة 11 شهراً تنتهي في 24 كانون الأول (ديسمبر) 2021 بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، فإنّ المسار السياسي بالنسبة إلى تنظيم الإخوان الإرهابي غير مضمون النتائج، ويواجه تحديات كبرى؛ أهمّها الرفض الشعبي للتنظيم، إضافة إلى أنّ موضوع تولي بعض الأطراف سلطة سياسية مؤقتة لمدة 11 شهراً فقط أمر غير منطقي، ومهدّد بالإلغاء لصالح بقاء السلطات الحالية، مع الجدّية في الإعداد للانتخابات واختيار سلطات دائمة لليبيا.  

تصر حكومة السراج المدعومة من تركيا على الإبقاء على الميليشيات المسلحة

ويضيف شعبان: "يمكن قياس النجاح في المسارين الاقتصادي والعسكري في مقابل نتيجة غامضة في المسار السياسي بمحاولات إفشال المسارين والضغط عليهما باختلاق أزمات مالية، ونقص سلع كالدقيق، وأزمات أمنية، مشيراً إلى تفجير مخزن الذخيرة الثلاثاء الماضي بالكلية البحرية غرب طرابلس، وبالقرب من مقرّ البعثة الأممية وباقي البعثات الدولية الأخرى في منطقة جنزور".

أردوغان ينسف جهود التوافق

وبالتوازي مع الجهود الحثيثة لنقل الأزمة الليبية خطوة إلى الأمام وتخفيف معاناة المواطنين بالوصول لحل سياسي، وكذلك الجهود العسكرية القوية التي يحاول الجيش الليبي من خلالها خلق حالة الاستقرار المفقودة منذ أعوام لتهيئة الأجواء لممارسة العمل السياسي والتنمية، ما تزال التحركات التركية مستمرة لتعميق الأزمة الليبية بالدفع بعشرات المرتزقة إلى البلاد يومياً وتسليحهم، لتنفيذ عمليات إرهابية تمثل عائقاً أساسياً أمام المفاوضات.

وقال المتحدث باسم الجيش الليبي اللواء أحمد المسماري: إنّ تركيا مستمرة في إرسال المرتزقة إلى البلاد وبأعداد كبيرة، وكذلك تهريب السلاح اللازم لهم، وأكد في بيان صحفي نُشر الثلاثاء الماضي أنّ تركيا لن تغادر ليبيا لا بالمفاوضات ولا بالوساطة.

وجدّد المسماري ترحيب جيش بلاده بأيّ مبادرات تحقق التقارب والتوافق بين الليبيين، لكنه حذّر في الوقت ذاته من التلاعب بالأوراق السياسية لصالح طرف دون الآخر، بما سيؤثر سلباً على الإرهاب والجريمة، على حدّ تعبيره.

اقرأ أيضاً: الأوروبيون يُحكمون مراقبة الأسلحة المهربة إلى ليبيا... ما علاقة تركيا؟

ويورد شعبان عدة أسباب يعتبرها المعطلة لإقرار أيّ حل لإنهاء الصراع الليبي، أبرزها الإصرار التركي على التواجد في ليبيا خارج أيّ إطار شرعي أو قانوني، والدعم غير المحدود الذي تقدّمه أنقرة للميليشيات بهدف زعزعة الاستقرار، والسيطرة على موارد البلاد وتسخيرها لخدمة أردوغان وأجندته، واصفاً الممارسات التركية بـ"الاستفزازية"، وأنها لا تخرج عن المحاولات المستمرة من جانب الرئيس التركي لفرض سيطرته خارج حدود دولته بتحدي الشرعية الدولية والتعدي على حقوق دول الجوار.

 المسماري: تركيا مستمرة بإرسال المرتزقة إلى البلاد وبأعداد كبيرة تزامناً مع تهريب السلاح

في هذا السياق، يقول الكاتب محمّد خلفان الصوافي أنّ "الحديث عن مستقبل الأزمة الليبية في ظلّ هذه التشابكات والصراعات وتباين المصالح يصبح أمراً في غاية الصعوبة، فالحديث عن سيناريوهات التسوية والصراع تبدو متساوية، بالنظر إلى تداخل المسارين السياسي والعسكري في الأزمة الليبية، وهذا ما أثبتته تطورات العامين الأخيرين، وخصوصاً مستجدات الأشهر القليلة الماضية، فالعلاقة بين المسارين أقرب إلى علاقة الفعل وردّ الفعل، ولذا تأتي النتائج على أحد المسارين "تالية" زمنياً على مسبباتها في المسار الآخر".

اقرأ أيضاً: دفعة جديدة من مرتزقة أردوغان إلى ليبيا.. تفاصيل

ويوضح الصوافي، في مقال مطوّل على موقع "ترند" تحت عنوان "الأزمة في ليبيا: خارطة الصراع وتطوراته ومساراته المستقبلية"، أنه "كلما طال الوقت الفاصل بين التطورات التي يعرفها المساران، كان التأثر أعمق وأشدّ وضوحاً. ولعل الأطراف المنخرطة في الملف الليبي بدأت تدرك هذه الآلية أو المنهج المميز للعلاقة بين الميداني والسياسي، وهو ما يفسّر تصاعد النشاط الدبلوماسي والمساعي الحثيثة التي بدأت تجري مؤخراً (منذ أسابيع) لاحتواء تداعيات التحوّل الميداني الجذري الذي نجم عن التدخل العسكري التركي، والذي بدأ قبل أكثر من 6 أشهر".

وما يزيد من تعقيد المشهد الليبي هو تعدّد الأطراف الإقليمية والدولية المتداخلة في الأزمة، وتعارض مصالحها بشكل كبير للغاية، بشكل يجعل أيّ حديث عن تسوية محتملة أمراً في غاية الصعوبة.

ويعلق الليبيون آمالهم على الحوار الذي يجري في عدة عواصم عربية، باعتباره المنقذ من النفق المظلم إلى جانب العمليات العسكرية التي حققت قدراً ملحوظاً من الاستقرار، لكن يبقى الحلّ الحقيقي مرهوناً بإنهاء التواجد التركي في داخل البلاد، والإعلان عن انتخابات مبكرة، والانتباه لأهمية تمثيل متكافئ لجميع الأطراف السياسية في المناصب التنفيذية، دون تكرار لأخطاء الماضي بترك الأمر في أيدي جماعة ولاؤها لصالح دول وتنظيمات خارجية، ولا تهتمّ بمصالح البلاد.

الصفحة الرئيسية