القرار الهولندي ضد الإخوان: خطوة استراتيجية في مواجهة الإسلاموية العابرة للحدود

القرار الهولندي ضد الإخوان: خطوة استراتيجية في مواجهة الإسلاموية العابرة للحدود

القرار الهولندي ضد الإخوان: خطوة استراتيجية في مواجهة الإسلاموية العابرة للحدود


25/03/2026

 

تصويت البرلمان الهولندي بالأغلبية على مقترح يقضي بتصنيف جماعة الإخوان كـ "تنظيم محظور" لا يبدو أمراً مباغتاً، وإنّما هو جزء من تطور لافت ومقاربة أوروبية تتشكل ضد الجماعة الأم للإسلام السياسي بعدما برزت تهديداتها في العواصم الأوروبية خصوصاً بعد حرب غزة في 7 (أكتوبر) عام 2023. ولطالما كانت جماعة الإخوان أحد عوامل تفكيك الدول الوطنية في ظل أدوارها الوظيفية المتباينة تاريخياً. 

إلا أنّ التعاطي الأوروبي يؤشر إلى خطوة باتجاه القطيعة مع احتمالات إعادة تمرير هذا الدور الوظيفي أو المهادنة مع ورقة الإسلاموية في المجال العام وإمكانية دمجه في السياسات الديمقراطية والليبرالية. بالتالي هي خطوة أو استدارة تتخطى كونها مجرد عمل رمزي وسياسي مؤقت إلى إجراء تصحيحي شمولي مثله مثل الإجراءات الفرنسية والموقف الأمريكي الذي يتضمن قيوداً قانونية وتقويض النفوذ.

الإخوان جماعة محظورة في هولندا

مجلس النواب الهولندي أقرّ مؤخراً مقترح تصنيف الإخوان جماعة محظورة بأغلبية بلغت 76 صوتاً، بعد جلسات استماع ومداولات مطولة استندت إلى تقارير أمنية وتحذيرات سياسية من تنامي نفوذ الجماعة وتأثيرها على التماسك المجتمعي. ويتضمن القرار الدعوة إلى حظر التنظيم بكافة المؤسسات والجمعيات المرتبطة به داخل الأراضي الهولندية، وهي خطوة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية لافتة، الأمر الذي يعكس تصاعد القلق الأوروبي من نفوذ الحركات الإسلاموية العابرة للحدود، وانتقالاً تدريجياً من سياسة الرصد إلى نهج المواجهة القانونية والتنظيمية.

ولا يقتصر القرار الهولندي على توصيف سياسي أو موقف رمزي، بل يتضمن دعوة صريحة للحكومة لاتخاذ إجراءات عملية، تشمل تفكيك الشبكات المرتبطة بالجماعة، ومراجعة مصادر تمويل الجمعيات المشتبه بها، وتشديد الرقابة على الأنشطة الدعوية والتعليمية. ويمنح التصويت غطاءً سياسياً للأجهزة المختصة للشروع في خطوات ميدانية قد تصل إلى تجميد الأصول وإغلاق الكيانات المرتبطة، في حال إثبات علاقتها التنظيمية أو الإيديولوجية بالجماعة.

ورغم ذلك، يبقى تنفيذ القرار مرهوناً بإجراءات قانونية معقدة، إذ يتطلب حظر أيّ منظمة في هولندا حكماً قضائياً استناداً إلى المادة 2:20 من القانون المدني التي تشترط إثبات تهديد واضح للنظام العام أو تقويض أسس الدولة الديمقراطية. إلا أنّ التصويت بالأغلبية على المقترح يؤكد وجود اصطفاف سياسي يتخطى الانقسامات أو الاستقطابات الداخلية، حيث تتنامى المخاوف إزاء أنشطة الإخوان وقوى الإسلام السياسي، خصوصاً في ظل المعلومات الأمنية والاستخبارية التي تُحذر من تبعات تغلغل الإسلاموية في مؤسسات المجتمع المدني وتعميم قيمهم الانعزالية بما يقوض قيم الديمقراطية والعلمانية. من ثمّ فالمخاوف الهولندية تتقاطع والسياق الأوروبي الذي يقع تحت وطأة رغبة محمومة في كبح جماح الإخوان. وقد تبنت فرنسا مطلع العام إجراءات مماثلة حين دعت إلى إدراج الجماعة في قوائم الإرهاب الأوروبية، والأمر ذاته في النمسا.

ويتقاطع هذا التوجه مع التحول في السياسة الأمريكية، التي اعتمدت نهجاً تدريجياً لتصنيف فروع محددة من الجماعة كمنظمات إرهابية، بدلاً من محاولة تصنيفها ككيان واحد. 

مرحلة جديدة

في المحصلة، يعكس التصويت الهولندي بداية مرحلة جديدة في التعاطي الأوروبي مع الحركات الإسلاموية، تقوم على الانتقال من الاحتواء والمراقبة إلى المواجهة القانونية والتفكيك المؤسسي. وبينما لا يمثل التصويت حظراً فورياً بحد ذاته، فإنّه يؤسس لمسار قانوني وسياسي قد يمتد إلى دول أوروبية أخرى، وهو ما يشير إلى أنّ القارة تدخل بالفعل مرحلة إعادة تقييم شاملة لكيفية التعامل مع هذا الملف المعقد.

ولا يقف القرار الهولندي عند حدود الإدانة السياسية أو التعبير الرمزي، بل يتضمن مساراً تنفيذياً واضح المعالم، بحسب ما تشير تقارير صحفية أجنبية، حيث يضع الحكومة أمام التزامات عملية تبدأ بتفكيك البنى التنظيمية المرتبطة بالجماعة، مروراً بتدقيق مصادر التمويل، وصولاً إلى تشديد الرقابة على الأنشطة الدعوية والتعليمية التي يُشتبه في توظيفها لنشر إيديولوجيتها. ويوفر التصويت غطاءً سياسياً للأجهزة المختصة للتحرك ميدانياً، بما في ذلك اتخاذ إجراءات قد تصل إلى تجميد الأصول وإغلاق الكيانات ذات الصلة.

ويكشف هذا التطور عن تحول ملموس في موازين القوى داخل المشهد السياسي الهولندي، حيث نجحت التيارات اليمينية والمحافظة، وفي مقدمتها حزب الحرية، في تمرير المقترح بعد سنوات من الجدل، مستفيدة من تنامي المخاوف المرتبطة بما يعرف باستراتيجية "التغلغل الناعم" التي تعتمدها الجماعة عبر واجهات مدنية وثقافية. ورغم أنّ تفعيل القرار يظلّ رهيناً بالإجراءات الحكومية والتكييف القانوني، فإنّ طبيعته شبه الإلزامية تعكس دخول هولندا فعلياً مرحلة التنفيذ، لا الاكتفاء بالتمهيد، وهو ما قد يمهد لسلسلة إجراءات مشابهة في دول أوروبية أخرى خلال الفترة المقبلة.

وقد أبدى معهد دراسة معاداة السامية العالمية والسياسات، وهو مركز بحثي دولي بارز يتخذ من الولايات المتحدة مقراً له، ترحيباً واضحاً بالقرار الهولندي، معتبراً إيّاه خطوة نوعية في مواجهة ما يصفه بتحدٍ إيديولوجي متنامٍ يطال بنية الأنظمة الديمقراطية. وأكد المدير المؤسس للمعهد، الدكتور تشارلز آشر سمول، أنّ تصويت البرلمان الهولندي يمثل محطة مفصلية في التصدي لما اعتبره مشروعاً عابراً للحدود تتبناه جماعة الإخوان. وأضاف أنّ هذه الخطوة تعكس إدراكاً متقدماً لطبيعة التهديد طويل الأمد، مشيراً إلى أنّ الجماعة تنفذ، وفق تقديره، استراتيجية ممتدة تهدف إلى ترسيخ حضورها داخل المجتمعات والمؤسسات الغربية، والعمل تدريجياً على التأثير في بنيتها من الداخل. 

إذاً، يأتي القرار الهولندي في أعقاب خطوة مماثلة في فرنسا، حيث تبنّى المشرعون قراراً في كانون الثاني/يناير 2026 أعربوا فيه عن مخاوفهم بشأن جماعة الإخوان المسلمين. وتشير هذه الإجراءات مجتمعة إلى اتجاه متنامٍ لدى بعض الحكومات الأوروبية نحو دراسة تأثير الشبكات السياسية والدينية العابرة للحدود دراسة أكثر دقة. بحسب المذكرة الهولندية، استند القرار جزئياً إلى نتائج تقرير حكومي فرنسي. وقد حذر التقرير ممّا وصفه بجهود تدريجية وطويلة الأمد تبذلها المنظمة لتشكيل المؤسسات والحياة العامة داخل الأنظمة الديمقراطية، بحسب المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات. 

ويقول سمول: "بتبنيها لهذا القرار، تقرّ هولندا بأنّ جماعة الإخوان المسلمين تستغل الحريات الأساسية للمجتمعات الديمقراطية الليبرالية، كمفهوم المواطنة والمساواة في ظل نظام قانوني واحد، بغضّ النظر عن العرق أو الدين أو الجنس، كنقاط ضعف استراتيجية. ويعزز هذا القرار الزخم الذي شهدناه في الولايات المتحدة".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية